في ذكرى كامب ديفيد.. علاقة أقوى وشراكة أوثق بين نظام السيسي وإسرائيل

في ذكرى كامب ديفيد.. علاقة أقوى وشراكة أوثق بين نظام السيسي وإسرائيل

سامح شكري ونتنياهو خلال مؤتمر مشترك في القدس المحتلة (غالبي تيبون/ أ.ف.ب)

حلت بالأمس ذكرى توقيع اتفاقية كامب ديفيد، في 17 أيلول/سبتمبر 1978، والتي "منحت الإسرائيليين ما لم يكونوا يحلمون به"، كما ورد في مذكرات وزير الخارجية المصري آنذاك، محمد إبراهيم كامل. ولا تزال الاتفاقية تلقي بظلالها الثقيلة على الواقع العربي والمصري خاصة. وبدت إسرائيل منذ ذلك الحين المستفيد الأكبر من تحرك السادات لتوقيع اتفاقية سلام منفردة معها، إذ أثبتت الأيام والتحركات الدبلوماسية أن المنطقة العربية بات من السهل اختراقها بعدما أخذت كامب ديفيد الخطوة الأولى تجاه هذا الهدف.

تغيرت موازين العلاقات بين مصر وإسرائيل بعد وصول السيسي للحكم، إذ أبدى الأخير انفتاحًا كبيرًا على توطيد العلاقات مع إسرائيل

الدعم الإسرائيلي للنظام المصري الجديد

حبست الدبلوماسية الإسرائيلية أنفاسها طوال فترة حكم المجلس العسكري في مصر ثم حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، حيث اتسمت العلاقات المصرية الإسرائيلية وقتها بفتور حذِر، بلغ ذروته إبان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 2012، حين أرسل محمد مرسي رئيس وزرائه هشام قنديل إلى هناك في رسالة ضمنية مفهومة المعنى.

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. التطبيع مع إسرائيل في "برلمان الغبرة"

لكن موازين العلاقات سرعان ما تغيرت مع وصول الجنرال عبدالفتاح السيسي إلى سدة الحكم رسميًا في حزيران/يونيو 2014، بعد إطاحته بمحمد مرسي، إذ أبدى السيسي وقتها انفتاحًا كبيرًا على توطيد العلاقات مع إسرائيل، واستغل وجوده على رأس السلطة لتبرير أهمية التواصل المباشر معها بصفتها شريكًا استراتيجيًا. 

وقدم السيسي خدمات جليلة لإسرائيل، جعلتها تشعر أنه بالنسبة لها "مبعوث السماء". كان أولها تدمير أغلبية الأنفاق بين مصر وقطاع غزة والتي لطالما شكلت هاجسًا كبيرًا لإسرائيل. كما كان لمصر دور في إطفاء الحرائق التي تعرضت لها إسرائيل العام الماضي، وأرسلت مروحية رشٍّ للمشاركة في إطفاء هذه الحرائق التي ظلت مشتعلة لأربعة أيام في غابات حيفا وقرب الناصرة والقدس المحتلة.

مصر السيسي أيضًا كانت من بين 117 دولة أيدت عضوية إسرائيل في لجنة "الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي" في الأمم المتحدة، وبينما امتنعت 12 دولة عربية من بينها قطر والجزائر والكويت والمغرب، وغيرها، كان صوت مصر لإسرائيل من أجل هذه العضوية.

ومن بين الخدمات الأهم، طلب مصر من مجلس الأمن تأجيل التصويت على مشروع كانت قد اقترحته في وقت سابق لإدانة بناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية المحتلة، وقتها فضّلت الإدارة المصرية أن تقف كالغصة في حلق مشروع القرار، معطية الأولوية لإدارة دونالد ترامب الجديدة، بعدما بدا أن أوباما لن يستخدم حق الفيتو ضد القرار.

في المقابل قدّرت إسرائيل رجلها في القاهرة، وفهمت أن شعبية السيسي في تدنِ واضح بسبب الضغوط السياسية والاقتصادية التي يواجهها النظام في الداخل، فدعمته بشبكة وثيقة من العلاقات الاستراتيجية والأمنية والحملات الدبلوماسية في أوروبا والولايات المتحدة، بالترويج لكونه أكثر انفتاحًا من سلفه، أو كما ورد على لسان وزير الإسكان الإسرائيلي يواف غالانت، الذي قال إنه "من مصلحة إسرائيل بقاء السيسي في منصبه"، كما دعت الإدارة الأمريكية إلى دعم نظام القاهرة، بصفته "حليفًا مهمًا" لإسرائيل.

ملف سيناء.. إسرائيل في العمق بمباركة مصرية!

نقلت صحيفة هآرتس العبرية، أن إسرائيل نفذت مجموعة من الهجمات في سيناء، بطائرات بدون طيار، ضد ما أسمتها بـ"الخلايا الإرهابية". بعض تلك الهجمات كان ردًا على عملية نفذها تنظيم "ولاية سيناء" في إيلات وصحراء النقب، فكان رد الجانب الإسرائيلي بالتدخل مباشرة لقصف مواقع لعناصر في تنظيم ولاية سيناء. هذا التدخل بالطبع كان بمباركة مصرية، وكذلك الطلعات الجوية الاستخباراتية لمعاينة ومراقبة مواقع عناصر التنظيم. 

