رهان موسكو الأخير.. المال مقابل السلام في إدلب

رهان موسكو الأخير.. المال مقابل السلام في إدلب

تريد روسيا تأجيل معركة إدلب من أجل إنجاز ملف إعادة الإعمار (Getty)

ألترا صوت – فريق التحرير

مثّل الاتفاق التركي الروسي الذي أبرم قبل أيام، حول إنشاء منطقة منزوعة السلاح بين مناطق النظام السوري وقوات المعارضة في منطقة إدلب شمال غرب سوريا، تطورًا مهمًا في الصراع السوري الدائر، بعدما كانت قوات النظام تتجهز لهجوم عسكري وشيك بهدف استعادتها من قبضة المعارضة السورية، لكنه في مقابل ذلك كان نذير شؤم على موسكو التي أسقطت صواريخ قوات النظام طائرة تابعة لها أثناء تصديها لغارات جوية إسرائيلية.

مثّل الاتفاق التركي الروسي حول إنشاء منطقة منزوعة السلاح بين مناطق النظام السوري وقوات المعارضة  في منطقة إدلب، تطورًا مهمًا في الصراع السوري

الاتفاق المجهول!

وفي خطوة لتجنيب المنطقة التي تأوي أكثر من ثلاثة ملايين شخص، بمن فيهم المهجرون من المناطق التي استعاد النظام السوري السيطرة عليها سابقًا؛ صراعًا جديدًا، اتفق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان على إنشاء منطقة منزوعة السلاح في محافظة إدلب بعمق 15 إلى 20 كم، دون أن تصدر عن القمة التي عقدت في مجمع سوتشي السياحي أي وثيقة تحدد البنود التي جرى الاتفاق عليها.

لكن وحسب المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيسان بعد نهاية الاجتماع، فإن الاتفاق نص على تسيير دوريات مشتركة بين البلدين في المنطقة، وضمان تركي لـ"عدم نشاط المجموعات المتطرفة"، وبينما أشار بوتين إلى أن المنطقة ستكون منزوعة من الأسلحة الثقيلة، ستقوم تركيا باتخاذ "التدابير اللازمة" في محافظة حماة، التي يتواجد في شمالها مقاتلو هيئة تحرير الشام. كما أن بعض التسريبات أظهرت أن مذكرة الاتفاق تنص على إعادة فتح الممرات بين حلب واللاذقية وحماة، مما يسمح لأنقرة ودمشق باستئناف طرق التجارة التي توقفت أثناء الحرب. 

ويظهر من الاتفاق الذي لا تزال تفاصيله مجهولة، أن هناك توجهًا لإنهاء تواجد هيئة تحرير الشام في المنطقة، والتي قامت أنقرة قبل شهر بإدراجها على قائمة المنظمات الإرهابية، إما عن طريق تسليم أسلحتها تمهيدًا لحل نفسها، أو من خلال دعم فصائل المعارضة بشن هجوم للقضاء عليها، كونها شكلت عقبة مفصلية في مسار المفاوضات التي دارت خلال الأيام الماضية حول محافظة إدلب.

اقرأ/ي أيضًا: معركة إدلب الكبرى.. تحرير الشام عتبة لـ"حمام دم" الأسد

ويعكس الاتفاق الأخير بين أنقرة وموسكو، مدى أهمية المنطقة لتركيا التي تخشى من أزمة لاجئين جديدة تضرب حدودها، بعدما فشلت قمة طهران قبل نحو عشرة أيام بالتوصل لاتفاق بخصوصها، ورفض بوتين لطلب الهدنة الذي قدمه أردوغان، أو المقترحات التي تضمنت توحيد صفوف المعارضة لقتال هيئة تحرير الشام. لكن فيما يبدو أن الرئيس التركي تمكن من إقناع نظيره الروسي بمنع حدوث أي هجوم عسكري، كان من المتوقع انتهاؤه بأسوأ كارثة إنسانية قد تحدث خلال القرن الجاري.

مرحلة ما بعد الاتفاق

جاءت الساعات القليلة اللاحقة لمرحلة ما بعد الاتفاق، ساخنة في أحداثها بعد إسقاط منظومة دفاعات قوات النظام الجوية إس-200 طائرة استطلاع روسية من طراز إيل 20 كانت تضم 15 عسكريًا روسيًا، قالت وزارة الدفاع الروسية إنها كانت تنفذ مهمة استطلاعية في منطقة إدلب، فيما برر النظام السوري إسقاط الطائرة بأنه كان عن طريق الخطأ أثناء تصديه لهجوم صاروخي نفذته مقاتلات إسرائيلية على مواقع عسكرية للنظام السوري.

وفيما سارعت موسكو للتأكيد على أن اتفاق خفض التصعيد في منطقة إدلب لن يتأثر بإسقاط طائرة الاستطلاع الروسية، فإنها لجأت لاستخدام الدبلوماسية السياسية في الرد على إسقاط الطائرة، بعدما حمل وزير الدفاع الروسي إسرائيل المسؤولية الكاملة عن سقوط الطائرة، وجاء رد بوتين هادئًا حين تحدث عن أن إسقاطها يرجع لسلسلة الأحداث المأساوية التي تجري في سوريا، مضيفًا أن بلاده ستفتح تحقيقًا موسعًا حول القضية، وستقوم بزيادة أمنها في سوريا.

