جولة أمير قطر الخارجية.. استمرار تحقيق المكاسب وزيادة في إحراج دول الحصار

جولة أمير قطر الخارجية.. استمرار تحقيق المكاسب وزيادة في إحراج دول الحصار

تمثل الجولة الخارجية لأمير قطر، تأكيدًا على فشل الحصار (Getty)

في أول جولة خارجية منذ بدء الحصار على بلاده قبل زهاء 100 يوم، أجرى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، زيارات إلى تركيا وألمانيا وفرنسا، ومن ثمّ الولايات المتحدة الأمريكية لحضور أشغال الجمعية العامّة للأمم المتحدة، وذلك فيما بدا أنه من وراء هذه الجولة، رسائل موجّهة مضمونة الوصول للعالم والدول الحليفة وقبلها لدول الحصار، حول صمود بلاده أمام محاولات إخضاعها لإملاءات المُحاصرين.

تأتي الجولة التي أجراها أمير قطر لعدد من الدول انتهاءً بالمشاركة في قمة الأمم المتحدة؛ تأكيدًا على فشل الحصار الذي وصفه بـ"الغدر"

تأكيد على فشل الحصار

رفض أمير قطر طيلة الأسابيع الأولى من الحصار مغادرة بلاده، مفضلًا البقاء إلى جانب شعبه في محنة وصفها "بالغدر"، في خطابه أمام الجمعية العامّة للأمم المتحدة مؤخرًا. وكان قد رفض في شهر حزيران/يونيو الماضي، دعوةً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لقمّة في واشنطن لحلّ الازمة، لأنه أراد أن يكون بين شعبه لمواجهة أي مخاطر.

اقرأ/ي أيضًا: كلمة أمير قطر في الأمم المتحدة.. فضح للغدر ودعم لقضايا الشعب العربي

وقد تكفّل حينها وزير الخارجية محمد بن عبد الرّحمن آل ثاني بالقيام بجولات مكوكية للدول الحليفة، دفاعًا عن مواقف بلاده، وهو ما جعله يخطف الأضواء خلال الأزمة، وذلك في مقابل الأداء المرتبك لوزراء خارجية دول الحصار، سواء من حيث تناقض التصريحات أو ضعف الإقناع، وتحديدًا أمام الإعلام الدولي.

لكن ما الذي دفع حاليًا الأمير تميم للقيام بجولة خارجية رغم استمرار الحصار؟ بدايةً للتأكيد على فشل الحصار من جهة أنه لم يُبقِ أمير البلاد "رهينة" في كل الأحوال، لا من منطلق عدم القدرة على السّفر، فالدوحة استطاعت منذ الساعات الأولى للحصار، فتح خطوط جويّة دون رضوخ لابتزاز بعض الجيران، وإنما من منطلق التأكيد للعالم، وقبلهم للقطريين، فوات آخر تبعات الحصار، فلا فرق بين ما قبله وما بعده.

وقد استطاعت قطر طيلة الأشهر الماضية حماية أمنها القومي والاقتصادي، ولعلّ تدشين ميناء حمد الدّولي هو خير دليل على ضمان الاستقلال الاقتصادي القطري عن أية ارتباطات إقليمية تُبيّن في النهاية أنها ورقة ابتزاز. كما تجاوزت الأزمة الخليجية مرحلتها الحرجة، والتي بلغت التخطيط العسكري لدول الحصار ضد قطر، كما كشف أمير الكويت، وعليه استطاعت الدوحة "التطبيع"، إن صحّ التعبير، مع حصارٍ لم يحقّق أدنى أهدافه، ولا يزال أصحابه في ورطة للخروج منه بأخف الأضرار.

في نفس السياق، تعكس هذه الجولة انتقال قطر من الدفاع إلى الهجوم، وهو ما انعكس بوضوح في خطاب الأمير تميم أمام قادة العالم في نيويورك، إذ أكد خلالها خرق دول الحصار لمبادئ القانون الدولي ومحاولاتها للمسّ بسيادة الدّول، وكشف متاجرتها بملف مكافحة الإرهاب، بل مساهمتها في تجذير الإرهاب عبر سياساتها في المنطقة.

