التمييز السعودي ضد الشيعة.. قمعٌ ممنهج لـ15% من المواطنين على أساس طائفي

التمييز السعودي ضد الشيعة.. قمعٌ ممنهج لـ15% من المواطنين على أساس طائفي

تظاهرة لمواطنين شيعة في السعودية (أ.ف.ب)

بالرقص، احتفلت قوات سعودية خاصة بالسيطرة على حي المسورة في بلدة العوامية الشيعية بمحافظة القطيف شرقي السعودية، بعد خمسة أشهر من مواجهات مسلحة وأعمال عنف بلغت ذروتها قبل أيام.

بدأت هذه الحملة الأمنية السعودية في آذار/مارس الماضي، ووفقًا للرواية الرسمية فإن الطرف الآن، كان مُسلحًا، لذا أصبح متهمًا بالإرهاب في الرواية السعودية التي تكشف الوقائع زيفها.

بعد 70 عامًا من الإهمال، أقرت السلطات السعودية خطة تطوير مزعومة لمدينة العوامية تضمنت هدم منازل معارضين للنظام!

تقع بلدة العوامية، في محافظة القطيف ذات الأغلبية الشيعية، وهي مسقط رأس رجل الدين الشيعي نمر النمر، الذي أعدم في كانون الثاني/يناير 2016، ثم ألقيت جثته من الطائرة. وكان النمر أحد محركي الاحتجاجات التي اندلعت في 2011 بدفعة من الثورات العربية.

اقرأ/ي أيضًا: مواطنو القطيف تحت سيف الأمير الطائش

لكن هذه الاحتجاجات لم تصل إلى شيء حتى الآن، فالقمع السعودي كان مبالغًا فيه ما بين قتل واعتقال، قبل أن يتطور إلى عقاب جماعي تضمّن تهجيرًا قسريًا.

بدأت هذه التطورات في آذار/مارس الماضي، بعد أن زعمت السعودية إجراءها مشروع تطوير عمراني يهدف إلى تحويل العوامية إلى مقصد تجاري وثقافي، فبدأت لأجل ذلك المشروع المزعوم في هدم المنازل في المنطقة التاريخية التي يعود بناؤها إلى 400 عام خلت تقريبًا، أي أنها أقدم بمئات السنين من عمر المملكة السعودية.

كان المثير للاهتمام أن مشروع التطوير المزعوم ركز على هدم منازل معارضين للنظام السعودي، الأمر الذي رفضه سكان العوامية البالغ عددهم 30 ألف نسمة، وشككوا فيه، خاصة وأنهم وبلدتهم مهملون منذ نحو 70 عامًا، فما الذي جدّ سوى رغبة السلطات السعودية في تهجير السكان قسريًا، بصورة شبه قانونية!

شيعة السعودية.. من زعامة نمر النمر إلى إعدامه

البداية الحقيقية لأزمة العوامية كانت في وقت سابق، بعد فشل احتجاجات 2011، التي انتهى شبابها إلى السجون، فبدأ تكوين شبكات وجماعات وحركات تطالب بقوة على الأرض، بتحقيق عدّة أهداف، أبرزها المشاركة في حكم محلي لشؤون المنطقة الشرقية، ذات الأغلبية الشيعية والمساواة بين كافة المواطنين. ومن بين هذه الحركات، ائتلاف الشباب الأحرار، وشباب الحراك الرسالي، ومجموعة التضامن الإسلامي، وأحرار سيهات، وأحرار تاروت، وقطيفيون، والمجموعة النسائية زينبيات قطيفيات، والمجموعة صاحبة الشعبية الأكبر "ثورة المنطقة الشرقية".

أغلب الحركات الاحتجاجية في القطيف كان الأب الروحي لها هو نمر باقر النمر، الذي كانت له خطابات وصفت بالتحريضية ضد الأسرة الحاكمة، وهو ما أدى إلى اعتقاله، فانطلقت الاحتجاجات مرة أخرى في المنطقة، تنادي بإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، السنة والشيعة، بالمنطقة الشرقية. وكعادة آل سعود، قابلوا المطالب بدموية، فدفعوا بالمدرعات إلى الشوارع ليرتفع حصاد القتلى إلى أعداد لا يمكن معها تراجع الأقلية الشيعية.

من آثار الدمار الذي ألحقته السلطات السعودية بحي المسورة في العوامية بالقطيف (مواقع التواصل الاجتماعي)
من آثار الدمار الذي ألحقته السلطات السعودية بحي المسورة في العوامية بالقطيف (مواقع التواصل الاجتماعي)

ويطالب السعوديون الشيعة بجزء من الحكم المحلي والمساواة مع باقي المواطنين، مع الوضع في الاعتبار أنهم يمثلون 15% من إجمالي مواطني السعودية، وهو الرقم المعتمد وفق عدة جهات دولية، على عكس ما تردده صحف ومراكز بحثية سعودية تزعم أن نسبة الشيعة لا تتجاوز 2.5% فقط.

