السعودية وإيران.. إنه النفط

السعودية وإيران.. إنه النفط

متظاهرون إيرانيون يحتجون على إعدام السعودية للشيخ نمر النمر (Getty)

ربما لم تدرك السعودية أثناء تنفيذها حكم إعدام المعارض الشيعي البارز، نمر باقر النمر على خلفية اتهامات تتعلق بإشعال الفتنة الطائفية والتحريض على العصيان، أن الأمور ستتطور إلى هذا الحد. إلا أن تلك الخطوة، التي تأتي متسقة مع السياسات العنترية التي تنتهجها المملكة منذ تولي ملكها الحالي سلمان للعرش مطلع عام 2015، قد فاقمت التوترات المذهبية والطائفية التي عمت المنطقة إثر مشاركة الخصمين في تدمير مساعي الديمقراطية عربيًا، طبعًا في ظل استمرارهما في تصعيد الموقف، ما يهدد ببلوغ ذروة لم تكن في الحسبان، وربما تحمل مآلات أخرى تزيد معاناة شعوب المنطقة.

لم تخل العلاقات السعودية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة من التوترات على عدة مستويات، وصولًا للاحتراب بدماء الآخرين

إثر إعدام السعودية للنمر، بدأ المحتجون في الشوارع الإيرانية التحلّق حول السفارة السعودية في طهران خلال ساعات قليلة، لينتهي الأمر بهجومهم على السفارة وإحراقها، ما يعيد إلى الذاكرة هجوم الطلاب الإيرانيين على السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز طاقمها بالداخل عام 1979، الهجوم الذي أدى إلى قطع العلاقات الأمريكية مع طهران، وليس من المستغرب حدوث صفقة بحجم إيران كونترا 1985-1986 خاصة في ظل قطع العلاقات بين الشيطان الأكبر والولي الفقيه. لكن هذه المرة خرجت البعثة الدبلوماسية السعودية سالمة وسريعًا، حتى قبل بدء الهجوم عليها! وأدى الأمر في النهاية إلى سحب الرياض لبعثتها وإعلانها قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران.

بدايات..

بالتأكيد يبدو الصراع الدبلوماسي المتفجر بين القوتين الإقليميتين مدفوعًا بأسبابٍ تتعلق بالنفوذ في المنطقة والصراع على النفط وأسعاره وحجم ضخه بعد مسيرة رفع العقوبات بجهود روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، ولابتسامة ظريف حكاية أخرى مع معسكر الصقور. على جانب آخر، يرى إيان بريمر، رئيس شركة "أوراسيا" للاستشارات، أن بعض أسباب التصعيد المفاجئ يعود إلى القضايا الداخلية التي تواجهها حكومتا البلدين.

فمن ناحية، تحاول طهران كبح جماح الإصلاحيين داخل صفوف قادتها، وعلى رأسهم الرئيس روحاني، الداعيين إلى تعزيز العلاقات الخارجية وعدم مفاقمة العداوات الخارجية، في إطار الصراع بين المتشددين والإصلاحيين داخل أروقة الحكومة الإيرانية، كذلك يحاول المتشددون صد ما يظنونه الاختراقات الغربية التي أتبعت توقيع الاتفاق النووي مع إيران.

أما من جانب السعودية، فتحاول الرياض التعامل مع انخفاض أسعار النفط، جدير بالذكر هنا رفع السعودية مؤخرًا لأسعار الوقود المخصص للاستهلاك المحلي، بالإضافة إلى محاولة القيادة السعودية الحالية تعزيز قوتها وشعبيتها في إطار الصراع المرتقب، على المدى البعيد، حول خلافة العرش السعودي، ما يجعلها تنتهج سياسات أكثر حزمًا على كافة الأصعدة.

أصداء إقليمية

لم تخل العلاقات السعودية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة من التوترات على عدة مستويات، حيث مثلت كلتاهما المنافس الإقليمي للآخر خصوصًا مع اشتداد النزاعات الطائفية والمذهبية في المنطقة. إلا أنها بلغت ذروتها خلال الصيف الماضي مع توقيع إيران للاتفاق النهائي مع القوى الغربية المتعلق ببرنامجها النووي، وبالتالي، رفع العقوبات الاقتصادية التي حجمت اقتصادها طويلًا.

علق مراسل مجلة "فورين بوليسي"، كيث جونسون، بأن السعودية قد استفادت على أكمل وجه من فرض العقوبات على إيران وسنوات انعزالها، حيث عززت الرياض نفوذها في المنطقة خلال تلك السنوات عبر تقديم الدعم لوكلائها في اليمن، العراق، وسوريا. إلا أنه رغم العقوبات، تمكنت إيران عبر وكلائها من تمثيل خطر على المصالح السعودية. وتخشى الرياض بالتأكيد عودة إيران إلى سابق نفوذها على الصعيد الإقليمي وداخل أسواق النفط، بشكل قد يتخطى إمكاناتها ويعزز تفوق إيران.

