التأقلم البريطاني مع جرائم السعودية.. احتياطات

التأقلم البريطاني مع جرائم السعودية.. احتياطات "بريكست"!

من المرجح أن زيارة ابن سلمان للندن لن تمر دون تظاهرات تطالب بالإفراج عن رائف بدوي (EPA)

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالًا بخصوص الزيارة المرتقبة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان لبريطانيا خلال هذا الأسبوع، لتنطلق منها بنظرة سريعة على العلاقات البريطانية بالسعودية والتي وصفها المقال بـ"الخبيثة"، لكن لماذا؟ في السطور التالية ترجمة بتصرف للمقال.


هل تتذكرون رائف بدوي؟ إنه المدون الذي حُكم عليه بالسجن في السعودية عام 2012 لمدة عشرة أعوام، بالإضافة إلى ألف جلدة، لمجازفته بالدفاع عن احترام حقوق الإنسان، والعلمانية، والديمقراطية في وطنه السعودية. كادت أول خمسين جلدة تلقاها في ميدان عام في جدة عام 2015، أن تتسبب في مقتله. وهو ما أثار غضب المجتمع الدولي. ومنذ ذلك الحين، لم يتعرض بدوي للجلد ثانيةً، لكنه لايزال قابعًا في السجن حتى الآن.

هناك الكثيرون في أوروبا يرون أنه من الضروري وقف ابن سلمان عند حده فيما يخص الانتهاكات التي يمارسها بحق شعبه وجرائمه في اليمن

إن الرجل الذي بيده مصير بدوي، هو ولي العهد محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية، والذي سيزور لندن هذا الأسبوع، حيث صحيح أنه لا مجال لتعرضه للمحاكمة على انتهاكاته الجسيمة بحق شعبه، إلا أن الكثيرين في بريطانيا وأوروبا عمومًا، يرون أنه قد حان الوقت لمنعه عن الاستمرار في قمع المعارضين والنشطاء السياسيين، والتمييز ضد المرأة، والاستخدام الممنهج للإخفاء القسري والتعذيب، وعقوبة الإعدام. ناهيك بالطبع عن الجرائم الوحشية في اليمن.

اقرأ/ي أيضًا: الإخفاء القسري في السعودية.. جحيم في مملكة الرعب

وتنتشر الشائعات بأن بدوي وغيره من السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي، قد يتلقون عفوًا ملكيًا قريبًا، فيما يبدو أنه بسبب كثرة الضغوط على ابن سلمان في هذا الملف. ومن المؤكد أن ابن سلمان يشعر بالتوتر من استقباله في بريطانيا، فمن المتوقع أن تنطلق الكثير من الحركات الاحتجاجية يوم الأربعاء، من بينها الحملة ضد تصدير السلاح للسعودية. ومما لا شك فيه بالطبع أن إطلاق سراح بدوي سيكون محل ترحيب كبير في بريطانيا بالتزامن مع زيارة ابن سلمان!

ولكن مع ذلك، من المفترض ألا تنطلي هذه الخدعة إذا ما حدثت، أي ألا ينطلي إفراج ابن سلمان عن بدوي وغيره، بالتزامن مع وصوله إلى داونينغ ستريت بلندن.

تستغرق زيارة ابن سلمان يومين، سيذهب خلالهما في رحلة إلى قصر ويندسور لمقابلة العائلة المالكة، وهو ما يثير العديد من التساؤلات. وقالت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي، إن هذا الاجتماع يدور حول "تعزيز علاقاتنا بالعالم، والنضال من أجل قيمنا". وتعهدت بإجراء محادثات "صريحة" حول القضايا ذات الاهتمام المشترك "كالأمن الإقليمي، والصراع والوضع الإنساني في اليمن".

سيكون ذلك أمرًا جيدًا إذا كان صادقًا بالفعل. ولكن في الحقيقة، يُعد التحالف البريطاني السعودي تحالفًا "خبيثًا"، وداعمًا لأسوأ ما لدى الجانبين، وهادمًا "لقيمنا" بشكل جذري. فاهتمام ماي الأساسي لا يمت بصلة إلى عدد المدنيين اليمنيين الذي لا يُحصى، الذين يموتون بشكل مستمر نتيجةً للحملة العسكرية التي تقودها السعودية، وتدعمها بريطانيا.

كما أن اهتمامها لا يتعلق بطرق استغلال القوانين السعودية لمكافحة الإرهاب والمحاكمات، في اضطهاد الناشطين في مجال حقوق الإنسان، والصحفيين المستقلين، والأكاديميين المعارضين، برغم حملة بن سلمان المزعومة للإصلاح. كما أنها لا تهتم بقيادة النساء للسيارات، ولا بانتهاك حقوق الأقلية الشيعية المسلمة في السعودية.

