"تقية سُنَّة إيران".. لمن ستذهب أصوات 6 ملايين سني في الانتخابات الإيرانية؟

نوّاب سنة في البرلمان الإيراني (أمير بورماند/ أ.ف.ب)

في 19 أيار/مايو الجاري، يقف ملايين الإيرانيين على أبواب اللجان الانتخابية لتحديد رئيسهم المقبل، خلفًا لحسن روحاني، الرئيس السابع للجمهورية الإيرانية منذ 2013، المرشَّح لفترة رئاسية جديدة.

وللانتخابات المقبلة أهمية خاصة، لأن اسم الرئيس المقبل يساهم في تقطيع خرائط المناطق المحيطة بطهران؛ إذ إنها تلعب دورًا في سوريا والعراق، وتموّل حربًا في اليمن لإنقاذ مدّ دولة المرشد في الشرق الأوسط.

وداخليًا، هذه أول انتخابات رئاسيّة بعد توقيع الاتفاق النووي، التي تتزامن مع تصاعد الاشتباكات الكلامية والسياسية مع الولايات المتحدة، ووصول الخلاف بين جنرالات الحرس الثوري، ومحمد بن سلمان إلى "حدّ السيف".

يبلغ عدد السنة في إيران حوالي 15 مليون نسمة، لست ملايين منهم حق التصويت في الانتخابات

وبين ستة مرشحين وآلاف الجنود والمدافع والقرارات والتهديدات وأكياس الدم؛ تشارك كتلة صعبة في تحديد اسم الرئيس الإيراني المقبل من أرضية كونها "درجة ثانية"، على أمل أن تحقق مكاسب سياسية في الفترة الرئاسيّة المقبلة، تبحث عن دور ومؤلِّف يكتب سيناريو مستقبلها، ربما يكون روحاني أو إبراهيم رئيسي أو غيره، إنّها كتلة السنّة في إيران الشيعية، فلمن ستذهب أصواتهم في الانتخابات الرئاسية؟

لعنة المادة 115 تطارد 15 مليون إيرانيًا

وفق إحصائيات غير رسميّة، تتراوح نسبة السُنَّة ما بين 15 و20% من سكان إيران البالغ عددهم 80 مليون نسمة، أي أن عدد السنة يبلغ حوالي 15 مليون، مع قلق إيراني رسمي من تزايدهم. ولستة ملايين منهم الحق في التصويت.

اقرأ/ي أيضًا: حرب المائة عام بين السنة والشيعة

ويعيش السنة الإيرانيون داخل حدود دولة المرشد في 12 مدينة، بالقرب من العراق وأفغانستان وباكستان، أكرادًا وبلوش وتركمان، ويواجهون بحكم الدستور اختصارًا لحقوقهم السياسية طبقًا للمادة 115، التي تنصّ على إنه لا بد أن يكون المرشح للرئاسة من الشخصيات الدينية والسياسية، ومؤمنًا بالمبادئ الأساسية لجمهورية إيران والمذهب الرسمي للبلاد، الجعفري الاثني عشري، فليس من حقهم الترشح للرئاسة، ورغم أن لهم أعضاء في البرلمان إلَّا أنهم ممنوعون من رئاسته.

ورغم أن السنة في إيران أكثر من 20% من عدد السكان، إلَّا أن تمثيلهم البرلماني ضعيف، فلهم 20 عضوًا فقط في مجلس الشورى من أصل 280 عضوًا، ولا تفسير لذلك إلَّا عدم ثقة السُنّة في عدم تزوير أصواتهم، فلا يشاركون بنسبة كبيرة في الانتخابات، والسبب أنه لا توجد منظمات مجتمع مدني مهتمة بأمور أهل السنة، واختيارهم في الوظائف الحكومية مشروط بالولاء للشيعة، والاختيار مبنيّ على "الوساطة" من ذوي القربى، ومن يفتح فمه بكلمة معارِضة يذهب بقدميه إلى حبل المشنقة، فنسبة الإعدام بدولة المِلالي من أعلى النسب في العالم.

تربيطات أهل السنة.. "الأصوات مقابل المصليات"

تربط السُنة في إيران جماعة الدعوة والإصلاح، وهي كيان رسميّ ممثل للسُنة، ولها عشرة آلاف عضو مُبايع، ومكتبها الرئيسي في العاصمة طهران، وتدير مكاتب فرعية ومصليات ومساجد بالمدن، ويزور مصلاها الرئيسي المرشحون للانتخابات الرئاسيّة والبرلمانية والبلدية.

