"تحرير الشام".. مصير مجهول في شمال سوريا بحثًا عن إدارة ذاتية

أمسى مصير إدلب مجهولًا كونها لن تكون ضمن مناطق "تخفيف الصراع" (عمر الحاج قدور/أ.ف.ب)

يُحتمل إن لم يكن مؤكدًا نظرًا لتطور الأحداث العسكرية في سوريا، أن محافظة إدلب شمالًا قد تكون مسرحًا لعملية عسكرية تشترك فيها عدة أطراف دولية أو محلية بعد الرسالة التهديدية الصادرة عن مكتب المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى سوريا مايكل راتني، والتي توعد فيها باستهداف مقاتلي وقيادات هيئة تحرير الشام التي أصبحت تسيطر على مساحات واسعة من المحافظة مقابل انحسار مناطق حركة أحرار الشام الإسلامية بعد المعارك الأخيرة خلال الشهر الفائت بين الطرفين.

قد تكون إدلب مسرحًا لعملية عسكرية قريبًا بعد التوعد الأمريكي باستهداف هيئة تحرير الشام المسيطرة على مساحات واسعة من المحافظة

محافظة إدلب في قبضة هيئة تحرير الشام

بعد معارك عنيفة بين هيئة تحرير الشام (التي تشكل جبهة فتح الشام أغلب عناصرها) من طرف، وحركة أحرار الشام الإسلامية من طرف مقابل، باتت تحرير الشام الفصيل الوحيد المسيطر على كامل محافظة إدلب باستثناء الريف الجنوبي الذي انسحب إليه مقاتلو الأحرار عقب اتفاق وقع بين الطرفين، علاوة عن سيطرتها على كافة المعابر الحدودية مع تركيا في شمال سوريا من جانب ريف إدلب، ما أثار تخوفات من عرقلة المساعدات الإنسانية التي ترسلها المنظمات الإغاثية إلى الداخل السوري.

وأضحت محافظة إدلب وجهة جميع مقاتلي المعارضة مع أسرهم، ومن يرغب من السكان المدنيين الذين كانوا في المناطق المدرجة ضمن مخطط التغيير الديموغرافي الذي بدأه رئيس النظام السوري بشار الأسد بدعم من إيران في مدن وبلدات محيط العاصمة دمشق، فيما تفرض قوات الأسد مدعومة بالميليشيات الأجنبية، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) حصارًا على المحافظة التي لم يبق لها منفذ غير الأراضي التركية.

ومنذ انطلاق مباحثات أستانا مطلع كانون الثاني/ يناير المنصرم شنت جبهة فتح الشام قبل أن تندمج ضمن تشكيل هيئة تحرير الشام هجمات مختلفة على فصائل المعارضة في شمال سوريا في محاولة لبسط سيطرتها على مفاصل القرار في المنطقة لكنها كانت تجد عقبة في حركة أحرار الشام، إحدى أكبر فصائل المعارضة، وخلال الشهر الفائت تمكنت تحرير الشام من حسم الأمور لصالحها عسكريًا بسرعة لم تكن متوقعة، الأمر الذي يطرح تساؤلًا مهمًا حول حقيقة القوة العسكرية لأحرار الشام.

مع سيطرة تحرير الشام على إدلب، قد تلقى المدينة نفس مصير حلب

وتثير سيطرة تحرير الشام على مدينة إدلب وأجزاء واسعة من الريف مخاوف من شن مقاتلات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن هجمات جوية عليها، فيما تسعى تحرير الشام التي ترفض حل نفسها أو تخليها عن فلسفة الإسلام الراديكالي لتشكيل هيئة مدنية تدير شؤون المدينة، وهي أكدت في هذا السياق ضمن بيان صادر عنها نهاية تموز/ يوليو الفائت أنها ستعمل "على ترسيخ مبدأ حيادية واستقلالية المنظمات الغذائية" بالإضافة "لتذليل كافة العقبات" أمامها، كما أنها دعت إلى اجتماع الشهر الفائت قالت إنه لتشكيل هيئة مدنية تدير شؤون المدينة دون أن يتم التطرق لتفاصيل الاجتماع.

