خفايا السعي المحموم لإنهاء

خفايا السعي المحموم لإنهاء "كابوس" الجزيرة والإعلام المموّل قطريًا

الجزيرة كابوس الأنظمة المستبدة (كريم جعفر/أ.ف.ب)

تروج الأنباء تارة عبر أبواق مكشوفة وتارة في شكل أصداء للكواليس بأن إحدى شروط دول الثالوث الخليجي لإنهاء مقاطعة قطر هو إغلاق قناة الجزيرة وبعض وسائل الإعلام الأخرى المموّلة من رؤوس أموال قطرية مثل قناة "العربي" وصحيفة "العربي الجديد".

مشكلة الجزيرة أنها مزعجة للأنظمة الديكتاتورية منذ نشأتها ولعل إزعاجها قد زاد بعد الثورات العربية التي مثلت الجزيرة منصة لأخبارها

وهو شرط لا يبدو مستغربًا انطلاقًا من معطى أنه من جملة إجراءات الحملة الخليجية الأخيرة ضد قطر، قامت الجهات المختصة في السعودية والإمارات والبحرين ومصر بحجب مواقع قنوات الجزيرة ومواقع الصحف القطرية، كما أعلنت حكومتا السعودية والأردن إغلاق مكتب قناة الجزيرة وسحب الترخيص منها، وذلك على إثر مزاعم ومواقف متعددة تتمثل أساسًا في دعم جماعة الإخوان المصنفة "إرهابية" في مصر، واستضافة معارضين للأنظمة الخليجية ومنها تحديدًا النظام البحريني، بل ودعم ميليشيات الحوثي في اليمن.

وقد بلغت الهستيريا مؤخرًا درجة أن الجهات السعودية المختصّة أمرت الفنادق بحذف قنوات شبكة الجزيرة من أنظمة البث الفضائي مع تهديد بعقوبة تصل إلى 27 ألف دولار وسحب الرخصة، ولنا أن نتخيّل العامل البسيط يتجول بين غرف الفندق ليحذف قنوات الجزيرة الواحدة تلو الأخرى في زمن الإعلام المفتوح. الصورة كاريكاتورية ومثيرة للسخرية بالنهاية.

اقرأ/ي أيضًا:  عسكر مصر والعربي الجديد.. خوف الطغاة من الحريات

ما هي مشكلتهم مع قناة الجزيرة؟

حينما تأسّست قناة الجزيرة سنة 1996 أحدثت ثورة في الإعلام العربي، ولكن الأهم أنها زلزلت الشارع العربي الذي كان رهين القنوات الحكومية المضللة أو القنوات الخاصّة القليلة التّابعة، فباتت القناة الجديدة نافذة العربي على ما حوله، وأداته لتشكل وعيه بقضايا الأمة العربية. من هذا المنطلق، مثلت الجزيرة مصدرًا لإحراج الأنظمة الدكتاتورية العربية، خاصة وأن القناة سلطت الأضواء على ما كانت تعمل الحكومات على إخفائه، فوفرت هامشًا كبيرًا من الحرية، كما تميزت بالجرأة في طرق "تابوهات" بمنظار هذه الحكومات ومنها تحديدًا المتعلّقة بواقع الحريات وحقوق الإنسان، كما استضافت مختلف الحساسيات السياسية والأيديولوجية من إسلاميين وليبراليين ويساريين تحت شعار أن القناة هي "صوت من لا صوت له".

غزو العراق 2003، حرب تموز 2006، عدوان غزة 2008، هي أحداث غطتها قناة الجزيرة عن قرب ونقلت الصورة للمواطن العربي، في وقت كانت عديد الأنظمة الدكتاتورية العربية المتحالفة مع الصهاينة تعمل على قلب الحقائق، وحتى تثاقل على ألسنة مذيعيها وصف الشهيد بالشهيد. فمثلت الجزيرة بذلك أكبر أداة لإحراج هذه الأنظمة، وفي الواقع هو إحراج الحقيقة لا أكثر.

في المقابل، كانت تعمل الأنظمة العربية جاهدة، ولا تزال، عبر آلة إعلامية دعائية ضخمة على تزييف الوقائع وقلب الحقائق، بالتوازي مع محاصرة قناة الجزيرة والتضييق عليها، حتى باتت مشاهدتها دليل إدانة للمشاهد البسيط.

