هل تحمينا الاعتقالات السياسية من الإرهاب؟

هل تحمينا الاعتقالات السياسية من الإرهاب؟

إسماعيل الإسكندراني

قدرت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في شهر يونيو/حزيران الماضي عدد المعتقلين السياسيين في مصر بأكثر من واحد وأربعين ألف معتقل، جلهم معتقلون لأسباب سياسية على خلفية التظاهر أو التعبير عن الرأي أو تم اتهامهم بالضلوع في أعمال مخلة بالأمن دون استيفاء الشروط الدنيا للتحقيق العادل ولاستقلالية جهات التحقيق. 

في مصر، مصلحة السجون أبلغت وزارة الداخلية بتناقص قدرتها على استيعاب المزيد من المعتقلين

وهذا العدد الضخم من المعتقلين يزداد باستمرار مع تواصل سياسة الاعتقالات السياسية التي تعد من أشهر حالاتها الحديثة الآن حالة القبض على الصحفي إسماعيل الإسكندراني بعد توقيفه في مطار الغردقة، حتى إن مصلحة السجون أبلغت وزارة الداخلية مؤخرًا بتناقص قدرتها على استيعاب المزيد من المعتقلين في السجون المصرية المكتظة حتى يتم بناء سجون جديدة، وفقًا لما ذكره مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق اللواء محمد نور الدين في حديث متلفز يوم الاثنين الماضي. 

وتتواصل سياسات الاعتقال السياسي في مصر نتيجة التسهيلات التشريعية التي أقرتها سلطة الدكتاتورية العسكرية الحاكمة منذ منتصف 2013، بدءًا بقانون التظاهر ثم قانون الإرهاب ثم إطالة المحكمة الدستورية العليا لأجل النظر في دستورية هذين القانونين اللذين تشوبهما شبهات العوار الدستوري حتى ما شاء الله.. مما يشي ضمنيًا بعدم وجود أية موانع داخل مؤسسات الدولة نفسها للتوقف عن سياسة الاعتقالات التعسفية أو تحجيمها، لا سيما مع وجود كتلة مجتمعية من المواطنين المصريين المؤيدين للدكتاتورية العسكرية، الذين يرون في استمرار هذه السياسات وفي تكدس الزنازين بالمعتقلين حمايةً للمصريين من شرور الإرهاب الذي يهدد الوطن، وكأن كل هؤلاء الآلاف من المعتقلين كانوا يمثلون قبل اعتقالهم خطرًا جسيمًا على الأمن، وأدى اعتقالهم بالضرورة إلى النجاح في مواجهة العمل الإرهابي وتحجيم خسائره، أو هكذا يدعون.

ما يغمض هؤلاء أعينهم عنه هو أن عددًا كبيرًا من المعتقلين في مصر هم من الأطفال في سن التعليم.. حيث يقدر المرصد المصري للحقوق والحريات أعدادهم بـ2170 طفلًا في أغسطس/آب الماضي، كما أن جزءًا آخر من هؤلاء المعتقلين هم من أصحاب الاحتياجات الخاصة الذين تمنعهم أجسامهم فيزيقيًا عن إمكانية الضلوع في أعمال إرهابية، مثل الشابة إسراء الطويل صاحبة الصور الشهيرة التي اقتيدت فيها إلى قاعة المحكمة وهي تمشي على عكازين.

لكن دعنا نتغاضى ولو افتراضيًّا مثلهم عن مثل هذه الأمور ونتحدث بشكل أكثر تحديدًا: هل توجد فعلًا علاقة حقيقية يمكن قياسها بين تصاعد سياسية الاعتقالات السياسية وتراجع الأعمال الإرهابية في مصر؟ هل صحيح أصلًا أن الأعمال الإرهابية تم تحجيمها؟ إن الأرقام والوقائع في الحقيقة تُكذب هذا الادعاء تماما، بل إنها تثبت العكس..!

تشهد مصر زيادة مضطردة في قوة الإرهاب وتأثيره مع تصاعد سياسات تكميم الأفواه وملء السجون إلى حد التكدس

فوفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي Global Terrorism Index الذي يصدره معهد الاقتصاد والسلام IEP بناء على معايير محايدة وموضوعية تقيس في 185 دولة حول العالم (من بينها مصر) نتائج العمليات الإرهابية من حيث عدد المحاولات وتوجهاتها وأرقام الوفيات والإصابات والخسائر المادية التي تخلفها.. فإن مصر في تقرير سنة 2012 (سنة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي) كانت تحتل المركز السابع والعشرين على مستوى العالم في قائمة الدول الأكثر تضررًا من جرائم الإرهاب، وكان إجمالي عدد الهجمات الإرهابية في هذه السنة ست عشرة حادثة، مخلفة نحو ستة وعشرين قتيلًا وأكثر من مائة مصاب، بمتوسط عام للأضرار الإرهابية يقدر بـ 4.58 درجة وفقًا للمؤشر.

