الهجمة السعودية المرتدة على الأزهر

الهجمة السعودية المرتدة على الأزهر

شيخ الأزهر أحمد الطيب (Getty)

ما الذي جرى في «غروزني»، من موّل مؤتمر الشيشان؟ من خطط لطرد الوهابية/السلفية/السعودية من أهل السنة والجماعة؟ أسئلة يسيل لها لعاب الصحفيين والقراء المتابعين لأزمة مؤتمر «غروزني» برعاية الرئيس الشيشاني، رمضان قاديروف، بعنوان: «من أهل السنة والجماعة؟».

يحمّل الرأي العام السعودي مسؤولية "مؤتمر جروزني" على كاهل روسيا، يروّج أنها تعادي الثورات العربية، وتضغط لسحقها، كما يجري في سوريا

وخرج المؤتمر بإجابة محددة وواضحة غاب عنها السلفيّون، ربما لأن ممثليهم لم يتلقوا دعوات للحضور، وهي: «الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علمًا وأخلاقًا».

يعني ذلك خروج كل من خالفهم من دائرة السنة والجماعة، وهو الهدف الذي أقيم من أجله المؤتمر، بمشاركة أحمد الطيب، مفتي مصر، ومجموعة من مشايخ الأزهر، بينما لم تصل دعوات إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وهيئة كبار العلماء في السعودية ومنظمة التعاون الإسلامي، وغيرها من المنظمات الإسلامية الكبرى، وهو ما يفسّر غضب الشيخ يوسف القرضاوي، وهجومه على المؤتمر.

إلي جانب القرضاوي، شهدت الأيام الماضية هجومًا واسعًا من مشايخ السعودية على الأزهر وعمائمه، ردًا على توصيات المؤتمر التي استبعدت السلفيين وغيرهم من الجماعات المتشددة من مظلة أهل السنة والجماعة، وهو ما جاء صريحًا في كلمة «الطيب»: «الوهابية ليست من أهل السنة والجماعة».

وأضاف في الكلمة التي ألقاها نيابة عن وفد الأزاهرة: «مصطلح أهل السنة والجماعة، حسب منهج التعليم بالأزهر، إنما يُطلق على أتباعِ إمام أهل السُّنَّة أبي الحسن الأشعري، وأتباع إمام الهدى أبي منصور الماتريدي، وأهل الحديث، ولم يخرج عن عباءة هذا المذهب فُقَهَاء الحنفيَّة والمالكية والشافعية والمعتدلين من فقهاء الحنابلة، وهذا المفهوم بهذا العموم الذي يَشمَلُ علماء المسلمين وأئمتهم من المتكلمين والفقهاء والمحدِّثِين وأهل التصوف والإرشاد، وأهل النحو واللغة أَكَّدَهُ قُدماء الأشاعرة أنفسهم منذ البواكير الأولى لظهور هذا المصطلح بعد وفاة الإمام الأشعري، ثم هو ما استقرَّ عليه الأمر عند جمهرة علماء الأمة عبر القرون التالية، وهذا هو الواقع الذي عاشته الأمَّة لأكثر من ألف عام، حيث عاش الجميع في وحدةٍ جامعةٍ استوعبت التعدُّد والاختلاف المحمود، ونبذت الفرقة والخلاف المذموم».

تجدّد كلمة شيخ «الأزهر» الصراع التاريخي على جثة وسطية الإسلام بين السلفيين والأشاعرة.

اقرأ/ي أيضًا: كيف مولت "الأمم المتحدة" بشار الأسد

السؤال الصعب

والسؤال الآن. ما مناسبة تحديد أهل السنة والجماعة في هذا التوقيت؟

تدفع السعودية، المتضرّر الأول، بوجهة نظرها على لسان معتز الخطيب، الأستاذ في جامعة حمد بن خليفة، حيث يتهم روسيا بمحاولة إشعال المنطقة من خلال دعم المؤتمر، ويقول: «المؤتمر سياسي يتخفى تحت ستارٍ علمي، لذلك تأتي الإجابة على سؤال: لماذا بحث المؤتمر من هم أهل السنة اليوم؟ سياسية وليست علمية، كون السؤال مبنيًا اليوم على رؤية محددة للعنف والإرهاب، وهو أنه صادر عن الوهابية أو السلفية. ولذلك الحل يكون بإخراجها من أهل السنة.