اقرأ/ي أيضًا: كيف حصل حلفاء الأسد على 18 مليون دولار من الأمم المتحدة؟

الولايات المتحدة.. إدلب هدفًا مشروعًا

التطورات التي شهدتها محافظة إدلب أثارت حفيظة الولايات المتحدة، حيثُ كرر المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا مايكل راتني موقف بلاده المتشدد من هيئة تحرير الشام في رسالة نشرت على الإنترنت قال فيها إنه على أبي محمد الجولاني، القائد العسكري لتحرير الشام وقيادات الهيئة العلم أنهم "المسؤولون عن العواقب الوخيمة التي ستحل بإدلب"، وأن واشنطن  ستتعامل مع أي "واجهة يتم إنشاؤها للتغطية على جبهة النصرة (...) ملحقًا لمنظمة إرهابية"، وحذر في نهاية رسالته أنه في حال سيطرة تحرير الشام على إدلب سيكون من الصعب على بلاده إقناع الأطراف الدولية "بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية المطلوبة"، ولم يصدر عن تحرير الشام أي رد رسمي على وسائل التواصل الاجتماعي التابعة لها.

وهذه ليست المرة الأولى التي توجه فيها واشنطن تهديدات لتحرير الشام، إذ كانت في أيار/ مايو للعام الجاري قد رصدت مكافأة بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي لمن يدلي بمعلومات عن مكان تواجد الجولاني، مؤسس "جبهة النصرة" ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، قبل أن تبدل اسمها لجبهة فتح الشام منتصف العام الجاري، وتعلن في بيان مصور – ظهر فيه الجولاني لأول مرة كاشفًا عن وجهه – فك ارتباطها بالقاعدة، كما أنه قتل لفتح الشام عشرات المقاتلين والقياديين في غارات جوية استهدفتهم في إدلب مطلع العام الجاري.

وجاءت تصريحات مايكل راتني بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيقاف برنامج إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لدعم المعارضة السورية الموسومة بـ"المعتدلة"، والذي يندرج في إطار التفاهمات حول الشأن السوري خلال الاجتماع الذي عقده مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في مدينة هامبورغ خلال قمة مجموعة دول العشرين، وهو الاجتماع الذي مضى 20 يومًا على انعقاده غير أنه لا يزال مرتبطًا بقرارات الإدارة الأمريكية حول سوريا، ما يدعم طرح التقارير الغربية للشكوك حول منح ترامب الضوء الأخضر لروسيا بإطلاق يدها كاملة في سوريا.

كما أن رسالة مايكل راتني الأخيرة تظهر عجز إدارة ترامب في سوريا بعد أن كانت تحاول التقدم اتجاه شرق سوريا من عمق بادية الشام قبل أن تقطع عليها قوات الأسد والميليشيات الأجنبية الطرق، وتطوق مواقعها التي تمتد لمعبر التنف الحدودي مع الأردن، وبالتالي فإن واشنطن باتت آمالها معلقة بتحقيق انتصار على حساب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مدينة الرقة بدعمها برًا وجوًا لقسد، متجاهلة التحذيرات الأممية المتعلقة بمصير اللاجئين العالقين داخل أحيائها.

ولا يمكن تجاهل ما تتعرض له إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تخبطات على كافة المستويات الداخلية والخارجية نتيجة السياسة التي تنتهجها، وابتعادها عن حلفاء واشنطن التقليديين في الاتحاد الأوروبي، زاد عليها موجة الاستقالات التي قدمها بشكل متتابع موظفين في البيت الأبيض، والتسريبات المرتبطة بعلاقة حملة ترامب الانتخابية مع روسيا، إذ يظهر أن فريق ترامب أصبحت أنظاره موجهة أكثر للحفاظ على منصبه في الرئاسة خوفًا من أن يتم عزله.

اقرأ/ي أيضًا: صراعات داخلية أكثر من أي وقت مضى.. ترامب في مواجهة أمريكا

إدلب.. مصير مجهول

أمسى مصير إدلب مجهولًا كونها لن تكون مدرجة ضمن مناطق "تخفيف الصراع" بسبب سيطرة تحرير الشام، المصنفة إرهابية، عليها

وأمسى مصير محافظة إدلب، التي سيطرت عليها فصائل المعارضة قبل عامين بهجوم عسكري مفاجئ، مجهولًا كونها لن تكون مدرجة ضمن مناطق "تخفيف الصراع" بسبب سيطرة تحرير الشام عليها، لأن الأخيرة مدرجة على لائحة التنظيمات الإرهابية. وكان النظام السوري استعاد معظم المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق بحجة تواجد مقاتلي تحرير الشام داخلها في الوقت الذي يبرم هدنًة غير معلنة مع تنظيم داعش في مناطق جنوب دمشق.