الظهير الشعبي في مواجهة تحرشات دول الحصار

"نحن لا نريد تغيير نظام الحكم في قطر"، هذا ما تدّعيه دول الحصار أمام العالم، غير أن ممارساتها على الأرض تخالف ذلك، فيما يكشف عن وجود مخطّطات جديّة لإسقاط النظام في قطر وإرباك الوضع الدّاخلي في البلاد. وآخر هذه المحاولات هو تجنيد الآلة الدعائية لدول الحصار، للتّرويج لبيانين من عضوين في أسرة آل ثاني، يتضمّنان دعوة لعقد اجتماع بين أفراد الأسرة وأعيان البلاد، فيما يخفي ضمنيًا محاولة مقنّعة لإعداد انقلاب، وذلك بالتزامن مع الجولة الخارجية لأمير البلاد.

وصحيح أن هذه الدعوة قد لاقت صدىً واسعًا في قطر، لكن من باب السخرية التي تم التعبير عنها بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن جهة أخرى من باب التأكيد على دعم وتأييد أمير البلاد تميم بن حمد، كما بدا واضحًا في هشاتاغ "#أجدد_البيعة_لتميم_بن_حمد"

ويمثّل تجنّيد الآلة الدعائية لدول الحصار للترويج لبيانين من أسرة آل ثاني، ومن ورائها أجهزة مخابراتها، مدى الانخراط في محاولات شقّ الصّف الدّاخلي في قطر، بعد فشل زهاء 100 يوم في إخضاع قطر للإملاءات، ليبيّن بذلك هذا التصعيد، غياب أية نوايا جديّة من جانبها لحلّ الأزمة، بل جاء ليؤكد من جديد على أنّ العمل العسكري كان خيارًا مطروحًا فعلًا، كما كشفته تسريبات يوسف العتيبة، الذي قال إنّ "هجومًا على قطر يحلّ مشاكل الجميع"، وأكده ضمنيًا تصريح ترامب مؤخرًا، بأنه لم يحذر السعودية لمنع هكذا هجوم.

في حين لم يخشَ أمير قطر إجراء جولته الخارجية رغم الحصار، يخاف ابن سلمان الخروج من السعودية منذ انقلابه على ابن نايف

إلا أنّ العقبة الحقيقية التي واجهتها آخر مؤامرات دول الحصار لإرباك الوضع الداخلي، هو وقوف القطريين إلى جانب قيادتهم، ليس فقط من منطلق دعم لقيادة استطاعت أن تجعل البلد صاحب أعلى معدل دخل فردي في العالم، وليس فقط من مبنى دعم الشرعية التاريخية للأسرة الحاكمة، بل أيضًا، بشعور القطريين أنهم المستهدفون رأسًا هذه المرة بعد حصار هو بمثابة "غدر" بتعبير أمير البلاد، وذلك بما يحمله من معانٍ بليغة في المجتمع العربي الخليجي.

اقرأ/ي أيضًا: "أمراء مخطوفون".. تواصل اضطهاد المعارضين من آل سعود

من جهة أخرى، ولعلّه من باب الطرّافة أكثر من كونها شيئًا آخر، أن ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، الذي استغلّ أحداث الحصار لعزل ابن عمه محمد بن نايف، لم يغادر البلاد منذ توليه ولاية العهد يوم 21 حزيران/يونيو أي منذ ثلاثة أشهر، وسط ارتفاع الأصوات المعارضة داخل أسرة آل سعود، واحتقان شعبي متصاعد خاصة بعد حملة الاعتقالات الأخيرة التي طالت شيوخًا منهم سلمان العودة.

هي صورة طريفة حينما يكون المُحاصِر مكبّلًا يخشى انقلابًا، فلا يستأمن أهله ولا يثق في شعبه، في حين يسافر المُحاصَر دون خشية، وحتّى حينما حاولت الآلة الدعائية لدول الحصار تصوير وجود بوادر تمرّد مصطنعة داخل أسرة آل ثاني، لم يقطع الأمير تميم زيارته، وواصل برنامجه دون أي اكتراث. ولعلّه لذلك لم يكن من قبيل الصّدفة لاحقًا، أن يوجّه الأمير من منصّة الأمم المتحدة تحيّة اعتزاز لشعبه وللمقيمين على أرض بلاده.