مشاركة الحبيب علي الجفري، المقيم في الإمارات، في تنظيم مؤتمر غروزني، دفع صحف سعودية إلى التكهن بأن الإمارات المموّل الأول للمؤتمر

وجهة النظر السعوديّة تتماس مع البيان الختامي للمؤتمر، الذي قال: «تحديد أهل السنة ضروري للحد من محاولات المتطرفين اختطاف هذا اللقب وقصره على أنفسهم، وإخراج أهله منه».

ويضيف «الخطيب»: «السؤال ليس راهنًا، ولا علاقة له بما يجري اليوم، والجمهور السني كله لا يعرف من هم الأشعرية والماتريدية. والإجابة التراثية عليه معروفة من قديم، وهم: الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث. ولكن جاء المؤتمر ليحرف التراث والتاريخ، ويزيف الحاضر».

يحمّل الرأي العام السعودي مسؤولية ما يجري على كاهل روسيا، يروّج أنها تعادي الثورات العربية، وتضغط لسحقها، كما يجري في سوريا، فهي شريكة بشار الأسد في الغارات الجوية على حلب وإدلب ومناطق الصراع، الذي يريد أن يجرّه مؤتمر «جروزني» إلى مساحة «سني-خوارج»!

ويصيغ الأستاذ السعودي سؤالا يلخّص الأزمة: «الأهم أن أهل السنة هؤلاء لا يدافعون ولا يتكلمون كلمة واحدة، دفاعًا عن أهل السنة الذين يقتلون كل يوم منذ سنين في سوريا والعراق وغيرهما، بل يقفون مع القاتل».

اقرأ/ي أيضًا: مأزق الخليج في مصر

لغز الحبيب والإمارات

مشاركة الحبيب علي الجفري، الداعية اليمني، في تنظيم المؤتمر، عبر مؤسسة «طابة» التي يرأس مجلس إدارتها، ودعوة مشايخ مقرّبين من «أبو ظبي»، منهم الجفري، الذي يقيم في دبي الآن، دفع صحف سعودية إلى التكهن بأن الإمارات المموّل الأول للمؤتمر، واستعانت بعدّة إشارات لإثبات ذلك.

الإشارة الأولى هي إقامته في الشيشان، المعروفة بولائها الكامل لموسكو. الإشارة الثانية علاقة الرئيس الشيشاني «قاديروف» بمحمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي. الإشارة الثالثة، تجاهل دعوة المؤسسات السلفيّة رغم دعوة مشايخ مقرّبين للإمارات.

ونشرت وكالة «فارس» الإيرانية، معلومات غير موثّقة من مصادر ادّعت أنها مقربة من مطبخ القرار، تقول إن المؤتمر مموّل بالكامل من الإمارات.

الأزهر يعيد تفسير كلماته

ردًا على الهجمة السعودية المرتدة التي لا تناسب وفاق «القاهرة-الرياض» أصدر المركز الإعلامي بالأزهر بيانا حول موقف شيخه أحمد الطيب من مؤتمر غروزني الخاص بتعريف أهل السنة. وقال المركز الإعلامي بالأزهر في بيانه إنه "تابع ما أثير حول توصيف مَنْ هم أهل السنة والجماعة على بعض المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي وردود الأفعال حول توصيات المؤتمر" مؤكدًا أن الطيب نصَّ خلال كلمته للأمة في هذا المؤتمر على أن مفهوم أهل السُّنة والجماعة يُطْلَق على الأشاعرة، والماتريدية، وأهل الحديث.

وتابع الطيب نقلًا عن العلامة السفَّاريني قوله: "وأهل السُّنَّة ثلاث فِرَق: الأثريَّة وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري، والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي، وعن العلَّامة مرتضى الزَّبيدي قوله: والمراد بأهل السُّنة هم أهل الفِرَق الأربعة: المحدِّثون والصُّوفية والأشاعرة والماتريدية، معبرًا بذلك عن مذهب الأزهر الواضح في هذه القضية».

اقرأ/ي أيضًا:

صفقة أسلحة تاريخية بين أمريكا وإسرائيل

رجل المخابرات الأمريكية الذي يسبب صداعًا لأمريكا