وبحسب موقع روسيا اليوم فإن المقاتلات الإسرائيلية قصفت بـ800 صاروخ مواقع عسكرية في القنيطرة وحماة ودمشق واللاذقية، وجاءت عملية القصف بعد أقل من ثلاثة أيام على استهداف مقاتلات إسرائيلية لموقع عسكري في مطار دمشق الدولي. وحملت هذه الخطوة دلالات مهمة رغم حديث روسيا عن أن إسرائيل أبلغتها بتنفيذها الغارة الجوية عبر الخط الساخن قبل حدوثها بدقيقة، بالإضافة إلى أنها كانت تحتمي خلف طائرة الاستطلاع الروسية ما دفع مضادات الدفاع السوري لاستهدافها عن طريق الخطأ.

إدلب تزيد الأزمة السورية تعقيدًا

كان الاتفاق على إنشاء منطقة منزوعة السلاح مفاجئًا، بعد الخلاف الذي ظهر بين الدول الضامنة لمؤتمر أستانا في قمة طهران، واستعداد النظام السوري لبدء هجومه العسكري على آخر معاقل المعارضة السورية، لكنه يحمل في نفس الوقت تطورات جديدة، قد تزيد من تعقيد الأزمة السورية التي تشهد تضاربًا كبيرًا في المصالح بين القوى الإقليمية.

ولا يمكن فصل حادثة إسقاط الطائرة عن الاتفاق المبرم حول إدلب بين أنقرة وموسكو، خاصة أنها جاءت بعد أقل من 4 ساعات من إعلانه، ما يشير إلى احتمال أن يكون اتفاق إدلب  قد وُقع مقابل إيقاف الغارات الجوية الإسرائيلية التي تستهدف مواقع الميليشيات الإيرانية الداعمة لرئيس النظام السوري بشار الأسد، بعدما استخدمت موسكو لهجة حادة بزيادة أمن قواتها المتواجدة في سوريا.

بينما ترى موسكو أن في إنجاز الاتفاق فرصة للتعجيل من فتح ملف إعادة الإعمار، الذي ترفض الدول الغربية تمويله طالما أن الحرب السورية لا تزال دائرة، وبالتالي فإنها ترى في شراكتها مغ تركيا تقاربًا في المصالح المشتركة نوعًا ما، كون أنقرة تسعى إلى منع حدوث تدفق جديد للاجئين عبر حدودها، بينما ستكون موسكو قد ضمنت كذلك التفاوض بشكل أكبر على ملف إعادة اللاجئين.

ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية فإن الاتفاق لم يلغ الهجوم العسكري على محافظة إدلب، إنما أجله إلى وقت لاحق، في محاولة من روسيا لإعادة تقديم الأسد للمجتمع الدولي من أجل حصولها على دعم ملف إعادة الإعمار، بعد تهيئة الظروف لعودة اللاجئين السوريين إلى سوريا.

اقرأ/ي أيضًا: الغرب يوحد موقفه.. "جرس النهاية" يقرع في إدلب

كذلك تسعى موسكو من خلال الاتفاق، إلى توجيه رسالة لمجموعة "الدول المصغرة" التي اتفقت قبل أيام على رزمة مبادئ لإنهاء الأزمة السورية، وهو ما عكسه تصريح الدبلوماسي الروسي سيرغي لافروف حين أعلن أن بلاده على استعداد للتعاون مع مجموعة الدول المصغرة لبحث مبادئ الوثيقة وفق القانون الدولي. 

كما أن تصريحات الرئيسين خلال المؤتمر الصحفي، أظهرت تفاهمهما على نقاط معينة. حيث تحدث بوتين عن زيادة النشاط التجاري مع أنقرة من خلال استيرادها للمنتجات الروسية، بينما شدد نظيره أردوغان على "تجفيف مستنقعات الإرهاب في شرق الفرات أولًا"، في إشارة لتواجد قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية الرامية لإنشاء منطقة حكم ذاتي، الأمر الذي ترى فيه أنقرة تقويضًا لأمنها القومي.

لم يلغ  الاتفاق الروسي التركي الهجوم العسكري على محافظة إدلب، إنما أجله إلى وقت لاحق، في محاولة من موسكو لإعادة تقديم الأسد للمجتمع الدولي 

وعلى الجانب الآخر، فإن إسرائيل خسرت التفاهم الذي كان يربطها مع موسكو لشن غارات جوية على مواقع للميليشيات الإيرانية، وهو ما عكسه حديث مسؤولين إسرائيليين لقناة فوكس نيوز، اعتبروا أن حادثة إسقاط الطائرة ستفرض قيودًا شديدة على الهجمات التي تنفذها المقاتلات الإسرائيلية في سوريا.

ويعزز ذلك احتمالية أن يكون النظام السوري قد أسقط الطائرة الروسية عمدًا، كجزء من الرد على عدم قبوله للاتفاق المرتبط بمحافظة إدلب، خاصة أن إسرائيل حافظت على علاقات وثيقة مع موسكو التي لم تردعها عن استهداف مواقع عسكرية للنظام السوري أو الميليشيات الإيرانية التي تقاتل ضد مقاتلي المعارضة السورية.

لذا فإن موسكو تدرك أنها في اتفاقها مع أنقرة قدمت نوعًا من التنازل في سبيل تعجيل ملف إعادة الإعمار، وهو ما قد يعني تأجيل الهجوم العسكري على إدلب إلى وقت لاحق.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

إدلب.. حصن المعارضة الأخير في مواجهة جحيم النظام السوري

إدلب من جديد.. هل سيكرر الأسد "جحيم" حلب؟