"هل الفاشيَّة ستمرُّ؟".. انقسام اليسار الفرنسي ودعوات للتوحد قبل الرئاسيات

يحاول اليسار الفرنسي تشكيل جبهة موحدة قبل الانتخابات (أ.ب)

"عام يفصلنا عن 2022، ذلك الموعد الذي اعتدنا فيه أن تتمَّ مصادرة إرادتنا جميعًا بيد سلطة الحاكم الواحد. وحيث لا شيء سيمرُّ كما هو متوَقَّع، احتمالات عديدة تصطف في مواجهتنا، وعلى رأسها الأسوأ؛ مقابلة جديدة لوبان- ماكرون في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية. هذا ليس خيارًا، ولم يعد ذلك خيارًا؛ إنه فخ! الزمن قام بعمله، ونحن نذكر في MEDIAPART كيف أتى إلينا ماكرون يومين قبل انتخابه، في 5 أيار/مايو، متعهدًا بكبح جماح الجبهة الوطنية، لكنه بالمقابل منحها طريقًا مختصرة للصعود، لقد فتح لها الباب، وشرعن أيديولوجيتها: إزاء مواطنينا المسلمين الذين راحو كباش فداء هذا السعي السياسي، إزاء كل الآراء الجريئة والمختلفة التي قدحها بالانعزالية، إزاء الاحتجاجات والنضالات الاجتماعية التي لم تجد في وجهها سوى القمع البوليسي والسياسي المنقطع النظير. إذًا ليس هناك خيار، ونحن نعيش الآن تحت نير سياسات يمينية متطرِّفة".

 بقي اليسار الفرنسي متشرذمًا، متضارب المواقف مع كل صعودٍ لقضية أو صياغةِ قرار، بما في ذلك قانون الانعزالية ومصطلح "اليسارية الإسلامية"

كانت هذه كلمات وافية لوصف الغد السياسي الذي تطلُّ عليه فرنسا، نطق بها الصحفي ومدير موقع MEDIAPART الفرنسي، إيدوي بلينيل، خلال لقاء حواري بثَّ على موقعه. هذا الغد السياسي الفرنسي حيث لا سطوة فيه إلا لليمين المتطرف، مع اعتزال النسخة الثانية من حكومة ماكرون وسطيتها المحافظة، متَّجهة إلى تبني خطاب أكثر تطرُّفًا نحو اليمين، ملاحقة الجاليات المسلمة بتهمة "الانعزالية والضرب في مبادئ الجمهورية"، مهيجة الرأي العام ضد القوى اليسارية فيما شبِّه بـ "عمليات صيد الساحرات"، محاولة تكميم أفواه الصحفيين، ومواجهةً بالقمع –ولا شيء غير القمع- كلَّ الحركات الاجتماعية التي  حفلت بها ولاية الرئيس الحالي، والتي انتفضت في مجملها ضدَّ  سياساته الاقتصادية المصادرة لمكتسبات الطبقات الفقيرة والمتوسِّطة في البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: القصة الكاملة.. كيف أنقذت الإمارات مارين لوبان؟

طوال كل هذا المسار السياسي الزاخم، بقي اليسار الفرنسي متشرذمًا، متضارب المواقف مع كل صعودٍ لقضية أو صياغةِ قرار؛ رأيناه منقسمًا حول "قانون الانعزالية" الذي دعمه الحزب الاشتراكي، وفي تعارض معه أدانته حركة "فرنسا الأبيَّة"، بينما وقف الحزب الشيوعي منه بينَ البَينينِ. ذات الحزب الاشتراكي الذي نجده ينتفض على لسان زعيمه، أوليفييه فور،  ضدَّ مصطلح "اليسارية الإسلامية"، يأتي وزيره الأول السابق، مانويل فالس، مقرِّعًا فور بأنه "لا يعي ما يقول". وعلى طول ثلاث سنوات من الحراكات الاجتماعية في الشارع، لم يكن لهذا اليسار من تحركٍ جادٍ لفكِّ الاحتقان، سوى محاولة قبرٍ لقانون إصلاح التقاعد خلال المناقشات العامة، أفشلتها الحكومة بتفعيل البند 3-49 من الدستور الفرنسي، والذي يسمح لها بتمرير القانون دون إخضاعه لتصويت البرلمان. 

