بجاحة

بجاحة "الاعتدال" السعودي المزعوم

تتبجح السعودية باتهام الآخرين بدعم الإرهاب، في حين تتربع هي على عرشه

يبدو أن الأمور لن تسير في صالح المعسكر الخليجي المناوئ لقطر وادعاءاته بحق الأخيرة في دعمها للإرهاب، إذ كشف تقرير بريطاني صدر مؤخرًا عن مؤسسة "هنري جاكسون"، تزَعّم السعودية لقائمة ممولي التطرف في المملكة المتحدة. ويأتي ذلك تزامنًا مع ما أوردته كبرى الصحف الإنجليزية عن امتناع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عن نشر تقرير يكشف تورط السعودية في تمويل التطرف والإرهاب في بريطانيا، "حفاظًا على مصالحها مع الرياض".

السعودية التي تحاول مُؤخرًا تصدير صورتها إلى العالم كدولة "معتدلة"، اصطدمت بالتقرير الذي أصدرته مؤسسة "هنري جاكسون" للأبحاث المتخصصة في الشؤون الخارجية، والذي كان أحد نتائج تحقيق أمر به رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون أوائل العام الماضي، حول مصادر التمويل الخارجي، ودعم التطرف في بريطانيا.

رغم النفي السعودي لمضمون التقرير، نبّه برلمانيون بريطانيون إلى ضرورة التصدي لكل شبكات ترويج التطرف الذي تقف خلفه المملكة النفطية

بدورها ماطلت تيريزا ماي، اليمينية المحافظة، في نشر نتائج التقرير الذي طالب به سلفها طيلة 6 أشهر، وأغلب الظن أنها لن تنشره طالما أن نتائجه لن تبتعد كثيرًا عن تقرير "هنري جاكسون"، بما يؤثر على علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية طويلة الأمد مع المملكة الخليجية.

اقرأ/ي أيضًا: السعودية عملاق تمويل الإرهاب في بريطانيا.. الفضيحة مستمرة

التقرير الذي أكّد ما هو معروف وثابت عن احتراف السعودية دعم المنظمات المتشددة والجماعات الإرهابية المسلحة؛ أشار إلى ضلوع السعودية في تقديم التمويلات لمساجد ومؤسسات تعليمية إسلامية، اشتهرت باستضافة الخطباء والواعظين من ذوي الميول المتطرفة، الداعين لكراهية أصحاب الأديان والمذاهب الأخرى. 

وخلص التقرير في نتائجه إلى تصدر السعودية للائحة الدول الداعمة للتطرف، من خلال تصدير الفكر الوهابي للعالم الإسلامي والمجتمعات المسلمة في الغرب منذ عقود طويلة، التزمت فيها السعودية بإنفاق مبالغ طائلة دعمًا لهذا الجهد المتطرف، قدّرها التقرير بنحو 67 مليار دولار.

وشملت قائمة الاتهامات التي حملها التقرير، دعم السعودية لمدارس إسلامية متشددة، يُدار بعضها من السعودية مباشرة، ولذلك جاءت توصياته بإجراء تحقيقات عامة وشاملة، بشأن تمويل الإرهاب في بريطانيا، وإلزام المؤسسات الدينية بالكشف عن مصادر تمويلها.

ورغم النفي السعودي لما جاء في التقرير، نبّه برلمانيون بريطانيون إلى ضرورة التصدي لكل شبكات ترويج الفكر المتطرف، الذي تقف خلفه المملكة النفطية، بغض النظر عمّا أسمته تيريزا ماي بـ"العلاقة التاريخية التي تربط السعودية ببريطانيا"، أثناء زيارتها للرياض في نيسان/أبريل الماضي.

في علاقتها مع السعودية يبدو أن تيريزا ماي، تحاول الاقتداء بترامب الذي استطاع "حلب" السعودية في نحو 400 مليار دولار

ومن جانبه، دعا زعيم حزب العمال اليساري جيرمي كوربن، إلى تجميد مبيعات الأسلحة البريطانية إلى السعودية بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان وعملياتها العسكرية في اليمن، وهي مسألة لم تعد خافية على أحد من المتابعين في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد حصيلة الضحايا البشرية نتيجة الغزو السعودي، وتحويل مسار الثورة اليمينة إلى حرب طائفية، مثلما فعلت نفس الأمر في سوريا وشبيهه في العراق وأفغانستان قبل سنوات، حين استغلت أموال التبرعات الخاصة بدعم المتضررين من الصراع المسلح في تلك البلاد، لدعم الجماعات المتطرفة وتقوية شوكتها مقابل "أعداء الإسلام"، وفقًا للرؤية السعودية الطائفية.

