السعودية عرابة الإرهاب.. تقرير

السعودية عرابة الإرهاب.. تقرير "هنري جاكسون" يُذكّر بما يعرفه الجميع

جاء تقرير "هنري جاكسون" ليذكر الجميع بما هو معروف من دعم السعودية للإرهاب (أوليفييه دوليري بوول/Getty)

في الوقت الذي تقود فيه المملكة العربية السعودية حربًا دبلوماسية على جارتها قطر، تحت دعاوى فضفاضة غير ذات معنى مُحدد، من بينها اتهام قطر بدعم الإرهاب دون تحديد لماهيّة وكنه هذا الإرهاب المقصود، خاصةً أن قائمة الإرهاب المزعومة التي وضعتها السعودية ومعها دول الحصار، تضمنت جمعيات خيرية تعمل مع الأمم المتحدة.. في نفس الوقت، أشارت العديد من الأصوات إلى كوميديا المهزلة التي تجعل السعودية تُشير بأصابع الاتهام بدعم الإرهاب لقطر، أو حتى لغيرها، فيما تغرق المملكة العجوز بأكملها، ليس فقط في دعم الإرهاب وجماعاته، بل أيضًا في تنشئته، ولنا في التاريخ عبرةٌ وتذكرةٌ لمن ينسى.

يعلم الجميع أن للسعودية تاريخ أسود ليس فقط في دعم الإرهاب، بل في تنشئته والتأطير النظري لأيديولوجيا التنظيمات الإرهابية

لم تضع السعودية في اعتبارها تلك الأصوات وما تُشير إليه، وتجاهلتها وكأّن شيئًا لم يحدث، مُستمرّةً في توجيه الاتهامات جزافًا هنا وهناك بدعم الإرهاب وبتوصيف "الإرهابيين" من وجهة نظرها المحضة، مدعومةً من نظامٍ يقتات على دعاوى الحرب على الإرهاب ويُروّج لنفسه بذلك، هو النظام المصري، وآخر في أبوظبي يقوده محمد بن زايد، الذي هو من جهة "أكثر من يكره جماعة الإخوان المسلمين في العالم"، بتعبير سفير بريطانيا السابق في أبوظبي، السير جون جينكز، ومن جهة أُخرى يحتقر رجال آل سعود، فيصفهم أحيانًا بالكهول عديمي الكفاءة، وأحيانًا بالفاسدين، كما يُفضّل وصف بعضهم بالقرود! لكنّ أبرز ما جاءت به تسريبات ويكيليكس من جملة ما وصف به ابن زايد رجال آل سعود، أنّهم "منبعٌ خصب لتصدير الإرهاب والتطرف".

تقرير "هنري جاكسون".. التذكير بما يعرفه الجميع

إذن يعلم الجميع أنّ المملكة التي تحتل مساحة تزيد عن مليونين و100 ألف كيلومتر مربع، ولها نزاعات حدودية مع ثلاثة من جيرانها على الأقل، هم اليمن وقطر، وللغرابة، الإمارات أيضًا؛ لها تاريخ أسود ربما لا يزال ممتدًا للآن، في دعم الإرهاب والترويج له، بدايةً من التنشئة والتمويل غير المحدود، مرورًا بالتأطير النظري لأيديولوجيا جماعات الإرهاب الإسلامي التي تُفضّل نسبةَ نفسها إلى جُملة أفكار الوهابية، نهاية بتصدير العدد الأكبر من رُوّاد الجماعات الإرهابية المسلحة، ومن بين أخطرها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الابن الشرعي لتنظيم القاعدة، الذي أُنشئ على عين السعودية وبمالها وفتاوى شيوخها. 

اقرأ/ي أيضًا: تقرير هنري جاكسون ومملكة الظلام.. سخاءٌ على الإرهاب

وإن كان البعض قد نسي هذه الحقائق أو تجاهلها لمصلحة مفروضة متمثلة في عشرات مليارات الدولارات أو "فلوس زي الرز" كما قال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في إحدى تسريباته، أو "تعاون لا بد منه" كما كان يقول ابن زايد لأصدقائه الأمريكان في أحاديثه الكثيرة معهم، والتي من بينها ما باح فيها بأنّ "السعوديون ليسوا أصدقائي الأعزاء، لكنني مضطر للتعاون معهم"؛ حتى جاءت مؤسسة "هنري جاكسون" البحثية البريطانية، بتقريرها التاسع لهذا العام 2017، عن "التمويلات الأجنبية للتطرف الإسلامي"، والتي خلصت فيه إلى عدة أمور على رأسها ضلوع السعودية في دعم وتمويل مصادر الإرهاب. 