أما في سنة 2013 التي شهدت عودة الدكتاتورية العسكرية لتصدر المشهد في البلاد بشكل مباشر من جديد، فقد ذكر التقرير الأمريكي السنوي عن الإرهاب في العالم Country Reports on Terrorism الذي قدمته الخارجية الأمريكية للكونغرس في شهر نيسان/أبريل سنة 2014 المنصرمة في صفحة 133 منه، أن عام 2013 شهد تصاعدًا كبيرًا في الأعمال الإرهابية في مصر عقب الإطاحة بمرسي، ولفت التقرير إلى أن الغالبية العظمى من العمليات الإرهابية في هذه السنة تركزت حصرًا على استهداف مصالح الحكومة المصرية، ونادرًا ما امتدت آثارها لإلحاق أضرار بالمدنيين المصريين أو الأجانب حسبما يقول التقرير، غير أن أواخر هذا العام شهدت بعض المحاولات لزرع قنابل في مناطق عامة ومدنية بالقاهرة وبعض المدن.. ويُقدر التقرير خسائر الإرهاب في 2013 بأكثر من سبعين قتيلًا، وعشرات الجرحى، في زيادة فارقة وملحوظة عن خسائر عام 2012.

لكن.. لعل عام 2013 كان بداية سياسات مواجهة "الإرهاب" من خلال اعتقال المعارضين وأصحاب الرأي والمدنيين، وربما كانت هذه السياسة تحتاج إلى بعض الوقت حتى تؤتي ثمارها في تقليل خسائر العمليات الإرهابية ومعدلات تكرارها في عامي 2014 و2015 مثلًا، لا سيما مع تضخم حالات الاختفاء القسري والاعتقالات على أقل شبهة ممكن.. أليس كذلك؟

للأسف ليس كذلك! فتقرير مؤشر الإرهاب العالمي عن سنة 2014 يرصد ارتفاع مصر إلى المركز الثالث عشر على مستوى العالم في قائمة الدول الأكثر تضررًا من جرائم الإرهاب، بمتوسط عام 6.5 درجة (كانت 4.58 في 2012)، حيث تزايد حجم ضحايا الإرهاب في هذا العام عن نظيريه في عامي 2012 و2013.

أما في سنة 2015، فتحافظ مصر على المركز الثالث عشر أيضًا دون تحسن، على الرغم من ارتفاع درجة تضررها من الحوادث الإرهابية وفقًا للمقياس إلى ما متوسطه 6.813 درجة، ليتزايد بذلك في هذا العام حجم ضحايا وخسائر العمليات الإرهابية البشرية والمادية عن نظيره في كل عام من الأعوام السابقة 2014، 2013 و2012.

ليس لدى سياسات الحكم العسكري الشمولي إلا النتائج العكسية لكل ما تدعي تحقيقه من إنجازات

إن الأرقام التي أمامنا تقول شيئين: أولهما أن بداية سياسة الاعتقالات السياسية كان هو بداية تضخم العمل الإرهابي في مصر.. حيث تقول الرواية الرسمية عكس ذلك إن مصر تواجه الإرهاب باعتقالات الرأي وإخراس المعارضين لأنها في حالة حرب تستدعي هذا.. وثانيهما أن مصر تشهد زيادة مضطردة في قوة الإرهاب وتأثيره مع تصاعد سياسات تكميم الأفواه وملء السجون بالصحفيين والمتظاهرين إلى حد التكدس.. ولا يتزامن مع هذه السياسات على امتداد السنوات إلا تصاعد الإرهاب وازدهاره، وليس القضاء عليه واستئصاله كما يدعي مؤيدو الاعتقالات السياسية الذين لا يستندون إلى أية حقائق على أرض الواقع في مزاعمهم.

من الجدير بالذكر قبل أن أختم المقالة أن أسجل هنا إحدى الملاحظات التي لفتت انتباهي خلال تصفحي إحصاءات الإرهاب في العالم عبر الأعوام الماضية، وهي أن هناك دولة مهملة في التقارير الإخبارية على الرغم من أن الأحداث فيها أوشكت أن تكون بسخونة الأحداث في ليبيا مثلًا، دونما أية تغطية عربية فعالة، ألا وهي تايلاند، حيث تصاعدت موجات العنف والإرهاب في تايلاند منذ العام 2013 بشكل جنوني عقب إطاحة قائد الجيش الملكي التايلاندي برئيسة الوزراء المنتخبة السابقة شيناورترا وتنصيب نفسه رئيسًا للوزراء بدلًا عنها.. وتشهد تايلاند تدهورًا مستمرًا في حالتها الأمنية وسلمها الاجتماعي منذ ذلك الحين، على الرغم من أن تدخل الجيش التايلاندي وقتها تم تبريره بالسعي إلى إنقاذ الموقف والحفاظ على استقرار البلاد..! تمامًا مثلما تدخل الجيش السوداني في حزيران/يونيو 1989 بغية الحفاظ على "وحدة البلاد" كما زعم يومها عمر البشير رئيس دولة شمال السودان حاليًا..!

ليس لدى سياسات الحكم العسكري الشمولي في عالم اليوم إلا النتائج العكسية لكل ما تدعي تحقيقه من إنجازات، تبرر بها انتهاكها لحقوق وحرية الإنسان.

الحرية للمعتقلين السياسيين.. الحرية للزميل إسماعيل الإسكندراني.

اقرأ/ي أيضًا:

محمد صبحي.. بابا العسكري

لا تتدخل في ملابسي الداخلية!