الغاز.. العنصر الغائب في تفسير حرب السعودية على قطر

الغاز.. العنصر الغائب في تفسير حرب السعودية على قطر

الاقتصاد القطري غير مرهون بالاقتصاد السعودي، بسبب الأرباح التي تحققها قطر من الغاز وليس النفط (أوليفير بوليت/ Getty)

يلعب الاقتصاد دورًا محوريًا في كثيرٍ من الأحداث المفصلية في تاريخ العالم السياسي، ولعل ما نشهده الآن من حصار قطر من الإخوة الأعداء، إحدى تمظهرات تلك العلاقة بين الاقتصاد والسياسة. فليس من الضروري أن يصدق الساسة في أحاديثهم المُعلنة، فمطلب كالتوقف عن دعم "الإرهاب"، هو محض هراء إذا ما وُضع في سياقه بشكل دقيق، أي من جهة أن الطالب غارق في اتهامات دعم، بل ربما تنشئة، الإرهاب والتطرف، ومن جهة أُخرى متمثلة في ألّا دليل على الاتهام، فلا شرعية للطلب.

زيشان عليم، وهو كاتب وباحث متخصص في شؤون الطاقة والاقتصاد، يطرح رُؤية مختلفة عن السائد المطروح من بعدٍ سياسي كسبب دافعٍ للتصعيد ضد قطر؛ رُؤية تنطلق من "عنصرٍ استثنائي" لمحاولة تفسير الحرب منزوعة السلاح على قطر؛ وذلك في مقال له نُشر على موقع "Vox"، ننقله لكم مترجمًا.


تقول السعودية إنها تشن حربًا دبلوماسية على قطر بسبب دعمها للإرهاب، لكن إذا تعمقت قليلًا في تفاصيل المسألة ستجد أمرًا آخر يفسر الأزمة، ألا وهو احتياطات قطر الضخمة من الغاز الطبيعي.

ينظر الناس عادة إلى دول الخليج مفترضين أن ثروتها الهائلة تنبع فقط من البترول، لكن النفط ليس موزعًا بالتساوي على المنطقة، وليس المصدر الطبيعي الوحيد للثروة المعتمدة على الموارد الطبيعية في الإقليم.

معنى أن الاقتصاد القطري غير مرهون بالنفط، أنه ليس مروهنًا بالسعودية التي هي أكبر مصدري النفط وقائدة منظمة الأوبك

الكميات الهائلة من الغاز الطبيعي وليس النفط، هي التي مولت صعود قطر لتصبح واحدة من أغنى أمم العالم من حيث دخل الفرد. وهذه الكميات كذلك هي العنصر الاستثنائي، الذي قد يساعد على تفسير كيف أصبحت دولة في منطقة الخليج، هدفًا لحملة العزل والحصار، التي باتت أسوأ أزمة دبلوماسية في الشرق الأوسط منذ عقود.

اقرأ/ي أيضًا: قطع العلاقات مع قطر.. كل شيء عن مؤامرة أبوظبي

حقيقة أن الاقتصاد القطري ليس مرهونًا بالنفط، تعني أنه ليس مرهونًا بالسعودية التي هي أكبر مصدري النفط وقائدة منظمة الأوبك. هذا وتحقق قطر أرباحًا من الغاز الطبيعي، توازي أربعة أضعاف ما تحققه من النفط، ولذا فهي ليست في حاجة لاتباع إملاءات السعودية بالطريقة التي كانت لتلجأ إليها لو كان النفط هو سبيل نجاتها.

يُضاف إلى ذلك أن صادرات قطر من الغاز مسالة بالأساس، أي أنها تُضغط وتُشحن عبر السفن حول العالم، ولا يتم توزيعها عبر الأنابيب التي قد تتعرض للتهديد من قبل جيرانها الغاضبين.

وتظهر بعد ذلك قضية مَصدر الغاز الطبيعي القطري، إذ تحصل قطر على معظمه من حقل بحري في الخليج العربي تتشاركه مع إيران، ما يعني أن من مصلحة قطر الحفاظ على علاقات متناغمة مع غريم السعودية اللدود.

أسفر هذا الاستقلال الاقتصادي القطري عن استقلال في السياسة الخارجية، وتحولت قطر إلى لاعب عالمي ينافس الرياض ويتحداها على عدة جبهات، سواءً من خلال شعبية قنواتها الإعلامية، متمثلةً في شبكة الجزيرة تحديدًا، الفاعلة على المستوى الإقليمي والدولي، وكذلك دعمها لحكومات بعد الربيع العربي فيها الإخوان المسلمين مثلًا، التي تعتبرها السعودية وحلفاؤها تهديدًا وجوديًا لأنظمتها، بالإضافة إلى علاقاتها الودية مع منافسيْ الرياض الإقليميين، وهما إيران وتركيا.