تدعيمٌ للتحالفات واستمرارٌ لتحقيق المكاسب

عودة للجولة الخارجية، إذ لم يكن مفاجئًا أن يخصّص أمير قطر أولى زياراته إلى تركيا، وهي أكثر الدول دعمًا لبلاده منذ انطلاق الحصار، ولعلّه لا أدلّ على ذلك من تسريع أنقرة إرسال جنودها لقاعدة عسكرية في الدوحة، في الوقت الذي كانت تخطّط فيه دول الحصار لعملية عسكرية. ولذلك فإضافةً لتأكيد الزيارة للشراكة الاستراتيجية بين قطر وتركيا، فهي أيضًا على مستوى أول، زيارة شكر لدعم الحليف البعيد، بعد "غدر" الجار القريب.

وفي نفس السياق، كانت الزيارة إلى ألمانيا التي تميّزت بمواقف صريحة رافضة للحصار، عكسها تحديدًا وزير خارجيتها زيغمار غابرييل، وذلك حينما وصف مطالب الدول المحاصرة بأنها "استفزازية جدًا"، وهو ما مثل مصدر حرج لدول الحصار لتسويق مطالبها. ولا يغيب العنصر الاقتصادي في زيارة برلين أيضًا، خاصة بعد تأكيد أمير قطر "الثقة الكبيرة" لبلاده في الشركات الألمانية، وبأنها ستبقي على حصصها في "دويتشه بنك" و"فولكس فاغن".

ثم كانت الزيارة إلى باريس، لأول لقاء يجمع أمير قطر بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي طالب برفع "إجراءات الحصار التي تطال مواطني قطر"، وهو كَسْبٌ جديد قطري من حيث تبنّي فرنسا للأزمة بأنها حصار وليس مجرّد مقاطعة كما تدّعي دول الحصار، وثانيًا من دفع فرنسا، على غرار ألمانيا، نحو رفع الحصار قبل الدخول في أي مفاوضات، لازالت أصلًا دول الحصار متردّدة بخصوصها.

لقاء أمير قطر بالرئيس الفرنسي في باريس ( لودوفيك مارين/ أ.ف.ب)
لقاء أمير قطر بالرئيس الفرنسي في باريس ( لودوفيك مارين/ أ.ف.ب)

إضافة لذلك، تمّ خلال هذه الزيارة الاتفاق على عمل الدوحة مع باريس في إطار ندوة ستنظمها فرنسا ضد تمويل الإرهاب بداية 2018، وهو ما يؤكد مجددًا سقوط ورقة "الإرهاب" من يد دول الحصار في مواجهة قطر أمام دول العالم.

يُمكن القول إن إجمال الجولة الخارجية لأمير قطر، بمثابة تأكيد على استمرار تحقيق المكاسب في مقابل مزيد الإحراج لدول الحصار

كما أكد اللقاء الثنائي بين ترامب وأمير قطر على هامش أشغال الجمعية العامّة للأمم المتحدة، على التحالف القطري الأمريكي، في حين كانت دول الحصار تروّج لاتجاه أمريكي لقطع العلاقات مع الدوحة أو تحجيمها، وهو ما نفته سياسات واشنطن طيلة الأشهر الماضية، والتي عكسها تحديدًا وزير الخارجية ريكس تيلرسون، واستطاع من ورائه جرّ دونالد ترامب بعيدًا محاولات "توريط" إماراتية كشفتها رسائل يوسف العتيبة.

في النهاية، يُمكن القول إن أمير قطر تميم بن حمد، استطاع عبر جولته الخارجية، تسجيل نقطة جديدة على حساب دول الحصار التي لا زالت متخبّطة فيما بينها للخروج من وحل الحصار بما يحفظ ماء وجهها أمام شعوبها، وكذلك أمام القوى الدولية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

واشنطن بوست: حصار قطر يبوء بالفشل!

قطر وتركيا.. القصة وراء أقوى تحالفات المنطقة