وإضافة لتصريحات الأطراف الدولية الفاعلة عسكريًا في سوريا حول مصير مدينة إدلب فإن لقسد التي تقودها وحدات الحماية الكردية مخططات سابقة لضم المدينة إلى مناطق سيطرتها، إذ قال الرئيس المشارك لمناطق ما يعرف بـ"الإدارة الذاتية" في تصريح لصحيفة "الغارديان" البريطانية إن قسد من الممكن أن تتوجه لمدينة إدلب بعد أن تسيطر على مدينتي الرقة ودير الزور، وسببت قسد خلال الأشهر الماضية بوادر أزمة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وتركيا بعد إعلان واشنطن تزويدها بأسلحة متطورة لبدء معركة الرقة.

وكان من المقرر دخول قوات مشتركة روسية – تركية إلى إدلب بناء على اتفاق مذكرة مناطق "تخفيف التصعيد" الموقعة في اجتماع أستانا -4 إلا أن خلافات بين الدول الثلاث (إيران، تركيا، روسيا) الداعية للاجتماع ظهرت بوادرها أعاقت تنفيذ المقترح خلال اللقاء الذي تلاه، والتطورات الأخيرة تشير إلى عدم إمكانية دخول القوات المشتركة كون هيئة تحرير الشام ليست من بين الفصائل الموقعة على اتفاقيات وقف إطلاق النار.

وأعطت تصريحات راتني الأخيرة الضوء الأخضر رسميًا لروسيا كي تبدأ بوضع خطة لتنفيذ عملية عسكرية على كامل المحافظة بالاشتراك مع قوات الأسد والميليشيات الأجنبية المدعومة من إيران، وليس مستبعدًا اشتراك قسد في العملية العسكرية إن حصلت كونها تربطها علاقات جيدة مع موسكو حيثُ توجد ممثلية لـ"الإدارة الذاتية" فيها، فضلًا على أن قسد لديها عداء مباشر ليس مع تحرير الشام فقط، إنما مع مختلف فصائل المعارضة المنضوية ضمن لواء الجيش السوري الحر.

وتعيد الأحداث المتسارعة في إدلب للأذهان ما حصل نهاية العام المنصرم في الشطر الشرقي لمدينة حلب عندما رفضت روسيا أي تهدئة بسبب تواجد مقاتلي جبهة فتح الشام فيها، والذي أدى لفرضها حصارًا بالتزامن مع بدء عملية عسكرية انتهج فيها النظام السوري بغطاء روسي مفتوح سياسة الأرض المحروقة مكنه من استعادة كافة الجيب الشرقي للمدينة، ما يثير المخاوف من إعادتها لمخططها السابق، بالأخص أن المعارضة السورية لا يمكنها أن تنفي تواجد تحرير الشام في إدلب بعد المعارك الأخيرة.

ويبقى الخيار الوحيد الذي ينجي المدينة من كارثة إنسانية هو الاتفاق على منح فصائل المعارضة إدارة حكم ذاتي في محافظة إدلب، الأمر الذي ترمي تحرير الشام لتحقيقه بعد توحيدها كافة فصائل المعارضة عبر خيارين بقوة السلاح أو خلال الاتفاق مع القيادات، إلا أن هذا الاتفاق يحتاج تدخل الأطراف الدولية الداعمة للمعارضة السورية المسلحة بكل قوتها، على أنه في مقابل ذلك يزيد من نفوذ تحرير الشام التي تعرف بولاء عناصرها لتنظيم القاعدة، لكنه ربما يساعد على تجنيب المدنيين المقدر عددهم بمليوني شخص ويلات ما يتعرض له مدنيو الرقة من قصف عشوائي لمقاتلات التحالف، أو انتهاكات تمارسها قسد ضد المدنيين الفارين من داخل المدينة، وفي جميع الأحوال لا يمكن التكهن بكافة الخيارات المطروحة طالما أن القرار الروسي يأخذ مساحة أوسع في ظل السياسات الأمريكية غير الواضحة، والتحولات في المواقف الأوروبية خاصة لدى الرئيس الفرنسي ماكرون. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

باسل الصفدي.. رائد البرمجيات المفتوحة الذي أرعب الأسد فأعدمه

بوتين يطرد الدبلوماسيين الأمريكيين.. طبول ساخنة لحرب باردة