حيث تعرضت القناة، منذ نشأتها، لمضايقات من مختلف الأنظمة العربية تقريبًا، حيث تم منعها من تركيز مكاتب لها في عديد العواصم. فمثلاً، هذه ليست المرة الأولى التي تسحب فيها الأردن ترخيص مكتب الجزيرة في عمان، سبق وقامت بذلك سنة 2002، كما سبق وأغلقت العراق والجزائر والسودان مكاتبها سنة 2004 رفضًا لتغطيتها للأحداث في هذه البلدان. المملكة العربية السعودية من جهتها سبق ورفعت "فيتو" ضد قناة الجزيرة أمام قطر سنة 2007، ودائمًا تحت عنوان رفض توجهات القناة.

فحينما كانت كاميرات الجزيرة تنقل أولًّا بأوّل أهازيج الشعب العربي في شوارع تونس وليبيا ومصر وبقية البلدان التي عرفت ثورات ضد الأنظمة الديكتاتورية سنة 2011، كانت قنوات "العربية" ومثيلاتها تتحدث عن "فوضى" و"أزمة"، ولو لم تفرض الأحداث نفسها، لتجاهلت هذه القنوات أخبار الاحتجاجات أو جعلتها أخبارًا ثانوية بعد أخبار البورصة في الرياض وأبو0ظبي.

مشكلة قناة الجزيرة أنها "مزعجة" للأنظمة الدكتاتورية العربية منذ نشأتها، ولعلّه زاد إزعاجها بعد الثورات العربية التي مثلت الجزيرة منصّة إعلامية لأخبارها. بيد أنّه ظلّ السؤال، لماذا لا تزال هذه الفوبيا من الجزيرة والخوف منها والسعي المحموم لإنهاء "هذا الكابوس" بالقوّة، رغم أن لمعارضيها أسطولاً من القنوات الحكومية والخاصّة التي تأتمر بأوامرهم، بل ولهم "العربية" التي لم تُستحدث حقيقة إلا كثورة مضادّة إعلامية سنة 2005 لثورة الجزيرة من قبلها. حيث يبدو أن ثنائية الثورة والثورة المضادة، كانت لها بداية في الإعلام العربي منذ سنوات قبل أن نعاين هذه الثنائية واقعًا على الأرض في السنوات الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: اللوبي الإسرائيلي في الإعلام العربي

حينما تصبح المهنية مشكلة!

الانزعاج الواسع من الجزيرة والعربي الجديد وغيرها من المؤسسات يعود لمهنيتها التي تزيد من إحراج الآلة الدعائية للأنظمة الدكتاتورية

في الواقع لا ينحصر "الانزعاج" من قناة الجزيرة ووسائل الإعلام المموّلة، في جزء منها، من رؤوس أموال قطرية على غرار "العربي" وصحيفة "العربي الجديد" في خطها التحريري، بل في قدرتها على المحافظة على قدر واسع من الموضوعية والمصداقية والمهنية، وكسب ثقة المشاهد العربي. وهذه النقطة تزيد من إحراج الآلة الدعائية للأنظمة الدكتاتورية التي لم تجد غير انتهاج أساليب الفبركة والمغالطات.

فبعيدًا عن حسابات السياسة واتجاهات الخط التحريري وبالمنطق الصحفي المحض، البون شاسع مثلاً بين قناتي الجزيرة والعربية. حيث انتقلت الجزيرة من مجرّد قناة إلى شبكة تضمّ مركزًا لتدريب الصحفيين، هو اليوم الأكثر حرفية في الوطن العربي، ومركزًا للدراسات البحثية، كما تضمّ أكبر الصحفيين العرب خبرة ومهنية. فيما لم تجد العربية نفسها إلا تحت إكراه التقليد، حيث نسخت تقريبًا جميع برامج الجزيرة ولكنها نسخ مشوّهة تعوزها دائمًا المهنيّة، ولو في الحدّ الذي يحترم عقل المشاهد. وكان قد حاول المعسكر المقابل بعث قناة أخرى "الغد العربي" رُصدت لها ميزانية ضخمة، غير أن هذا المشروع فشل بشكل واضح وهو يتخبط للآن.

في الأثناء، حافظت الجزيرة على الحدّ الأدنى من الموضوعية حتى في أكثر الملفات حساسية، ولا تزال للآن لا تجد حرجًا في استضافة أنصار نظام الأسد من بيروت أو أنصار السيسي أو حفتر وذلك تحت راية "الرأي والرأي الآخر". في المقابل، اعتمدت العربية على تغطيات موجّهة لدرجة أنها باتت أقرب للإعلام الحكومي للمملكة العربية السعودية أكثر منه لقناة عربية إخبارية جامعة. فقبل أسابيع قليلة، انخرطت "العربية" و"سكاي نيوز" وأسطول وسائل الإعلام السعودية والإماراتية والبحرينية والمصرية في تحليل بيان مفبرك لأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني دون أي خبر ولو في شريط الأخبار حول النفي القطري الرسمي لوجوده من أصله.

