بعد مئات الغارات الجوية.. لماذا أوقف النظام السوري هجومه الأخير على إدلب؟

بعد مئات الغارات الجوية.. لماذا أوقف النظام السوري هجومه الأخير على إدلب؟

من آثار الدمار الذي أحلقه قصف النظام السوري بإدلب (الأناضول)

ساد هدوء حذر سماء محافظة إدلب، منذ أول أمس الأحد، بعد الحملة الجوية العنيفة التي تعرضت لها خلال الأيام العشرة الأخيرة من قبل المقاتلات السورية والروسية، ردًا على العملية العسكرية التي أطلقتها هيئة تحرير الشام (هتش)، بالاشتراك مع أربعة فصائل أخرى بغرض التوسع بريف حماة، تمهيدًا للزحف نحو مركز المدينة.

منذ 19 أيلول/سبتمبر وحتى الأحد الماضي، شنت الطائرات الروسية والسورية ما لا يقل عن 1500 غارة جوية على إدلب وحماة

مئات الغارات الجوية تضرب ريف إدلب

ومنذ 19 أيلول/سبتمبر الماضي، شنت المقاتلات السورية والروسية أكثر من 1500 غارة جوية على ريفي إدلب وحماة، ما أثار مخاوف من تعرض مدينة إدلب لسيناريو يشابه الذي حصل نهاية العام الماضي في شرقي مدينة حلب. ووصفت الأمم المتحدة الهجوم الجوي بأنه "جزء من نهج متصاعد" لمهاجمة المرافق الطبية وعمال الإغاثة.

اقرأ/ي أيضًا: مصير إدلب يُسيطر على مباحثات أستانا.. هل اقتربت نهاية "تحرير الشام"؟

وقالت المعارضة السورية يوم السبت الماضي، إن اتفاقًا جرى التوصل إليه مع روسيا برعاية تركية، يقضي بإيقاف الهجوم الجوي الأخير على إدلب، كما أنها نفت صحة ما تناقلته وكالات روسية عن انتشار قوات مراقبة تركية أو روسية في المحافظة.

في مقابل ذلك أصرت وزارة الدفاع الروسية على نفيها استهداف المدنيين في شمال سوريا، بزعمها قصف "10 مواقع للإرهابيين"، رغم وجود دلائل تُثبت تعرض 20 منطقة على الأقل للقصف الجوي، الذي وصفته الخارجية الفرنسية بأنه "أفعال تنتهك القانون الإنساني الدولي"، فيما أعلن المجلس المحلي لمدينة جسر الشغور بريف إدلب المدينة منكوبة.

وأصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرًا يوثق الحملة الجوية على محافظة إدلب، قالت فيه إن الهجمات الجوية بعد مرور أسبوع عليها، قتلت 137 شخصًا، كان بينهم 52 مقاتلًا من فصائل المعارضة، وسجلت 46 اعتداءً على مراكز حيوية (مستشفيات ومدراس وبنى تحتية)، كان من بينها 36 اعتداء مسجلًا على يد القوات الروسية.

والهجوم الأخير الذي استهدف إدلب مؤخرًا تحت ذريعة تعرض الشرطة العسكرية الروسية في ريف حماة لهجوم من فصائل المعارضة، جاء بالتزامن مع الذكرى الثانية لإعلان الكرملين تدخله عسكريًا بشكل رسمي لدعم رئيس النظام السوري بشار الأسد. وفي تقرير منفصل، وثقت الشبكة السورية، مقتل 5233 مدنيًا على يد القوات الروسية منذ 30 أيلول/ سبتمبر 2015.

مصير مجهول لإدلب بعد "أستانا 6"

ولا يزال مصير محافظة إدلب مجهولًا رغم اتفاق الدول الضامنة في اجتماع أستانا الأخير على إرسال قوات مشتركة إليها، غير أنها تصطدم بعقبات أبرزها الانتصارات العسكرية لقوات النظام المدعومة من المليشيات الإيرانية، والقوات الروسية، ما يدل على أن الأطراف الإقليمية لم تصل حتى الآن لتسوية واضحة حولها.

وتحولت المحافظة معقلًا أساسيًا لفصائل المعارضة بعد تنفيذ سياسة التهجير القسري للسكان الأصليين في مناطق ريف دمشق، التي كانت خاضعة لنفوذ المعارضة السورية. وتؤوي المحافظة حاليًا قرابة 2.9 مليون مدني، أغلبهم من ريف دمشق وحماة وحمص، غير أن المحافظة دخلت مرحلة مختلفة بعد إعلان هتش سيطرتها على القسم الأكبر منها في تموز/يوليو الماضي.

بالهجوم الأخير على إدلب يُريد النظام السوري أن يُرسل رسالة، تحديدًا لتركيا، مفادها عدم تخليه عن المنطقة لصالح المعارضة السورية

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد التقى الخميس الماضي بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في العاصمة التركية أنقرة، لبحث آخر التطورات الميدانية حول مدينة إدلب. لكن أردوغان أكد الأحد الماضي، مسعى بلاده لإنشاء "منطقة آمنة في إدلب" ضمن الإطار المتفق عليه في اجتماع أستانا الأخير.