ووضع السُنة، وفق بيان جماعة الدعوة والإصلاح، في العاشر من أيار/مايو الماضي، عدة مطالب ستذهب أصواتهم إلى من يبدي استعدادًا ويقدم وعدًا بتنفيذها، وفي مقدمتها تعزيز حريات الأقليات، وإرساء مبدأ المواطنة، والتوزيع العادل للثروات والإمكانيات، وتغيير السياسة الأمنية في التعامل مع المناطق الحدودية، والمساواة في تنمية المناطق، أي عدم إهمال مناطق السنة، والاستفادة من الطاقة السنية في المناصب العليا بالحكومة والمدن، والتعامل مع جميع المواطنين دون النظر لاعتبارات مذهبية، وإزالة المعوقات التي تمنع ممارسة السنة لشعائرهم الدينية وفي مقدمتها التصريح ببناء المساجد وعدم هدم الموجود وعدم التضييق عليهم في أداء طقوسهم السنية.

واستكمالًا للمطالب، أكَّد عبد الحميد زهى، أبرز زعماء أهل السنة في إيران، إمام إقليم بلوشستان، على ضرورة المساواة بين السُنَّة والشيعة في الحقوق السياسية، داعيًا حكومة طهران إلى حذف المادة القانونية التي تمنع السنة من الترشح أو الوصول لمنصب رئيس الجمهورية.

وفي مساومة "الأصوات مقابل المصليات"، ذكر عبد الحميد زهى أن عدد أهل السنة في طهران وحدها مليون نسمة، ومع ذلك لا يُسمح لهم بفتح مسجد سني في العاصمة، ولمس الجرح نفسه سيد أحمد هاشمي، القيادي بجماعة الدعوة والإصلاح، بقوله إنه ينتظر من الرئيس المقبل منح السنة حقوق المواطنة كباقي الإيرانيين: "لا يسمح لنا بامتلاك مسجد في العاصمة طهران، وهو أول مطالبنا".

ضد الأصوليين.. ضد "رئيسي"

في الانتخابات الماضية، لم يلتفت السُنَّة إلى الأصوليين، رغم كل محاولاتهم، فدائمًا ما تنجح محاولات التيار الإصلاحي، وآخرها فوز حسن روحاني في الانتخابات الماضية، لعدّة أسباب، منها دعوة الإصلاحيون لتعزيز الحريات العامة والانفتاح السياسي، وهو ما يريده السنّة أيضًا، واستجابة التيار الإصلاحي لمطالب السنة إلى حد أن حملة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، ضمَّت نشطاء سنة، ولا يزال ذلك الاندماج مستمرًا حتى الآن، وهو الشيء الذي فشل فيه الأصوليون، الذين يمثلهم في الانتخابات المقبلة إبراهيم رئيسي.

اقرأ/ي أيضًا: هل سيكون إبراهيم رئيسي رجل خامنئي القادم لحكم إيران؟

لم يكن الرئيس الحالي، هو الإصلاحي الأول الذي يحصل على أغلبية الأصوات في المدن السنية، فقد سبقه الرؤساء الأربعة السابقين، منذ الدورة السابعة وحتى الآن، انتهت إلى فوز روحاني بـ70% من أصوات السنة في محافظتي كردستان وبلوشستان، فكافأهم بتعيين بعضهم في مناصب عليا بالمدينتين، وعيَّن لأول مرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية سفيرًا سنيًا وهو الكردي صالح أديبي، سفير إيران في فيتنام وكمبوديا، وأنشأ تعاونية الشؤون الدينية والأقليات، التي احتوت أزمات الطوائف الأخرى خلال الأربع سنوات الماضية.

القول الفصل للسنة.. "روحاني يكسب"

روحاني الأقرب إلى سنَّة إيران، ستذهب إليه بنسبة كبيرة أغلب الستة ملايين صوت انتخابي، بعدما اتَّهم خصومه في المناظرات التي جرت خلال الحملات الانتخابية بعدم الاهتمام بالأقليات وتحديدًا أهل المذهب السني: "هل تحظى القوميات والأقليات بحقوق متساوية في بلدنا؟".

يُرجّح أن تذهب أصوات أغلب السنة لحسن روحاني، بعد إعلان جماعة الدعوة والإصلاح تأييدها له

يؤيد التوقّع بدعم السنة لاستمرار الرئيس الحالي لفترة ثانية إعلان جماعة الدعوة والإصلاح موقفها بدعوة الناخبين السنة للتصويت لحساب روحاني، بخاصة أن بعض أعضاءها يعملون داخل حملته الانتخابية في العاصمة، ويديرون بعضها بالمدن الحدودية، ففي بيانٍ سريع وعابر، أبدت "الدعوة والإصلاح" احترامها لجميع المرشحين والتيارات التي قدموا منها إلى تلك اللحظة التاريخية، وأعلنت أن مرشحها هو حسن روحاني.

ودائمًا ما تتَّجه الأذهان إلى كفة، لكن الكفة الأخرى ترجَّح بفضل الأقليات، وفي إيران لأهل السنة "قولٌ فصل" بالانتخابات سيذهب إلى روحاني بدرجة كبيرة، على أمل أن يعدّل أوضاعهم، لكن في النهاية، لا يبقى لهم إلَّا الفتات والوعود، وقليل من المصليات الجديدة. 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

هل خسر السنة المعركة؟

إيران.. "إمبريالية" الوليّ الفقيه