وكانت الهجمات الإرهابية التي نفذها تنظيم ولاية سيناء ضد الجنود المصريين في سيناء خلال عامين 2014 و2015، موجهة للجانب المصري الذي ارتأى أنها فرصة لتحرك يقلص المسافات بين القاهرة وتل أبيب، ويترتب عليه تغير نوعي في الشراكة المستقبلية بين البلدين في ملف سيناء. وعليه جاءت زيارة سامح شكري وزير الخارجية المصري، لإسرائيل، تحديدًا إلى مقر رئاسة الوزراء في القدس المحتلة، بدلًا من تل أبيب كما جرت العادة، باعتبار أن القدس "محتلة". لتقابل هذه الزيارة برمزية مكانها، بحفاوة بالغة من قبل الإسرائيليين.

بعد سنوات من الفتور في العلاقات عادت إسرائيل لتنشيط وجودها في إفريقيا عبر حزمة خدمًات في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية

إسرائيل وسد النهضة

بدأت العلاقات الإسرائيلية الإفريقية في الخمسينات، وبلغت ذروتها في الستينات، قبل أن تعود للهبوط مجددًا بعد حرب السادس من تشرين الأول/أكتوبر 1973، إذ بدت إسرائيل حينها دولة توسعية ومزعجة، ولا يبدو أن لديها أية نوايا حسنة في المنطقة. حينها اتخذت منظمة الوحدة الإفريقية، في اجتماعها في تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام، قرارًا بقطع العلاقات مع إسرائيل، مع مطالبتها بالانسحاب من الأراضي المحتلة، وفقًا لحدود 1967، ومنح الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير.

اقرأ/ي أيضًا: إسرائيل وعضوية الاتحاد الأفريقي: احتمالات وتداعيات

عادت إسرائيل لتنشيط علاقتها مع دول الشرق الإفريقي، مقدمة خدماتها في مجالات التنمية الزراعية والاقتصادية، كما أنها تداخلت مع دول القارة السمراء في المجالات الأمنية والاستخباراتية، فمدت جيوش تلك الدول بالأسلحة، خاصة الطيران والزوارق البحرية والأسلحة الإلكترونية. كما أنها في إطار اقتحامها للمجال الاقتصادي هناك، احتكرت كثيرًا من الأنشطة الاقتصادية، وزرعت الآلاف من الموظفين الإسرائيليين هناك.

وفيما يخص ملف الأمن المائي، فإن دور إسرائيل فيه مريب، فهي تسعى من وراء الستار إلى دعم أديس أبابا ومشروع سد النهضة، كما تُروج بشكل شبه علني لأن مصر والسودان وحدهما من دول حوض النيل المستفيدتان من مياه النيل، مع تقديم وعود لإثيوبيا بمساعدتها على تطوير مواردها المائية، وإمدادها بما تحتاجه من التكنولوجيا لتحقيق أمنها المائي.

وفي هذا السياق، بدت مصر أمام فشل مفاوضاتها مع الجانب الأثيوبي في ملف سد النهضة، عاجزة عن إيجاد حلول حقيقية وعملية لمواجهة هذا التحدي، لتفيد التوقعات بخسارة مصر حال إتمام بناء السد ما بين 11 إلى 19 مليار متر مكعب سنويًا من مياه النيل، ما سيؤدي لتقليص إنتاج الكهرباء ما بين 25 إلى 40%.

لذا اضطرت مصر للجوء إلى إسرائيل لما لها "من وسائل تأثير على إثيوبيا"، كما تقول صحيفة هآرتس، فإسرائيل "إذا لم يكن بإمكانها منع بناء السد فيمكنها على الأقل التأثير على إثيوبيا لتنسيق عملية تقاسم المياه مع مصر بشكل لا يؤذي اقتصادها". إنها ثقة من النظام المصري يمنحها لإسرائيل في أكثر ملفات الأمن القومي خطورة!

تجاوزت مصر في عهد السيسي اتفاقية كامب ديفيد، لعلاقة شراكة وثيقة، فتح فيها النظام أبواب مصر على مصراعيها لإسرائيل

يُمكن القول إذًا، إن مصر مع نظامها الحالي، تجاوزت كامب ديفيد الأولى، لاتفاق ضمني أكثر قوة مع الجانب الإسرائيلي، لتتحول العلاقات بين الجانبين من تطبيع "الضرورة" كما كانت تُوصف، إلى شيء أكبر من ذلك؛ يُمكن وصفه بالشراكة الوثيقة بين البلدين، تقدم مصر فيها التنازلات تلو الأخرى، مقابل فتح الباب لإسرائيل في الداخل المصري، ليس دبلوماسيًا فقط أو من جهة التنسيق الأمني، بل في عمق الأمن القومي لمصر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"صديق إسرائيل" أمينًا عامًا لجامعة الدول "العربية"

أخطر 5 مشاريع ستدعم بها إسرائيل الاقتصاد المصري