القصة الكاملة.. كيف أنقذت الإمارات مارين لوبان؟

القصة الكاملة.. كيف أنقذت الإمارات مارين لوبان؟

تقيم الإمارات علاقات وثيقة مع اليمين الأوروبي (Getty)

فيما يبدو أن المال القادم من الإمارات لم يعد مقتصرًا على تجارة الدم والسياسة داخل النطاق العربي، ولا بجماعات الضغط وأذنابها في الولايات المتحدة. صار يبحث أكثر فأكثر عن تجارب أخرى، تشارك زعامات أبوظبي الموقف من التغيير والحريات. حيث انتهى بهم الأمر في دائرة اليمين المتطرف الأوروبي، وإلى التجمع الوطني الفرنسي بزعامة مارين لوبان تحديدًا، واحد من أكثر الأحزاب الأوروبية تطرفًا.

اليمين المتطرف هو الحصان الإماراتي المفضل داخل سباق الاتحاد الأوروبي وهياكله البرلمانية. ذلك بتمويل الخطاب المعادي للثورات العربية

يأتي النبأ الجديد في سياق شبهات الفساد المالي والسياسي التي يغرق فيها اليمين الشعبوي الأوروبي، والتي لا يستثنى اسم لوبان منها. لكن الجديد ربما، هو التوافق الإماراتي مع مافيا اليمين، لتُكشف القصة لاحقًا: قصة 8 ملايين يورو حُوّلت من الإمارات كي تنقذ لوبان من الإفلاس!

اقرأ/ي أيضًا: فرانس برس والبروباغندا بالوكالة

تعود أطوار الحكاية..

إلى سنة 2017، كما كشف تحقيق الموقع الفرنسي MédiaPart، ومباشرة بعد انتهاء الحملة الرئاسية لمارين لوبان التي خرجت منها بلا عرش في الإيليزي ومفلسة، مضطرَّة للاستدانة لتسديد فاتورة الحملة الخاسرة. توجهت زعيمة التجمع الوطني الفرنسي، الجبهة الوطنية آنذاك، لطلب التمويل من لورين فوشر، الملياردير الفرنسي المعروف باستثماراته في أفريقيا.

عند هذا الحد لا شبهة في القضية، يقول التحقيق الذي نشر يوم أمس، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2019، إلى أن تم تحويل مبلغ 8 مليون يورو لحساب الحزب المذكور من أموال مجهولة الأصول، ومن بنك في الإمارات العربية المتحدة باسم "نور كابيتل" الذي يكون أحد مدرائه أوليفيي كوريول، رجل الأعمال الفرنسي السويسري الذي أثير اسمه سابقًا في العديد من التحقيقات القضائية.

للتحقق من السلامة القانونية للتحويل استدعى بنك الفرنسي المستقبِل للتحويل، “Société générale”، الجهة القارضة للتحقق من خلفيات عملية التحويل هذه. بعد أربعة أشهر من ذلك اللقاء أقدم البنك على إغلاق كل الحسابات المتعلقة بحزب التجمع الوطني، بما فيهم حساب مارين لوبان ونائبها الأوروبي جان لوك شافهاوسر. شافهاوسر الذي يذكر كونه سمسار القرض الروسي الذي تلقاه الحزب سنة 2014.

أموالٌ مجهولة المصدَر؟

تبرير تصرف البنك الفرنسي هذا وكشف ملابسات لقاء أربعة من موظفيه بلورين فوشر، يدرؤه Société générale تحت غطاء "السر المهني"، متملصًا بالجواب أن "البنك يمارس نشاطاته في احترام للقوانين". ليبقى السؤال موجهًا للجهة المانحة كي تكشف عن مصدر تلك الأموال.

"كنت أملك هذه الـ 8 ملايين يورو ومنحتها إياهم"، بهذه البساطة يجيب لورين فوشر على سؤال الموقع الفرنسي، مبررًا: "لم أفعل ذلك لغرض أيديولوجي، ولا وكيلًا عن شخص آخر. هم فقط أتوا إليّ يقولون إنها قضية حياة أو موت فمنحتهم ما ينقذهم، وكنت لأفعلها مع أي جهة أخرى". مضيفًا أن "البنك أوقف الحسابات كي يعيد لي المبلغ".

وعن مصدر تلك الأموال يوضح رجل الأعمال الفرنسي على أنها من "ماله الخاص"، هو وشريكه، وهو التوضيح الذي أقره كذلك مسؤوله الإعلامي قائلًا: "الأمر يتعلق بماله الخاص الذي حركه في هذا الصدد". قصة مصدر المال وقفت هنا، دون توضيح أكثر عن أصله الحقيقي، في محاولة إقناع فاشلة بزهد وإيثار رجل الأعمال الفرنسي الذي يمنح القروض هكذا محبة في الآخر.

بين رجل الأعمال والحزب

لورين فوشر، ملياردير فرنسي حاضر بقوة في أفريقيا، بأعمال كثيرة في مجالات الذهب والماس والبترول والتعدين والصيد البحري. يملك شركة اتصالات تغطي 26 دولة أفريقية. تربطه علاقات وطيدة بوزير الداخلية الفرنسي السابق كلود جيون، لدرجة اتخاذ صهره جون شارل شاركي مستشارًا له. انطلق الثلاثة سنة 2013 (فوشر، جيون وشاركي) في رحلة غامضة لجمهورية أفريقيا الوسطى رفقة رئيسها آنذاك، ميشيل دجوتوديا، والتي كشف عن مسعاها بعدها على لسان مستشار الرئيس: "إنهم يلعبون على سذاجة وضعف حكامنا ليملؤوا جيوبهم!".