ما علاقة النظام السوري باتفاق أستانا؟

الهجوم الأخير على إدلب، حمل دلائل تشير إلى أن النظام السوري تذّرع بإطلاق هتش لمعركة "يا عباد الله اثبتوا"، لشن هجومه الأخير، والذي كان في نفس الوقت رسالة موجهة بالتحديد لتركيا، مفادها عدم تخليه عن المنطقة لصالح فصائل المعارضة السورية، ألحقها بحديث وزير خارجيته وليد المعلم عن إمكانية إجراء مفاوضات مع أكراد سوريا لنيلهم حكمًا ذاتيًا تحت نفوذ حكومة مركزية مقرها دمشق.

اقرأ/ي أيضًا: 6 أسباب تعزز احتمال فشل "تحرير الشام" في معركة ريف حماة الأخيرة

وبحسب موقع العربي الجديد فإن مصدرًا تركيًا تحدث عن تعرض أنقرة لضغوط من موسكو "لإجراء تطبيع رسمي مع النظام السوري باستخدام ورقة ضرورة الحصول على موافقة النظام السوري لدخول القوات التركية إلى محافظة إدلب"، كما أن المصدر قلل من تصريحات وليد المعلم الأخيرة التي وصفها بـ"المناورة" بسبب التوافق الإيراني التركي القاضي بـ"تحجيم أكراد سوريا والعراق".

وقبل نحو أربعة أيام من موعد الزيارة المرتقبة التي يجريها أردوغان إلى طهران، غادر رئيس الأركان التركي خلوصي أكار إلى إيران، وعلى الأغلب سيناقش الرئيس التركي خلال زيارته عدة ملفات، يأتي في مقدمتها انفصال إقليم كردستان عن الحكومة المركزية في بغداد، ومصير مذكرة "تخفيف التوتر" في محافظة إدلب.

هل يوقف النظام السوري هجومه على إدلب؟

وعلى ضوء المعطيات السابقة، فمن المتوقع أن يوقف النظام السوري مدعومًا بالقوات الروسية، الهجوم الأخير على إدلب لفترة محدودة، بسبب عدم جاهزية قواته بالاشتراك مع المليشيات الأجنبية لفتح جبهتين في منطقتين مختلفتين. فالنظام بعد أن تمكن من كسر الحصار عن مقاتليه في مدينة دير الزور، نفذ هجومه على مدينة إدلب مقدمًا مسوغات مضللة.

غير أنه تلقى ضربة كبيرة بالهجوم الأخير الذي نفذه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عمق البادية والذي تمكن خلاله من السيطرة على مدينة القريتين بريف حمص الشرقي، فضلًا عن مقتل أكثر من 120 عنصرًا في الهجوم نفسه، ما يشير إلى أن النظام السوري غير قادر فعليًا على القتال على جبهتين معقدتين، ويملك فيها الطرف المقابل خبرًة بحرب العصابات، لذلك فالأرجح أنّ النظام لن يقدم على أي عملية مثل هذه، ما لم يستعد السيطرة على دير الزور قبل وصول قوات التحالف بقيادة واشنطن إليها.

ومن المتوقع أن يتجه النظام حاليًا لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في ريف حلب الشمالي الذي تتواجد فصائل معارضة منضوية ضمن مكونات الجيش السوري الحر. وعلى أية حال فقد أظهر تبدل ألوان خارطة مناطق السيطرة عليها من قبل الأطراف المتحاربة في سوريا، استغلال النظام السوري لاتفاقيات أستانا المبرمة لصالحه عبر استعادته لغالبيتها منذ انعقاد المباحثات لأول مرة.

لا يستطيع النظام السوري القتال على جبهتين معقدتين، لذا يرجح أنه لن ينفذ أي هجوم آخر كما حدث في إدلب حتى يسيطر على دير الزور

وعليه فلا يُرجح أن تحمل الأيام القادمة مفاجئات على صعيد التوصل لتسوية متوافق عليها حول محافظة إدلب، لكنها قد تحمل هدوءًا نسبيًا ريثما تتوافق الدول الضامنة على صيغة مشتركة، بعيدًا عن أي دور فيها لنظام الأسد، إلا أن الأبرز بين كل ذلك هو معركة دير الزور التي ستحدد فعليًا المرحلة القادمة في سوريا، وترسم ملامحها بشكل أوضح، وبعدها على الجميع توجيه الأنظار نحو الشمال السوري.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"تحرير الشام".. مصير مجهول في شمال سوريا بحثًا عن إدارة ذاتية

المعركة الأخيرة.. هل تصمد دفاعات داعش في الحفاظ على أكبر معاقله بسوريا؟