اقرأ/ي أيضًا: الغاز.. العنصر الغائب في تفسير حرب السعودية على قطر

حديث المال والأرقام سيطر على التعليقات الناقدة لأداء رئيسة الوزراء البريطانية في تعاملها مع ملف الإرهاب السعودي، حيث لفتت زعيمة حزب الخضر كارولين لوكاس، إلى سعي تيريزا ماي منذ بداية رئاستها للحكومة، إلى تعميق علاقات بلادها مع السعودية، ما ترك علامات استفهام حولها، كما أشارت صحيفة الغارديان البريطانية، إلى قيام ماي بزيارة الرياض في أولى رحلاتها بعد شروع بريطانيا رسميًا بإجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي، في خطوة رمزية تشير إلى أن "الحكومة البريطانية لا تهتم إلا بالتقرب إلى الأنظمة الأكثر قمعًا لشعوبها في العالم"، بحسب تيم فارون زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار.

وفي ظل المطالبات بوقف توريد الأسلحة للسعودية، وإصرار الحكومة البريطانية على إخفاء التقارير التي تثبت تورط المملكة النفطية في دعم الإرهاب، يبدو أن بريطانيا تحاول الاقتداء بحليفتها الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب، الذي استطاع "حلب" السعودية قبل شهر واحد وعاد إلى بلاده بعقود وصفقات وصلت قيمتها لأكثر من 400 مليار دولار.

 الأمر يبدو متشابهًا على نحو عجيب، فباراك أوباما هو من أقرّ في عهدة قانون "غاستا"، الذي يسمح بمحاكمة أفراد من العائلة الحاكمة السعودية بدعم الإرهاب والتورط في هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، ليأتي سلفه ترامب ويبتز المملكة ماليًا في سبيل دعم مركزه والرد على منتقديه، وهو ما نراه الآن يطبق بحذافيره في بريطانيا، حيث كان ديفيد كاميرون هو من طالب بفتح التحقيق الذي أثبت تورط السعودية في دعم الإرهاب، لتأتي خليفته تيريزا ماي وتتكتّم على نتائجه التي تشير إلى تورط السعودية، أحد أكبر مستوردي الأسلحة البريطانية، ليتبقى فصل أخير سنرى فيه صفقات مقبلة بعقود ضخمة لصالح البريطانيين على طريقة ترامب، خصوصًا في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به بريطانيا، بعد قرار خروجها من الاتحاد الأوروبي.

الغريب هو تبجح السعودية بتوجيه الاتهام لدول أخرى بدعم الإرهاب، فيما يجعلها تاريخها تحتل المركز الأول في قائمة أسباب شرور العالم

والحقيقة أن دور السعودية في دعم الإرهاب والتطرف، الذي يعصف بالمنطقة العربية ولا يتوقف عند حدودها، لا يمكن التغافل عنه، ولا عن دور مذهبها السلفي الوهابي في تغذية وتربية خيال الجماعات التكفيرية المتطرفة المتشددة المناهضة لحق البشر جميعًا في الحياة.

اقرأ/ي أيضًا: السعودية والإرهاب.. جرائمٌ بشهود وجلاجل

ولكن الغريب هو تبجح السعودية، حين توجّه الاتهامات لدول أخرى بدعم الإرهاب، في الوقت الذي تتناسى تاريخها الإجرامي الحافل الذي يتيح لها تبوأ المركز الأول في قائمة أسباب ما يعانيه العالم حاليًا من شرور، يجد أصحابها ضالتهم في تبرير جرائمهم في تفسيرات فقهية متشددة هي ابنة شرعية للأساس الديني الذي تتبناه العائلة السعودية الحاكمة.

وبعطف ما سبق على التجاوزات الخطيرة والفادحة التي تقوم بها المملكة المتشددة في تطبيقها لقانون الإرهاب الخاص بها، حيث اعتقالات وتضييقات وسجن وجرائم تعذيب وقتل وإعدام بحق معارضين سياسيين ودينيين؛ يمكن الوقوف على حالة من الإنكار والبجاحة المفرطة تتعمّدها السعودية وتحترفها لإخفاء حقيقة كونها المنبع الرئيسي والأساسي لتمويل الإرهاب في العالم، مهما حاولت نفي ذلك على لسان سفرائها ووزرائها ومهما أعلنت عن إنشاء مراكز "معتدلة" لمكافحة التطرف واجتثاث جذوره، فالأمر يصبح مثل نكتة سخيفة لا تُضحك أبدًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقرير هنري جاكسون ومملكة الظلام.. سخاءٌ على الإرهاب

السعودية عرابة الإرهاب.. تقرير "هنري جاكسون" يُذكّر بما يعرفه الجميع