في هذا السياق، تتُهّم قناتا "الجزيرة" و"العربي" وصحيفة "العربي الجديد" بأنها تعتمد سياسات تحريرية ضد "المصالح الخليجية". فمثلًا يقع اتهامها بمساندة الحوثيين في اليمن وذلك رغم أن قطر تشارك عسكريًا في الحرب ضدهم، ولكن لعلّ مردّ الاتهام هو أن الجزيرة ليست "إعلامًا حربيًا"، أو لأنها لا تضع أخبار الحرب هناك كخبر رئيسي أول في جميع نشراتها يوميًا على غرار قناة "العربية"!

كما يقع اتهام الإعلام المموّل قطريًا بالتحريض على البحرين والسعودية، رغم أن هذا الإعلام يغضّ البصر في عديد المناسبات في الحقيقة عن الأحداث الداخلية في البحرين والسعودية، وهذه نقطة ضعفه، وهي ملاحظة بقدر ما يجب الإشارة إليها من باب الأمانة الأخلاقية والصحفية، فإنه يجب تأطيرها في السياق الخليجي والضغوطات الموجّهة ضد قطر.

ففي الحقيقة، بالكاد تتعرّض الجزيرة و"العربي" و"العربي الجديد" لأحداث الداخل الخليجي، وإن تعرّضت لها فغالبًا في شكل أخبار موجزة على سبيل الإخبار لا بغرض التحليل، وإن كان تحليلًا فهو ليس تحريضيًا. هذا عن الإعلام العربي المموّل قطريًا فما بالك عن الإعلام الحكومي القطري الذي يتعامل بتحفظ شديد مع الأحداث في دول الجوار الخليجي، وكل هذا من باب الحفاظ على "البيت الخليجي" من أن ينفجر، إلا أن حرص أبو ظبي على تفجيره وعدم اكتراث الرياض فاق كل المحاولات للحفاظ عليه.

في الواقع، تبحث دول الثالوث الخليجي، الإمارات والسعودية والبحرين، على أي تعلّات لاعتبار الجزيرة ومؤسسات أخرى كمؤسسات تعمل ضد "المصالح الخليجية"، وهو على الأرجح اتهام منبته تغطية هذه القنوات والصحف للأحداث في مصر وتونس وليبيا وسوريا، فالإحراج هناك!.

لماذا الحملة ضد الإعلام المموّل من قطر؟

تتداول الأنباء أن الحملة الأخيرة ضد قطر هي تمهيد لـ"صفقة القرن" والتي يتم التحضير لها بين دول عربية وإسرائيل برعاية إدارة ترامب

يقول العاقل صراحة ودون مواربة، لنا "الجزيرة"، ولكم "العربية"، ولنا "العربي" ولكم "سكاي نيوز"، ولنا "العربي الجديد" ولكم "العرب"، فلتكن المعركة في الساحة الإعلامية وليكن الحكم للمشاهد العربي ببساطة. فلماذا هذا السعي المحموم لإغلاق قنوات "الجزيرة" و"العربي" وحجب "العربي الجديد" والتضييق عليها بمنطق الوصاية والمصادرة؟.

في الواقع، يبدو أن الهدف الحقيقي هو احتكار الصوت والصورة والدعاية والترويج لتوجه وحيد وممارسة الرقابة عما دونه. حيث تنقل الأنباء أن الحملة الأخيرة ضد قطر ومنها تحديدًا السعي لإغلاق وسائل الإعلام العربية الممولة منها، هي تمهيد في الحقيقة لـ"صفقة القرن" والتي يتم التحضير لها بين دول عربية وإسرائيل برعاية إدارة ترامب والتي تخطط للقضاء على المقاومة المسلحة الفلسطينية عبر عدوان ساحق في غزة وبعده فرض حل سياسي بالقوّة، وذلك بالإضافة لمخطّط إسناد الأنظمة الديكتاتورية وتمكين القوى المضادة للثورة في الوطن العربي.

وهي صفقة يستدعي تنفيذها إعلامًا دعائيًّا موجّهًا يغضّ البصر عن حرب تندلع هنا، وعن مجزرة هناك، ويقوم بتشويه الحقيقة، وبتجميل القبيح وبتصوير المآسي والمظالم على أنها انتصارات وبطولات!.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما وراء حملة الإعلام الإماراتي والسعودي ضد عزمي بشارة؟

"الثور الإماراتي الهائج".. وثائق تكشف خطة أبوظبي لإفشال الديمقراطية في تونس