ومع عدم قدرة  السعودية على التحكم في قطر عبر سيطرتها على النفط، تلجأ الآن إلى استخدام نفوذها الدبلوماسي الهائل في المنطقة، للإضرار بالاقتصاد القطري بطرق أخرى، فقامت السعودية وحلفاؤها الإمارات ومصر والبحرين، بقطع كل العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وتعليق الملاحة الجوية والبرية والبحرية معها، وانضمت دول أخرى في المنطقة إلى القائمة. إنها إذن محاولة جريئة وخطيرة لإعادة قطر إلى الصف، بعد عزفها منفردة على إيقاعها الخاص لسنوات.

اكتشفت قطر أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، في باحتها الخلفية، للمرة الأولى في عام 1969، لكن الأمر كان محبطًا في حينها إذ لم تكن هناك أسواق قريبة للغاز الطبيعي بإمكان الأنابيب أن تصلها، ومعظم جيران قطر امتلكوا ما يكفيهم من الغاز الطبيعي حينها، بينما كانت أوروبا شديدة البعد. حينها كانت قطر مُنتجًا متوسط الحجم للنفط، وكانت تفضل لو أنها اكتشفت حقلًا للبترول بدلًا من الغاز.

لطالما طمحت قطر  إلى استغلال ثروتها الفريدة لتشكيل هوية جيوسياسية فريدة، وهو ما مَثَّل إزعاجًا بالنسبة للسعودية

لكن الأمر تغير في تسعينات القرن الماضي مع وصول الأمير حمد بن خليفة آل ثاني. فقد قام الأمير بالترويج لقطر باعتبارها مصدرًا رئيسيًا للغاز المسال، والذي يشغل مساحة أقل بكثير، ومن الممكن شحنه في السفن عبر البحار. وصبّ المستثمرون الأجانب أموالهم في منشآت تسييل الغاز القطرية، وبدأت الدولة في تصدير الغاز إلى جميع أنحاء العالم. واليوم تعد قطر المصدر الأكبر للغاز المسال في العالم، والمسؤولة عن ثلث إمدادات العالم منه.

اقرأ/ي أيضًا: ما هي أسرار قوة الاقتصاد القطري التي تحصنه في وجه الأزمات؟

ومع تحديث جيران قطر لاقتصاداتهم، ازداد طلبهم على الغاز كذلك، وأصبح بإمكان قطر الاستثمار في هذا الأمر، إذ تعتبر قطر مصدرًا حيويًا للطاقة/ الغاز بالنسبة إلى الإمارات وعُمان، فبحسب كارين يونغ، الباحثة المقيمة في معهد الخليج العربي بواشنطن، فإنّ "حوالي 40% من الكهرباء التني تُنتج في الإمارات تعتمد على إمدادات الغاز القطري".

احتياطي الغاز الطبيعي، حوّل قطر من مُنتِج متوسط للنفط؛ إلى عملاق عالمي للطاقة. ولطالما طمحت قطر إلى استغلال ثروتها الفريدة لتشكيل هوية جيوسياسية فريدة، وهو ما مَثَّل إزعاجًا بالنسبة للسعودية، فيما تُمثّل حقيقة مشاركة قطر لحقول نفط مع إيران، جزءًا أساسيًا من هذا الإزعاج، وذلك بسبب أن إيران، القوة الشيعية الرئيسية في المنطقة، تُعد خصمًا تقليديًا للممالك السنية في الخليج.

لكن حقيقة أن قطر وإيران تسحبان من نفس جرة الذهب، تخفف من هذا التوتر. وقد حرصت قطر دائمًا على علاقات ودية مع إيران التي تفوقها حجمًا، وقد تقوم باستخدام هذه الحجة للمطالبة بنصيب أكبر في الحقل الذي يتشاركانه. لذا فإن العلاقة بينهما يُمكن تلخيصها بتوصيف كارين يونغ لهما بأنّهما "شركاء استثمار"، مُوضّحة: "ليسوا بالضرورة أصدقاء، لكن لن يكسب أيّ منهما شيئًا من العداء مع الآخر"، وفي المقابل فإنّ السعودية تُفضّل مقاربة عدائية تجاه إيران.

قطر بارعة في مواجهة السعودية

كانت قطر قادرة على الخروج من العباءة السعودية بفضل استقلالها المعتمد على الغاز الطبيعي، ورغم أن قطر لا تزال عضوًا في منظمة الأوبك التي تسيطر عليها السعودية، لكن ليس لزامًا عليها التأقلم مع عقلية التابع التي يلجأ إليها الأعضاء الآخرين المعتمدين على النفط.

وحقيقة أن الغاز القطري يصل إلى الأسواق العالمية عبر السفن وليس أنابيب النقل التي تمر بأراض وسيطة، تعد ميزة استراتيجية. وتحتفظ الولايات المتحدة بأسطول بحري في الخليج، مهمته الأولى هي الحرص على التدفق الحُرّ للغاز والنفط من مناطق المضايق.