أمام هذا الواقع تقهقرت تنافسية اليسار ليصبح رقمًا ثانويًا خلال المحطّة الرئاسية القادمة، حسب ما تبرزُ استطلاعات الرأي، بالمقابلِ دقَّت كتلته الناخبة ناقوس التحذير بأنها "لن تحول دون فوز لوبان"، إذا ما انتهت الانتخابات في دورها الثاني إلى "وجه لوجه" بينها وبين ماكرون.  ما يفرضُ على اليسارِ الآن العمل على تدارك هذا الوضع بالسرعة اللازمة. تدارك هو الذي دفعَ به يانيك جادو، زعيم الخُضر الفرنسي، داعيًا كافة القوى اليسارية إلى الجلوس على طاولة الحوار، من أجل صياغة مشروع موحد للمرحلة القادمة. دعوة قوبلت في مجملها باحتفاء كبير، وتشكك كذلك في قدرة هذه القوى على إذابة الاختلافات القائمة بينها.

فرنسي من كل اثنين يعتقد بفوز لوبان

كل هذِه المعطيات الآنف ذكرها ترجِّح، حسب مراقبين كثُرٍ، صبَّها في خانة الرفع من حظوظ لقاء قمَّة يمينية في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية المرتقبة: ماكرون وجهًا لوجه مع مارين لوبان. هذه الاحتمالات التي يصحبها تصاعد في شعبية زعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف، كما يوضح كذلك استطلاع رأي سابق قال فيه الفرنسيون إنهم "يفضلون مارين لوبان رئيسة للجمهورية" بنسبة 26 إلى 27%، متقدمة على غريمها الرئيس إمانويل ماكرون الذي حل ثانيًا بـ 23 إلى 24%.

في استطلاع رأي آخر، نشرته قناة BFMTV أواسط الشهر الماضي، فإن فرنسيًا من أصل اثنين يعتقد بفوز لوبان في الرِّئاسيات القادمة. و36% من الفرنسيين يقولون بأنهم سيمنحون أصواتهم لصالح زعيمة التجَمُع. فيما يرى 51% منهم أن أداءها على رأس الإيليزيه سيكون أفضل من الأداء الحالي لإمانويل ماكرون فيما يخصّ قضايا الأمن والهجرة ومحاربة الفوارق والعنف ضد المرأة. كما يحدد ذات الاستطلاع أن الشرائح الاجتماعية الأكثر ميولًا ناحية لوبان هي الشباب بين 18-24 سنة بنسبة 62%، والعمال بنسبة 59%. 

بينما تدافعُ جريدة ليبيراسيون، في تحقيق نشرته يوم الإثنين، 5 نيسان/أبريل الجاري، بأن مارين لوبان "رغم استراتيجية التطبيع مع خطِّها السياسي، وجهودها الدؤوبة لتظهر كفاءتها في عيون الفرنسيين، إلا أنها لا تزال تجد صعوبة في إقناع أغلبهم بتمكينها من قيادة البلاد". لكن مع ذلك، تضيف الجريدة الفرنسية، "فهي تحرز تقدمًا ملحوظًا حسب ما انتهت إليه كل الدراسات التي أجريت"، وذلك مردُّه إلى توقيت إجراء هذه الدراسات، أي سنة قبلَ الموعد الانتخابي، فيما يمكن ربطه من جهة  "بإرادة تصويت عقابية ضد ماكرون" بعد تعالي الامتعاض العام من حصيلته الرئاسية، كما "غياب البديل بضعف مرشحي اليمين التقليدي وانقسام اليسار".

"مشروع الأمل" الآن!

الوضعية السياسية الحالية في فرنسا أشبه بما عاشته البلاد ذات شباط/ فبراير 1934، مقارنة تقيمها افتتاحية أخرى لجريدة ليبيراسيون، حيث توَّحد وقتها الغريمان اليساريان (الاشتراكي والشيوعي) لكبح صعود اليمين المتطَرِّف، فيما عُنوِن مانيفاستو تلك الوحدة بـ "الفاشيَّة لن تمرَّ". عنوان تغَيَّر الآن إلى "مشروع الأمل"، هو الهدف الذي يصبو النائب الأوروبي وزعيم الخضر الفرنسي، يانيك جادو، إلى صياغته خلال الحوار الذي دعا إليه بين كافة فرقاء اليسار.