النفط أولًا

بشكل طبيعي، يؤدي تفجر صراع جديد بين السعودية وإيران، الدولتين الأبرز في منظمة "أوبك"، والواقعتين على رأس قائمة كبار مصدري النفط بالمنطقة، إلى رفع أسعار النفط، وهو الهدف الذي يرجح أن ترنو إليه السعودية ضمن أهدافها وراء التصعيد. فقد حافظت أسعار النفط على هبوطها بشكل عام منذ حوالي عامٍ ونصف، حيث هبطت من حوالي 110 دولار للبرميل خلال صيف 2014 إلى 30 دولار للبرميل للنفط حاليًا، يكلف ذلك السعودية سنويًا حوالي 200 مليار دولار، بينما يكلف إيران 25 مليار دولار. إلا أن السعودية تمكنت بسبب مخزونها النقدي من الدولار من تحمل تلك الخسائر.

بالتالي، فإن تفجر صراع جديد يرفع الأسعار يصب إلى درجة كبيرة في المصلحة الاقتصادية للسعودية، ولكن على خلاف المتوقع، هبطت أسعار النفط ولم تسجل حتى الآن ارتفاعًا ملحوظًا، حتى مع ارتفاع حدة التوترات بين البلدين. بالتأكيد تستقبل تلك الأنباء غير السارة، للبلدين، كصوت فرقعة محركات الاقتصاد العالمي، التي لم تعد قادرة على تحمل الإنتاج النفطي الفائض بشدة، لدرجة أنه حتى قيام صراع بين القوتين النفطيتين الأكبر إقليميًا لن يؤدي إلى تحسن الأسعار، وفق ماثيو رييد، نائب رئيس شركة استشارات الطاقة، "فورين ريبورتس".

رغم ذلك، لم تؤثر الأزمة على مستويات إنتاج النفط لدى البلدين، حيث تستعد إيران لرفع مستويات إنتاجها خلال الأشهر القادمة مع إتمام إجراءات رفع العقوبات الاقتصادية، ويتوقع ارتفاع مستوى الإنتاج الإيراني من مستواه الحالي، الذي فرضته العقوبات، مليار برميل يوميًا، إلى ملياري برميل يوميًا، في سوق مُغرق بالإنتاج بالفعل. كذلك تبدو السعودية مصممة على الحفاظ على مستويات إنتاجها المرتفعة، فقد رفضت سابقًا دعوات بعض أعضاء منظمة "أوبك"، وعلى رأسهم إيران، لخفض إنتاجها من أجل إنقاذ الأسعار.

مآلات ومخارج

تتخذ الآفاق المستقبلية للأزمة عدة مستويات، تتراوح بين المحلية داخل كلا البلدين، الإقليمية، الدولية، وفي أسواق النفط. بدءًا بالتداعيات المحلية، يرجح أن تؤدي الأزمة، والشحن الإعلامي والدبلوماسي المدعوم من الحكومتين إلى استثارة الروح القومية لدى الشعبين، وتعزيز الاستقطاب، ما يؤدي إلى تحقيق الأهداف التي يسعى إليها المتشددون داخل الحكومة الإيرانية، كما القيادة السعودية المتحفزة. إن نجحت المشاحنات الحالية في تحقيق تلك الأهداف فربما تسعى الدولتان إلى التهدئة، حتى لا تتجاوز الأزمة مداها.

وعلى نحو مشابه، إن لم تؤد التوترات إلى رفع أسعار النفط بشكل يصب في المصلحة الاقتصادية للبلدين، فمن المرجح أن يلجأ البلدان إلى التهدئة، فلا داعي لتكبد المزيد من الخسائر وسط أوضاع اقتصادية غير مستقرة.

أما على الصعيد الإقليمي، فإن الأزمة قد أدت بالفعل إلى مفاقمة الاستقطاب بطول الخط الفاصل بين السنة والشيعة في المنطقة، حيث حذت دول سنية، القيادة والأغلبية من السكان، مثل البحرين والسودان حذو السعودية وقطعت علاقاتها مع إيران. بينما "خفضت" دول أخرى مثل الإمارات والكويت نطاق علاقاتها مع طهران.

تحمل تلك المشاحنات تداعيات سلبية على نطاق أوسع، حيث تنذر الأزمة بتصعيد الأوضاع في العراق واليمن، وارتفاع أصوات أنين الشعبين، حيث تجري الحروب بالوكالة بين الدولتين، كما قد تعطل جهود البلدين للقضاء على العدو المشترك المعلن، تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

أما على ساحة الحرب بالوكالة الأوسع بين البلدين، سوريا، حيث تدعم إيران بشكل كامل حكومة بشار الأسد، وتقدم السعودية التمويل والأسلحة إلى التنظيمات المناوئة للأسد، ستؤدي الأزمة بلا شك إلى عرقلة المحادثات الهادفة إلى إيجاد حل للأزمة السورية، ما يزيد الطين بلة، في ضوء المسار غير المستقر الذي تتخذه المحادثات بالفعل من قبل نشوب الأزمة.

اقرأ/ي أيضًا:

إيران..قمع ما بعد الاتفاق النووي

كيف فشلت "السياسة الواقعية" الأمريكية في سوريا؟