الآن فقط اضطرت السعودية إلى الرد على التهم المُوجّهة إليها، والتي هي قديمة في أصلها، لكنّ المفاجأة كانت أن يُعاد التذكير بهذه التهم في الوقت الذي تدعي فيه السعودية إدارتها للحرب على الإرهاب بعدّة سبل، كتأسيس مركز عالمي لمكافحة التطرف والإرهاب، دُشّن في زيارة ترامب للسعودية، وبحضور السيسي، في مشهد كاريكاتوري، حيث الزعماء الثلاثة سلمان بن عبدالعزيز ودونالد ترامب وعبدالفتاح السيسي يضعون أيديهم على نموذج مضيء للكرة الأرضية، فيما بدا أنّ من وراء هذا المشهد رسالة ما، لكنها جاءت عكسية بعد سيل من التهكمات على هذه الصورة، التي اجتمع فيها بغير صدفة، واحد مُتّهم بالضلوع في قتل مئات المدنيين المعارضين وسجن الآلاف، هو السيسي، وآخر مُتهم بالعنصرية ضد كل أحد وكل شيء سواه تقريبًا، وثالث يقود مملكة أنشأت وروّجت بمال نفطها لأيديولوجيا تُتّهم بأنها وراء معظم إرهاب العالم.

سلمان بن عبدالعزيز ودونالد ترامب وعبدالفتاح السيسي، يفتتحون مركز مكافحة التطرف والإرهاب في الرياض (بندر الجلود/ الأناضول)
سلمان وترامب وميلانيا والسيسي، يفتتحون مركز مكافحة التطرف والإرهاب في الرياض (بندر الجلود/ الأناضول)

ردت السعودية وقالت عبر سفارتها في بريطانيا، إنّ ما جاء في التقرير "كاذب بشكل قاطع"، زاعمةً أنّ أي اتهامات للسعودية "بأنها ساعدت على تطرف ولو عدد قليل من الأفراد، هي مجرد اتهامات لا أساس لها، وتفتقر للأدلة ذات المصداقية"، لافتةً إلى تعرض السعودية نفسها في وقت من الأوقات لهجمات إرهابية، دون توضيح لطبيعة العلاقة بين حقيقة دعمها للإرهاب وتعرضها لهجمات إرهابية، فغالبًا ما يضرب الإرهاب بعضه بعضًا، وداعش والقاعدة في سوريا يحاربان بعضهما البعض، بل إن نفس التقرير الذي وضع السعودية على رأس الدول الراعية للإرهاب، أشار بالاتهام لإيران أيضًا بدعمها للإرهاب، ويعلم الجميع الآن أنّ صراع المنطقة الأساسي يدور بين إيران والسعودية التي يدعو مشايخها الآن بالتوقف عن الدعاء على الصهاينة وتركيزه على الإيرانيين!

السعودية تدعم الإرهاب في تقرير "هنري جاكسون" وفي غيره

جاء في تقرير "هنري جاكسون" نصًا، أنّ المملكة العربية السعودية "تأتي في مقدمة الحكومات التي تدعم التطرف، وذلك منذ الستينيات، عبر رعايتها جهود بمليارات الدولارات لتصدير الفكر الوهابي في العالم الإسلامي، وأيضًا بين المجتمعات المسلمة في الغرب"، مُشيرًا إلى استقدام السعودية لـ"قادة مسلمين بريطانيين للتدريب في السعودية"، تقصد التدريب على الخطابة والوعظ بمنهجية الفكر الوهّابي، فضلًا عن تمويل السعودية طباعة ونشر كتب ومنشورات تُروّج لأفكار ومنهجيات ترتبط بتنامي التطرف والإرهاب.

لم يقتصر الأمر على ذلك، إذ توجّهت المؤسسة البحثية المعنية بالديمقراطيات وحقوق الإنسان، بالاتهام للسعودية بالوقوف وراء تمويل مُؤسسات تعليمية كان لها دور بارز في الترويج للأفكار المتطرفة، فضلًا عن استضافتها دعاةً ووعاظ وصفهم التقرير بـ"دعاة الكراهية والتشدد"، وهم أنفسهم القائمون على هذه المؤسسات والأوقاف الممولة مباشرة من السعودية، مُؤكدًا على اعتناق هؤلاء الدعاة للفكر الوهابي.

