"القاعدة" التي ما زالت تبيع بشكل جيد

ينتمي المؤلف إلى طبقة من المثقفين الغربيين اليساريين تختزل صراعات المنطقة إلى مجرد صراع طائفي

داعش عودة الجهاديين هو عنوان الترجمة العربية (الساقي 2015) لكتاب الصحفي البريطاني باتريك كوكبيرن "عودة الجهاديين داعش والانتفاضة السنية الجديدة"، فيما يبدو أنه محاولة لتخفيف فجاجة العنوان الأصلي في الطبعة العربية، هذه الفجاجة التي لن يستطيع نص الكتاب إخفاءها.

 يحول باتريك كوكبيرن جرائم النظام السوري إلى مجرد تفاصيل عسكرية، يصفها بلغة باردة تقترب من التبرير

ينتمي كوكبيرن مراسل صحيفة "الإندبندنت" في الشرق الأوسط إلى طبقة من المثقفين الغربيين اليساريين التي رغم عدائها للسياسة الأمريكية الاستعمارية وللأنظمة الرجعية، تمارس استشراقًا مفضوحًا، يختزل الصراعات التاريخية الحقيقية في المنطقة إلى مجرد صراع طائفي وحرب دينية، وهو إذ يجعل السعودية مصدر الإرهاب والفكر الإرهابي، يصمت صمتًا مريبًا عن الدور التخريبي لدولة ولاية الفقيه.

لتنظيم القاعدة جاذبية خاصة في الإعلام الغربي، فهو الشر المطلق، وهو ظاهرة غير تاريخية متماسكة ومحددة، كما أنها غامضة تحتاج إلى خبراء لشرحها، ويكفي أن تضع لوغو "القاعدة" على منتج ثقافي معين حتى يحقق مبيعات مجزية، حتى لو كان هذا المنتج لا يزيد عن معلومات معروفة ومتداولة يعرفها أصغر صحفي عربي أو مسلم، وتحليلات مبسطة تعتمد على (أخبرني صديق)، ويقول الدكتور فلان الفلاني الذي لم يسمع به أحد، واستشهادات من طرف واحد، ومشاهدات برفقة أجهزة الإعلام الحكومية.

لا يستطيع الصحفي الإيرلندي البريطاني المعروف، أن يخفي انحيازه وعواطفه، ولكي يبدي قدرًا من التوازن يتحدث عن فساد الحكومة العراقية واضطرار السنة العراقيين للارتماء في أحضان تنظيم الدولة بدافع اليأس، كما يعترف بوجود ثورة في سوريا على نظام وحشي وفاسد، لكنه يحول جرائم النظام إلى مجرد تفاصيل عسكرية يوصفها بلغة باردة تقترب من التبرير "وبدلاً من الاستيلاء على المناطق الواقعة تحت سيطرة الثوار، تقوم الحكومة بقصف تلك المناطق لإجبار السكان المدنيين على الهرب، وأولئك الذين يبقون هم إما عائلات المقاتلين أو فقراء جدًا لدرجة أنهم لا يستطيعون إيجاد مكان آخر يلجؤون إليه. بعد ذلك يتم قطع الكهرباء والماء عن المنطقة المستهدفة ومحاصرتها" ص 105. 

وفي معرض حديثه عن مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق عام 2013، يروي أنه ظهر في برنامج تلفزيوني مع المحامية رزان زيتونة التي رفضت بشدة المزاعم التي تتحدث عن ارتكاب الثوار للمجزرة، ثم يتابع أن زيتونة اختطفت من قبل "جيش الإسلام" بعد ذلك، دون أن يدلي برأيه وهو الخبير حول هوية مرتكب المجزرة، التي لا يعطيها أي حيز كأنها تفصيل صغير، ثم ليدس تلك المعلومة عن اختطاف رزان، ليقوم القارئ الأجنبي بربط ما بين المجزرة وجيش الإسلام، على شاكلة نظرية صحيفة "السفير" اللبنانية المحسوبة على محور الممانعة والمقاومة.

ويرتكب الصحفي الخبير كوارث على مستوى المعلومات كقوله "إن داعش هي التي أرسلت الانتحاري الذي قتل عبد الله محمد المحيسني، الممثل الرسمي للقاعدة في سوريا، وأيضًا قائد أحرار الشام"، أو على مستوى التحليل كاصراره على وصف الثورة السورية بالتمرد السني في سوريا، وردها إلى مؤامرات أجهزة مخابرات دولية وإقليمية، وكأنه بوق للنظام السوري.

وبعد كثير من القصص المتناثرة المفتقدة إلى المنهجية، يقدم الكاتب أطروحته الكبرى، الفكر الوهابي هو مصدر الإرهاب، والسعودية مصدر هذا الفكر، ويقحم معها باكستان، البعيدة عن الصراع في العراق وسوريا، والذين يُقتلون هم من الشيعة والأقليات فحسب، ولا يفوته أن يؤكد أن تركيا تفتح حدودها للإرهابيين الأجانب، وأن السلاح الغربي (الشحيح) المقدم للمعارضة السورية يصل إلى أيدي داعش، ما يعني أن هذه المعارضة التي ينتقدها بشدة غير موثوقة ولا يجب أن تدعم، في حين لا يرى جحافل الميليشيات الأجنبية المقاتلة إلى جانب النظام السوري، ولا المشروع الطائفي الإمبراطوري الإيراني.