وفي الغالب يأتي رفض السلطات السعودية لتلك المطالب بتسويق كل حادثة أو جناية يتورط فيها أي شيعي في السعودية، على أنها فتنة طائفية تستهدف أمن البلاد والعباد، ما رد عليه الكاتب السعودي المنتمي للمذهب الشيعي، وعضو منظمة العفو الدولية، توفيق السيف، في تصريحات صحفية، بوصفه هذه الاتهامات بأنها "أساطير"، تُبنى على تدوينات منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويلفقها صحفيون للأقلية الشيعية.

وأشار السيف إلى أنه برصد الاعتداءات على رجال الأمن يتضح أنه من بين كل 100 حادث أمني واعتداء على رجال أمن سعوديين، ستة فقط تحدث في المنطقة ذات الأغلبية الشيعية.

"ثورة حنين" تحت جنازير دبابات الملك

تزامنًا مع الثورة الإسلامية في إيران، أصبحت الحكومة السعودية متشككة من الشيعة، خوفًا من تبني ثورة ضد الوهابية مصدر السلطة في المملكة، فمن المعروف تخوف السعودية من "عدوى الثورات"، فبدأت بتضييق الخناق على مواطنيها الشيعة، فقلصت من فرص العمل المتاحة لهم حتى كادت تتلاشى ما زاد من نسب البطالة بينهم، حتى أن شركات مثل أرامكو اتجهت إلى التعسف مع موظفيها من الشيعة بتخفيض رواتبهم أو فصلهم نهائيًا، فضلًا عن منعهم من الترقي.

ويرى المواطنون الشيعة أن السلطات السعودية تتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، يتمثل ذلك في التمييز الطائفي ضدهم، وعدم مساواتهم ببقية المواطنين وعدم تمثيلهم في أي مناصب متعلقة بالحكم، وهم الذيم يمثلون 15% من تعداد السكان، لكنهم لم يحوزوا في تاريخ السعودية أي حقائب وزارية، فضلًا عن أن مشاركتهم في مجلس الشورى المعين لا تتجاوز 2% فقط، إذ إن 4 شيعيين فقط أعضاء في المجلس الذي يضم 150 عضوًا.

يمثل الشيعة في السعودية 15% من إجمالي المواطنين، رغم ذلك لم يتولوا أي حقيبة وزارية ولا تتجاوز نسبة تمثيلهم في مجلس الشورى 2%

اقتصاديًا، يشعر شيعة السعودية بسرقة مواردهم، فرغم أن المنطقة الشرقية من أغنى مناطق السعودية بالنفط، إلا أن توزيع الموارد والثروات غير متكافئ، ما أدى لارتفاع معدلات الفقر والبطالة، واتساع الهوة في مستوى الدخل بين السنة والشيعة.

اقرأ/ي أيضًا: النفط والبطالة: وجهان لدولة آل سعود

كل هؤلاء الذين شعروا بالظلم دخلوا في ركب نمر النمر، واحتجوا عام 2011، على أمل أن بما لديهم من حقوق ومطالب مشروعة فسيكونون قادرين على إرغام آل سعود على تنفيذها، لكن دبابات وجرافات خادم الحرمين كانت بالمرصاد. 

كان اسمها "ثورة حنين"، وضمّت الشيعة وبعض السنة المعارضين، فأطاح بها آل سعود، فاندمجت مجموعات شبابية تحت مظلة عابرة للطوائف، أطلق عليها "ائتلاف الشباب الأحرار"، وأصدرت بيانًا يضم 24 مطلبًا، منها المطالبة بحكم قائم على مشاركة حقيقية، والإفراج عن السجناء السياسيين، وصياغة دستور للبلاد، وعدّة مطالب أخرى.

لكن قمع السلطات السعودية قضى على الحركة الاحتجاجية، ليس فقط مع "ثورة حنين"، وإنما كذلك الانتفاضة البحرينية، فلدى السعودية هاجس مزمن من أن إيران تلعب في حديقتها الخلفية البحرين، وفي المنطقة الشرقية من أراضيها، معتبرةً أن القضاء على المطالب الشعبية يمثل إنهاءً للوجود الإيراني.

شيعة السعودية مواطنون من "الدرجة الثالثة"

أصدرت منظمات حقوقية تقارير ترصد معاناة المواطنين الشيعة في السعودية من سياسات القمع والإقصاد وتقيد حرية التعبير والمعتقد، ففي تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية، صدر مباشرة عقب "ثورة حنين" في 2011، قالت إن شيعة السعودية يعانون تمييزًا يصل إلى الاضطهاد على أساس طائفي، لدرجة أن الافصاح عن المعتقد الشيعي قد يُؤدي إلى الاحتجاز أو السجن.

