أكتوبر 1973.. الأيديولوجيا والشرعية

أكتوبر 1973.. الأيديولوجيا والشرعية

القوات المصرية تعبر قناة السويس

يعرفُ كل من عاش أو راقب هزيمة حزيران/يونيو 1967 وتداعياتها أنها كانت أوسع أثرًا على النُخب التي عاصرتها، من الناحية السياسية والفكرية على حد سواء، من ذلك الحدث الذي تلاها بست سنوات، عنيتُ حرب السادس من تشرين الأول/أكتوبر. يعودُ هذا الفارق في التأثير إلى عدَّة عوامل، يأتي في سُدَّتها أن الهزيمة في "حرب الأيام الستة" مثَّلت ما هو أكبر من مجرّد خسارة عسكرية، بينما مثَّل النصر في المعارك الأولى لحرب 73 محض نصر حربي يتم القطع به مع الخسارة السالفة.

حين يكون الحديث إلى الشعب ينبغي تذكيره بالبطولات والمآثر، أما حين يتم الكلام مع إسرائيل وأمريكا فعلى الأمور أن تتشح بالسلاميَّة والترحيب

لكن بمرور الوقت سيعني ذلك "النصر" الكثير جدًا بالنسبة إلى أيديولوجيا النظام الجديد. وهنا نتحدث عن الأيديولوجيا بدلالتها الكلاسيكية في المعجم الماركسي، أي بما هي تزييف وتضليل وحجب للوعي. ومن ثمَّ، لا يصير مُهمًّا في هذا المضمار سرد ما حصل في هذه الحرب بالفعل، بل ما قيل وزُعِم أنه حصل.

اقرأ/ي أيضًا: وجهان لسلطة واحدة

لقد روِّج أن النصر في المعارك الأولى للحرب (بالطبع، يبيعُ النظامُ الحربَ على أنها كانت نصرًا خالصًا) قد تم بأيادي المصريين وحدهم، وهذا غير حقيقي، فقد شارك مع المصريين سودانيون وليبيون وتوانسة وكويتيون وجزائريون وعراقيون، كما أن المسكوت عنه في هذا النصر هو أنه: كان على حساب من؟ لقد عقدَ أنور السادات وعدًا عسكريًا لحافظ الأسد، حليفه في المعركة، قبيل الحرب، على أنه في حال حصل ضغط على الجبهة السورية سيذهب الجيش المصري لأبعد مدى ممكن لرفع أو تقليل هذا الضغط، والعكس بالعكس. 

لكن حين حصل أن أُنهكت القوات السورية، لم يجد السوريون تجسيدًا على الأرض للوعد المصري إلا متأخرًا جدًا. وقد نتج عن تلك المساندة المتأخرة من قِبل الجيش المصري أن حصلت "الثغرة". كان رأي سعد الدين الشاذلي، على ما يروي، قبل خوض الحرب، أنه ثمَّة مصاعب لوجستية واستراتيجية تحول دون مساندة مصر للسوريين في حال استلزم الأمر ذلك، وبالتالي سيكون من الخطأ أن تعقد القيادة المصرية وعدًا للسوريين. بيد أن ما جرى هو أن وعدهم السادات بذلك، واتفق الشاذلي مع القيادات العسكرية السورية تحت تلك المظلة، وهو على علم بأن الإيفاء بوعد كهذا من الأمور غير الممكنة، وهو ما حصل في نهاية المطاف.

وصوِّر السادات وكأنه قد أحيا جيشًا من العدم، في حين أن ما تمَّ من إعدادات لوجستية في الثلاث سنوات منذ الهزيمة وحتى وفاة عبد الناصر قد ساعد كثيرًا في حرب 73، على ما يقول فرقاء الحرب. أمَّا الحرب نفسها فقد أصبحت الشرعية الأكبر لنظامي السادات ومبارك. ويمكن الادعاء أن الأمر قد تمفصل في معادلة تقول: الحرب للشعب والسلام لإسرائيل. فحين يجري الحديث إلى الشعب ينبغي تذكيره بالبطولات والمآثر والاستبسال، أما حين يتم الكلام مع إسرائيل والولايات المتحدة فعلى الأمور أن تتشح بالسلاميَّة والترحيب. و"مأزق التطبيع" في مصر ناجم عن هذه المعادلة، فلا النظام يستطيع أن يُطالب الناس بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، لأنه حينها سيفقد الشرعية المستندة على الحرب، ولا هو قادر على منع النُخب الاقتصادية والثقافية والسياسية من التطبيع، لأنه راغب في كسب ود ومحبّة الأمريكيين والإسرائيليين. وتلك وضعية تكون فيها المخاتلة مصفوفة النظام التي تتفرع عليها شتّى المراوغات.

اقرأ/ي للكاتب:

في ناصرية وساداتية السيسي

نهاية الشيطان الأكبر