هذا وقد تمكنت قطر من المناورة بشكل استثنائي لتصنع اسمًا لنفسها، بمأمن من الهيمنة الإقليمية للسعودية، فعندما طلبت السعودية في عام 2003، من القوات الأمريكية مغادرة البلاد، نتيجة للضغوط المحلية المتزايدة المعادية لأمريكا على ضوء هجمات 11 أيلول/سبتمبر؛ تمكنت قطر من جذب الأمريكيين بنجاح إلى أراضيها. 

وبحسب جيم كرين، الباحث في شؤون الطاقة والجغرافيا السياسية في معهد بيكر بجامعة رايس الأمريكية، فإنّ "الإنجاز الأمني الاستراتيجي المحوري الذي حققه الأمير الوالد، هو إقناع البنتاغون بالانتقال إلى القواعد التي بناها، أي قاعدة العديد ومخيم السيلية".

من الإنجازات الأمنية الاستراتيجية لقطر استضافة قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها (لي كوركران/ Getty)
من الاستراتيجيات الأمنية لقطر استضافة قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها (لي كوركران/ Getty) 

اشترت قطر تذكرة ضمان عبر تقاربها مع الولايات المتحدة، وجعل نفسها محورًا مركزيًا لعمليات الجيش الأمريكي في هذه المنطقة الاستراتيجية المهمة. وتستوعب قاعدة العديد 11 ألف جندي أمريكي، كما أنها مركز بالغ الأهمية للعمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ إذن، فبالإضافة إلى الاستقلال الاقتصادي، اشترت قطر لنفسها حاجزًا أمنيًا كذلك.

وكلما ارتفعت قامة قطر، كلما زاد انخراطها في مبادرات مَثَّلَت مصدرًا لغضب جيرانها. وقد دفعت قطر مئات الملايين من الدولارات في الجزيرة، القناة الإعلامية ذات الشعبية الجارفة، والتي مثلت صوتًا ينتقد الحكومات في الشرق الأوسط بتغطية جريئة. 

وخلال "الربيع العربي"، انحرفت قطر عن مسار السعودية، وعن النظام القديم الذي تمثله، فلم تبخل بأموالها ضد الديكتاتوريات في الشرق الأوسط.

وفي 2014، اتخذت السعودية والإمارات والبحرين خطوات مشابهة وإن كانت أقل وطأة من التي نراها اليوم، إذ قامت بسحب سفرائها من قطر بتلفيقات مشابهة لحجج اليوم.

تقتضي المصلحة الأمريكية حل أزمة حصار قطر بأكثر الطرق سلاسة وأمانًا، فكلما زاد الخلاف الخليجي سمح ذلك بتوسع "القوى المنافسة"

هذه المرة يتصرف السعوديون وحلفاؤهم بشكل أكثر عدائية، فقد أغلقت السعودية حدودها البرية مع قطر التي كانت تستورد معظم غذائها منها، بالإضافة إلى أنّ قائمة المطالب التي قدمتها السعودية لقطر لإنهاء العقوبات، تتضمن التخلي عن كل ما يجعل قطر مستقلة، ومن بين مطالب أخرى، تضم القائمة قطع العلاقات مع إيران وتركيا وإغلاق الجزيرة بالكامل.

تقتضي المصلحة الأمريكية حل هذا الخلاف الإقليمي بأكثر الطرق سلاسة وأمانًا، وكان وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، قد دعا إلى "تخفيض حدة الخطاب"، مُشيرًا إلى أنه يجب على كل الأطراف "تقديم تنازلات من أجل الوصول إلى حل"، لكن في المقابل قام الرئيس ترامب بتعقيد مساعي تيلرسون للوصول إلى حل، وذلك بانحيازه العلني مع السعودية ضد قطر، واصفًا الأخيرة بأنّها "داعمة الإرهاب على مستوى عال". وهو ما يجعل السعودية أقل ميلًا لتقديم تنازلات.

اقرأ/ي أيضًا: بعيدًا عن تخبط ترامب.. أمريكا "الرسمية" تقف ضد حصار قطر

هناك الكثير من الأشياء مرهونة على الطاولة، وكلما زاد الخلاف الخليجي، كلما سمح الفراغ الناشئ بتوسع القوى المنافسة. و"كلما زاد الشقاق والضعف بين هذه القوى الخليجية، كلما كانوا أقل قدرة على مواجهة النشاطات الإرهابية والتمويل الإرهابي"، هذا بحسب آلن فرومهيرتز مدير مركز جامعة جورجيا لدراسات الشرق الأوسط ومؤلف كتاب "قطر: تاريخ معاصر"

وأضاف آلن فرومهيرتز، قائلًا: "لا تريد الولايات المتحدة بالتأكيد هذه السيناريوهات، حيث سيكون واجبًا عليها الحفاظ على الوضع القائم مع إيران لمدة أطول وهو الوضع الذي قد يتحقق إذا لم تصل دول الخليج إلى حل سلمي قريبًا".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

قطر وتركيا.. القصة وراء أقوى تحالفات المنطقة

الجالية المصرية في قطر.. "ضد المقاطعة، وخائفون من العودة"