التحالف البريطاني السعودي تحالفٌ "خبيث" فبريطانيا غير مهتمة بالأوضاع الإنسانية الكارثية باليمن ولا بالانتهاكات الحقوقية بالسعودية

لدى ماي ثلاث نقاط ذات أولوية كبرى ضمن جدول أعمالها، على رأسها البريكست. إذ ينصب اهتمامها على إقناع السعوديين بإمكانية بقاء بريطانيا شريكًا تجاريًا واستثماريًا مهمًا بعد مغادرتها للاتحاد الأوروبي. ويتعين أن يكون اتفاق التجارة الثنائي على صدارة مهام ليام فوكس المزمع الانتهاء منها بعد نهاية شهر آذار/مارس من العام المقبل.

قبل ذلك، سيكون هناك اختبار رئيسي لطموح ما بعد البريكست، وهو ما إذا كان السعوديون سيفضلون مدينة لندن على نيويورك وطوكيو وهونغ كونغ من أجل طرح أسهم شركة أرامكو النفطية المملوكة للدولة للاكتتاب العام، والتي من المتوقع أن تكون أكبر اكتتاب في التاريخ. ويقال إن ثمة قرارًا وشيكًا في هذا الصدد. وأن "القيم البريطانية" ليس لها علاقة بذلك.

الأمر الثاني، تحرص ماي ووزراؤها على الحفاظ على علاقات بريطانيا الخاصة بالأمن والدفاع ومحاربة الإرهاب، وتوسيع نطاقها لو أمكن. وهو أيضًا ما تسعى إليه السعودية حثيثًا لتدرأ عن نفسها شبه التورط في الإرهاب. يُذكر في هذا الصدد تقرير "هنري جاكسون".

يزداد هذا التحيز المرضي غير العقلاني رسوخًا، ففي تحول سياسي يقوده بوريس جونسون، الذي يصف نفسه بأنه أحد أفضل رفاق ابن سلمان، تجد بريطانيا نفسها تميل بشكل متزايد إلى صف الولايات المتحدة والسعودية، المتشدد في مواجهة إيران، خصم الرياض الرئيسي في المنطقة. في الوقت الراهن، تدعم وزارة الخارجية الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين طهران والدول الغربية، والذي يستنكره كل من السعوديون ودونالد ترامب بشدة، كما سعت الوزارة جاهدة طوال السنوات الأخيرة لتطبيع العلاقات بينهما.

إلا أن بريطانيا قد اتخذت نهجًا يميل بعض الشيء تجاه موقف الرياض وواشنطن وتل أبيب، عندما أشارت إلى وجود مخاوف مشتركة بشأن الدور الإيراني المتزايد في سوريا ولبنان، وكذلك دعمها للمتمردين الحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى برنامجها المتطور للصواريخ الباليستية. على النقيض من ذلك، تتجنب بريطانيا توجيه النقد العلني للحصار السعودي الأرعن لقطر، الحليف الغربي المهم.

أما الأمر الثالث، فيتعلق برغبة حكومة ماي الحفاظ على مبيعات الأسلحة البريطانية إلى السعودية، وزيادتها إذا كان ذلك ممكنًا، على الرغم من الجدل المثار حول ذلك. فمنذ الحملة العسكرية على اليمن التي بدأت عام 2015، انتشرت أخبار بأن بريطانيا باعت طائرات مقاتلة وقنابل تتخطى قيمتها 4.6 مليار جنيه استرليني. وتشمل هذه المبيعات طائرات تايفون، وقنابل "بيفواي 4". وربما يكون هناك مزيد من الصفقات الوشيكة للمقاتلات، خاصةً إذا سارت زيارة ابن سلمان على ما يرام. لا شك أن الوظائف في الصناعات الدفاعية غاية في الأهمية، إلا أن هذا الوضع آن له أن يتوقف.

في السعودية نظام متسلط يقوده ابن سلمان الذي هو زعيم صغير وطائش ومستبد ومتهور لا تعدو إصلاحاته كونها محاولة لتبييض جرائمه

يجب أن تُوقف ماي هذا التملق المُخجل لنظام غير ديمقراطي متسلط، ولقائد غرّ مستبد ومتهور، لا تعدو إصلاحاته التي أعلن عنها كونها واجهة للزينة، بينما لا تعكس تقدمًا حقيقيًا من أجل تغيير جذري. وكما تقول كيت ألين من منظمة العفو الدولية: "هذه الزيارة بمثابة فرصة سانحة للمملكة المتحدة كي تُظهر أخيرًا بعض الجرأة فيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

السعودية عملاق تمويل الإرهاب في بريطانيا.. الفضيحة مستمرة

تقرير هنري جاكسون ومملكة الظلام.. سخاء على الإرهاب