كما ربط التقرير بين مئات البريطانيين الذين التحقوا بتنظيمات جهادية في سوريا والعراق، وبين مُؤسسات ودعاة تُشرف السعودية على تمويلهم وخطابهم، الذي أشارت المؤسسة عدة مرات إلى أنه يحثّ على الكراهية والتطرف. كما لفت التقرير إلى أنّه "ليس من قبيل الصدفة، أن تنامي خطر الإرهاب، جاء بالتوازي مع انتشار الخطاب الوهابي في بريطانيا"، في اتهام صريح للسعودية والخطاب الذي موّلت الترويج له وتكريسه بالمليارات، بالوقوف وراء موجة الإرهاب والتطرف، انطلاقًا من الشرق الأوسط إلى أرجاء العالم.

العديد من التقارير الإحصائية أكدت تفرد السعودية بانضمام آلاف من مواطنيها إلى التنظيمات الإرهابية المختلفة

وإن كان ما أورده التقرير يأتي في وقت مُحرج بالنسبة للسعودية التي قاطعت قطر بدعوى دعمها للإرهاب، إلا أنّه لا يحمل جديدًا مُكتشفًا لأوّل مرّة، فالسعودية دعمت وموّلت الإرهاب في تقرير "هنري جاكسون" وفي غيره، بالانطلاق أوّلًا من الأيديولوجيا الرسمية للسعودية، التي صعد آل سعود إلى الحكم بالتحالف مع مؤسسها وأبنائه وأحفاده، أي الوهابية، التي لطالما أشارت أصابع الاتهام الغربية إلى وصمها بـ"الدين الرسمي للتنظيمات الإسلامية المتطرفة"، بدايةً من القاعدة وانتهاءً من داعش الذي لا تتبرأ أدبياته أبدًا من أنها تستقي من أفكار محمد بن عبدالوهاب.

اقرأ/ي أيضًا: قطع العلاقات مع قطر.. "من هو الإرهابي؟"

ولم يقتصر الأمر على الاتهامات من جهة الغرب، إذ إن بين العرب والمسلمين من يرى أن الوهابية ليست إلا امتدادًا لما يُسمونه بـ"الخوارج"، بل إنّ جموعًا من الدعاة والعلماء المسلمين اجتمعوا فيما يبدو خصيصًا لإخراج السلفية الوهابية من زمرة "أهل السنّة والجماعة"، وذلك في المؤتمر الذي عقد في آب/أغسطس 2016 بالعاصمة الشيشانية غروزني، وبحضور وجوه دينية على ارتباط وثيق، بل ربما رسمي، بالنظامين المصري والإماراتي، ما بدا أنها رسالة مصرية إماراتية مفادها أن المملكة العجوز تقف وراء تطرف وإرهاب "لا يُمثّل جموع أهل السنّة"، أو هكذا أرادوا القول.

كذلك فإنّ العديد من التقارير الإحصائية، أكّدت تفرّد السعودية بانضمام آلاف من مواطنيها إلى التنظيمات الجهادية المختلفة، بدايةً من القاعدة وانتهاءً بداعش الذي تُقدّر إحصاءات تعود لعام 2014 عدد السعوديين المنضوين تحت لوائه بنحو سبعة آلاف. وهناك كذلك تنظيم فتح الشام (جبهة النصرة سابقًا) الذي يضم مئات إن لم يكن آلاف من السعوديين وفقًا للإحصاءات المتاحة. وكلا التنظيمين، بالإضافة إلى القاعدة، ينطلقون من أفكار محمد بن عبدالوهاب التكفيرية في مجملها.

ولعله ليس هنالك من دليل أكثر وضوحًا من حديث وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، أمام الكونغرس الأمريكي قبل سنوات، والذي أشارت فيه إلى توظيف الوهابية في تأسيس القاعدة، قائلةً: "دعمنا تجنيد هؤلاء المجاهدين (تقصد نواة القاعدة في أفغانستان) من السعودية وأماكن أخرى، ووظفنا النسخة الوهابية للإسلام، كي نستطيع الإجهاز على الاتحاد السوفيتي".

يعرف العالم كل هذه الحقائق المثارة منذ سنوات عن الدور السعودي الأبرز في تنشئة الإرهاب ودعمه ماليًا وفكريًا، لكن السعودية تُصر على الإنكار، وتلقي بدائها على الآخرين تحقيقًا لمكاسب تتخيّلها، في الوقت الذي لا يزال فيه شيوخها ورجال دينها الوهابي يلوكون التطرف والكراهية ويروجون له تحت عين، وربما رعاية، حكامهم من آل سعود.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 السعودية عملاق تمويل الإرهاب في بريطانيا.. الفضيحة مستمرة

"الندخل السافر".. سياسة بن سلمان لجر السعودية نحو الهاوية