وأضافت المنظمة الحقوقية أن "التمييز الرسمي ضد الشيعة يتضمن الممارسة الدينية، والتربية، والمنظومة العدلية، فيما يعمد المسؤولون الحكوميون إلى إقصاء الشيعة من بعض الوظائف العامة والرفض العلني لمذهبهم".

يعاني شيعة السعودية تمييزًا طائفيًا يصل إلى حد سبابهم في الإعلام الرسمي، والاعتقال على أساس ديني

كما تفرض السلطات السعودية قيودًا على بناء دور العبادة الشيعية، وترفض منح التراخيص الخاصة بهذا الشأن. ويصل التمييز ضد الشيعة في السعودية إلى وصفهم في وسائل الإعلام الرسمية وعلى ألسنة بعض علماء الدين بـ"الرافضة والمجوس"، ويتلقون السباب لأتفه الأسباب، وعلى أساس طائفي.

اقرأ/ي أيضًا: الهلال الشيعي.. مشروع إيراني أم أمريكي؟ (3-3)

وهناك معتقلون في السجون السعودية منذ 2011 ألقي القبض عليهم عقابًا لهم على كونهم شيعة فقط، يبلغ عددهم حوالي 320، بعضهم عليه أحكام بالإعدام، وفي انتظار التنفيذ، الذي يبدو أن السعودية ستساوم عليه، أو أنها تخاف من تنفيذه فتشتعل جذوة الغضب كما حدث مع إعدام نمر النمر. 

إيران داخل العوامية.. "ورم" في ظهر السعودية

قمع ثورة حنين، واعتقال أفرادها، وإعدام نمر النمر حين هدّد بطلب الدعم الدولي من إيران إذا لم تستجِب السعودية، جميعها رسائل إلى طهران لتلقى الحرب دائرة، لكن دخول الحديقة الخلفية للسعودية سواءً كانت البحرين أو المنطقة الشرقية، بمثابة خط أحمر لآل سعود.

وكان للتوتر بين السعودية وإيران أثرًا كبيرًا على شيعة السعودية، فلم ينجُ منه أحد، وانعكس على اللغة المستخدمة في الإعلام وخطب علماء الدين وحتى على مواقع التواصل الاجتماعي. ووفقًا لعدّة شهادات شيعية، فإن الخلط المتواصل في الإعلام السعودي بين شيعة السعودية وإيران، جعلهم ورقة في الصراع، تلعب به السعودية تارة، وإيران أُخرى. لكن شيعة المملكة لا ناقة لهم ولا جمل به.

تظاهرة في طهران تدين إعدام نمر النمر (فاطمة بهرامي/ الأناضول)
تظاهرة في طهران تدين إعدام نمر النمر (فاطمة بهرامي/ الأناضول)

وتصف السعودية ترحيب شيعتها بعلاقات حسنة مع إيران، بالخيانة، دون الالتفات إلى السبب الرئيسي لذلك، فهو يتيح لهم فرصة السفر لزيارة مراقد ومراكز دينية مقدسة بالنسبة إليهم، كما أنه يخفف من أعباء الحملات الطائفية والمذهبية ضدهم، فشيعة السعودية وسنة إيران، هم الذين يدفعون ثمن هذا الصراع.

السنة في إيران والشيعة في السعودية، هم ضحية الصراع السياسي بين سلطات البلدين

وحين وقعت الطائفتان تحت عجلات الحرب، أجرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية تحقيقًا، خرجت منه بأن شيعة السعودية لا يظهرون معارضتهم لـ"عاصفة الحزم"، لكنهم مع ذلك يخشون رد فعلها عليهم من قبل الحكومة السعودية، ويخافون من ربط احتجاجاتهم بالحرب التي تجري بين البلديْن "بشكل غير مباشر" في اليمن، واعتبارها نوعًا من إنهاك القوة السعودية بالداخل، لإضعاف القوة الخارجية.

اقرأ/ي أيضًا: حرب المائة عام بين السنة والشيعة

وأنهت الصحيفة الأمريكية تحقيقها بمخاوف وليد سلس، الناشط السعودي الشيعي من "حملة قوية ضدنا من قبل الحكومة السنية ردًا على ضربات إيران في اليمن، لكن الحقيقة أن شيعة السعودية يريدون الحفاظ على المملكة من أعداءها ويفاجئون بالنظر إليهم كأعداء"، على حد قوله.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السعودية وإيران.. إنه النفط

الإعدام السياسي في إعلام السعودية وإيران