"أودُّ أن أطلق نداءً لآن هيدالغو، لأوليفيي فور، لجوليان بايو، لتريستان توبيرا وجان لوك ميلانشون، بأن نلتقي على طاولة الحوار ونتحدَّث من أجل صياغة مشروع الأمل الكبير الذي نحتاجه لرئاسيات 2022، بعد وقوفنا على  أن إمانويل ماكرون لم يكن سدًا لا في وجه اليمين المتطرِّف، ولا في وجه التغيرات المناخية"، أعلن جادو في حوار إذاعي على قناة France Inter، قبل أن يضيف مؤكدًا: "هذه مسؤوليتنا التاريخية الآن، علينا تخطي خلافاتنا بالحديث عنها"، في بلاد "أصبح من غير الممكن أن نتحدث فيها، أن نجدَ نقاطًا مشتركة ونصل إلى تسويات"، فـ "أنا أقول بأنها ساعة النضال البيئي، ومتشبث بسياسات خضراء اجتماعية، لكن إذا لم نتحاور مع باقي مكونات اليسار من أجل مشروع موحَّد، فلن نتقَدَّم إلى الأمام ولن تكون لنا أية حظوظ في الانتخابات القادمة". 

من جانبها، رحَّبت قوى اليسار بهذه الدعوة، بداية بأوليفيي فور، زعيم الحزب الاشتراكي، الذي ردَّ قائلًا: "أحيي مبادرة جادو، فلشهور عديدة وأنا أدفع في هذا الاتجاه، ويسعدني أن تتم حلحلة الأمور أخيرًا نحو بناء مشروع مشترك ودخول المنافسة الانتخابية بمرشَّح رئاسي مشترك". وأشار بونوا هامون، المرشح الرئاسي السابق، إلى أنه "من غير المطلوب إجراء اجتماعات كبيرة، فلتكن جلسات حوار مقتصرة على قادة الأحزاب اليسارية من أجل نقاش أسئلة المحطة الانتخابية"، واصفًا هذا التحرُّك بـ "جادو العظيم يفتح الباب إذًا لميلانشون العظيم كذلك". ولم توثر فرنسا الأبيَّة جهدًا في احتفائها بـ "فتح الباب" هذا، وردَّ زعيمها، جان لوك ميلانشون، قائلًا: "عزيزي يانيك جادو، أنا على استعداد لملاقاتك في أي وقت تفضِّل. خطر اليمين المتطرِّف أصبح أشدَّ وطأة، وأنت على حق في مدِّ يدك للحوار".  فيما أكد زعيم الحزب الشيوعي، فابيان روسيل، على "استعداده للقاء كل زعماء الأحزاب اليسارية"، والنقاش في مواضيع كـ "الأزمة الاجتماعية والبيئة، قضية الشباب، خلق فرص الشغل، الخدمات العمومية ومحاربة الخوصصة". 

بالنسبة لصاحب الدعوة، فتصوُّره لجدول أعمال هذه اللقاءات، حسب ما صرح به لأسبوعية Le Journal du Dimanche، يتمحورُ حولَ عشر مجالات اشتغال، على رأسها "العدالة الاجتماعية، وبرنامج الإقلاع الاقتصادي والمجتمعي من أجل معالجة أضرار الأزمة الصحية الجارية". يليها "صياغة تصوُّر واضح لإصلاح الصحة العمومية والتعليم، وإعادة تأهيل الاقتصاد حول محور التحديات البيئية". كما "مصالحة وإصلاح المؤسسات من أجل إحياء الديموقراطية، والالتفاف حول تعاقد جمهوري موَحَّدٍ، وإطلاق تحوِّل فلاحي من أجل إنقاد المزارعين والحفاظ على التنوع الإيكولوجي".  وفي برنامج حواري على قناة BFMTV، أكَّد جادو أن "لا وحدة لليسار خارج قضايا البيئة"، متحدِّثًا عن الدفع بمرشَّح واحد للمعركة الانتخابية، قال:" إنها ليست مسألة ثانوية، بل مرحلة ثانية بعد الاتفاق حول برنامج موحَّد".

إرهاصات مزدوجة لمبادرة جادو

كتاريخ للقاء، حدَّد يانيك جادو مدة 15 يومًا بعدَ إعلانه الأول عنه، انقضت منها عشرة أيام، وفي انتظار اللحظة الموعودة كان مقترح فرنسا الأبيَّة هو تقديم الميعاد، وإجرائه في الـ 7 من نيسان/أبريل الجاري. وقد لا يكون هذا الاختلاف مؤثرًا على ما أُزمعَ إنجازه، بالقدر الذي يؤثِّر تصوُّر الحركة لمشروع الوحدة الذي، وحسب أدريان كاتنونس، النائب البرلماني الفرنسي والرجل الثاني في "الأبيَّة"، يجب على اليسار أن يتحرَّك أولًا "في مجابهة اليمين المتطرِّف وكبحه، قبل الخوض في نقاش هويَّة المرشَّح المشترك وبرنامجه". مضيفًا بأن الرُزنامة التي تقترحها حركته تضع "فصل الصيف كحد زمني أقصى لإتمام نقاش البرامج، والخروج باسم موحَّد لترشيحه في فصل الخريف"، قبل أن يهاجم نزعة الفرقاء الآخرين في اليسار قائلًا: "نحن لسنا هنا لنقرَّ سياسات اشتراكية ديموقراطية، برنامجنا هو برنامج قطيعة، برنامج يهدف إلى ضمان الأمان والانسجام بين مختلف البشر وبين الطبيعة". فيما علَّق على تسابق جادو لتحديد محاور قبليَّة للنقاش بأنها "تعكير لصفو المبادرة"، مع "أنهم هم الوحيدون الذين يمتلكون برنامجًا جاهزًا، ونحن مستعدون لطرحه للنقاش ولسنا متصلِّبين إيزاء تعديله،  في حين لم يخطَّ الآخرون ولو سطرًا في برامجهم".

"لكن الصعوبة التي أرى، هي أن يانيك جادو هنا لا يتكلَّم باسم الخُضر، بل عن رأيه الخاص. فيما أعضاء حزبه منهمكون في التخضير للانتخابات الأوليَّة من أجل اختيار مرشَّحهم" يختم أدريان كاتنونس، محيلًا إيانا إلى مسألة أخرى تهمُّ مبادرته، التي نُظرَ إليها في هذا التوقيت كمحاولة لتهريب العملية الديموقراطية الداخلية لحزبه، وفرض اسمه عليهم حال انخراطه في حوارات الفرقاء اليساريين، أو على الأقل استعمال الوحذة اليسارية المأمولة كورقة ترجٍّح كفته خلال الانتخابات الداخلية. هذا كان رأي الكاتب الوطني للحزب غريم جادو الأقوى في تأهيليات، جوليان بايو، الذي ردَّ ملوِّحًا: "لقد سبق للمجلس الفيدرالي، البرلمان الداخلي لحزبنا، وأن حدد الإجراءات المؤطرة للتمهيديات". ومضيفًا عبر تغريدة أخرى، أنه "لا سبيل لكسب الترشيح خارج هياكل الحزب"، وليس على "أي مترشح أن يتخذ القرارات من نفسه" دون الرجوع إلى الحزب، ولهذا يجب أن نلتزم بأن "نكون عند ثقة وحسن ظن المواطنين بنا".

لا إمكانية لمنع ميلانشان من خوض الانتخابات بعد إعلانه ذلك، فبالنسبة لزعيم فرنسا الأبية الرئاسيات هي مسألة حياة أو موت

من جهة أخرى، يطرح مقال لموقع RTL في مقال له سؤال: ما مدى استطاعة اليسار الفرنسي أن يخرج بمرشَّح مشترك لخوض الانتخابات القادمة؟ "اجتماع اليسار على اسم واحد يبقى أمرًا معقَّدًا جدًا" يقول المقال في بداية تحليله، من حيث "لا إمكانية لمنع ميلانشان من خوض الانتخابات بعد إعلانه ذلك"، فبالنسبة لزعيم فرنسا الأبية الرئاسيات هي "مسألة حياة أو موت"، هو الذي قارب حصاده الـ 20% من الأصوات خلال الانتخابات السابقة، إضافة إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تضعه في مقدمة المرشحين اليساريين. هذا ومع الإشارة "إلى أن مرشحين يساريين كثر لم يعلنوا بعد ترشحهم، وبالتالي لم يلمسوا بعد حظوظهم في الساحة" يضيف المقال. ملانشون الذي وصفه جادو سابقًا بـ "اليعقوبي" قبل أن يصف نفسه بـ "الجيروندي"، في دلالة على اختلاف في جذرية الخطين السياسيين، منها ما يحدد مواقفَ كاملة تجاه القضايا الراهنة؛ كالموقف من ممارسات الإتحاد الوطني لطلبة فرنسا، الذي ساندته فرنسا الأبية وجزء من الخضر، بينما يقف يانيك جادو على الطرف المهاجم للنقابة صحبة الحزب الاشتراكي. من هنا يختم المقال، إلى أنه من الصعب تحقيق مطلب الالتفاف حول مرشَّح واحد لليسار، وعلى اليسار أولًا "أن يحل شقاقاته الداخلية العميقة قبل أن يتوجه لدحر ماكرون ولوبان في انتخابات 2022".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حوار| آلان غريش: الإسلام في فرنسا لا يزال موضوعًا استعماريًا 

ماكرون في معسكر موسكو وأبوظبي.. مع جرائم الأسد "للأبد"