ببساطة، وعبر هذا البورتريه المقتضب لرجل الأعمال الفرنسي: لورين فوشر، فإنه يبدو كنسخة محدثة عن "Françafrique" شركة فرنسا الاستعمارية. ويبقى السؤال: أي رابط بين رجلِ الأعمال وحزب التجمع الوطني؟ الإجابة في كنف جان لوك شافهاوسر، النائب التجمعي في البرلمان الأوروبي، وأول من أثار إمكانية تمويل فوشر للحزب. كان ذلك، حسب التحقيق، سنة 2016 عندما رتب لقاء له مع خازن الحزب سان جيست واليران الذي بدوره شرح الوضعية للمانح طالبًا منه المساعدة. بعد ذلك لعب شافهاوسر دورًا كبيرًا في توقيع عقد القرض، كما في تسريع عملية التحويل وقبوله من البنك المستقبِل، بالتالي استحق لقب: "الرجل الذي أنقذ الجبهة!". لكن هل أنقذها مجانيًا؟

جان لوك شافهاوسر؛ ليست هذه أول مرة يبرز فيها هذا الاسم كسمسار للعلاقات المالية لحزب مارين لوبان. قبل ذلك، سنة 2014، مول حزب الجبهة الوطنية بـ 9 ملايين يورو مصدرها روسيا، تحت رعاية رجل بوتين ألكسندر باباكوف وشافهاوسر عن الجانب الفرنسي. أكثر من ذلك، تم تحويل المبلغ عبر شركة باسم النائب اليميني في الجزر العذراء، ومن مؤسسة من لوكسمبورغ.

هذه المرة كذلك، وكما سبق الذكر، مرت المعاملة كلها بين يدي شافهاوسر لكن دون العبور من شركته، إذن كيف تلقى عمولته عن العملية؟

بعد تدقيق فريق Médiapart في حسابات الحزب البنكية، تبين أنه قبل توقيفها وإثر وصول التحويل التقف منه مبلغ 300 ألف يورو، حلت في جيب شافهاوسر. الشيء الذي يؤكده لورين فوشر للموقع، قائلًا: "نعم لقد تلقى شافهاوسر عمولة عن سمسرته (دون تحديد قيمتها). وأعلم أنه اتفق على عمولة ثانية مع الحزب".

تقاطعٌ في أبوظبي

لتحويل المبلغ، التجأ فوشر للمرور عبر "نور كابيتل"، شركة التمويل المتمركزة في أبوظبي الإماراتية التي أسسها وزير النفط السابق مانع سعيد العتيبة، والتي تعود أصولها إلى ملكية أوليغارشية الإمارات العربية. يشغل منصب مدير قسم إدارة الأصول في "نور كابيتل" رجل الأعمال الفرنسي السويسري أوليفيي كوريول، الاسم المختص في إنشاء شبكات التهرب الضريبي وتبييض الأموال والحاضر في العديد من الفضائح المالية والتحقيقات القضائية، الذي توبع في قضية تبييض أموال اختلاس أدين فيها مدير بنك "كريدي سويس" بخمس سنوات، وأخرى يتابع فيها من أجل تهريب أموال مختلسة من شركة تعدين للذهب بمالي، حسب ما ذكر التحقيق.

لم يكن دور كورليو مقتصرًا على تسهيل تحويل مبلغ القرض من أبوظبي نحو جيب حزب لوبان، بل كان حلقة الوصل بين الحزب ممثلا بوكيله شافهاوسر والمانح لورين فوشر، بالتالي ليس من الغريب أن يتحدث عنه الاثنان بإعجاب، ويصفانه تارة بـ "الرجل المغامر العظيم في مجال التمويل"، وأخرى يخليان مسؤوليته عن هذه العملية. إذ صرح شافهاوسر لـ Médiapart قائلًا: "أوليفييه كوريول ليس الشخص الذي خطط لهذه العملية، وإنما لوران فوشر هو الذي منح هذا القرض. في وقت لاحق، وفي مرحلة ما، يكون هناك شخص بمثابة الضامن لسير العملية المالية يقوم بتحرير الأموال ويشرف على العملية من الناحية التقنية في أي عملية مصرفية".

فيما يبدو أن كريول يأخذ من الإمارات  قاعدة لأعماله المشبوهة، إذ تظهر إحدى الشركات التي استخدمت في عملية اختلاس منجم مالي مسجلة باسمه في إمارة عجمان.

هذه المرة، الأموال التي حوّلت لحساب التجمع الوطني، من الإمارات، تخفي أكثر مما تبرز حقيقة هذا التمويل، ومهما حاولت كلٌ من روايتي فوشر وشافهاوسر إظهار الأمر على أنه قرض عادي، تم بطرق قانونية وبعيد عن أي تمويل خارجي أو شراء ذمم أو ضغط سياسي، إلا وتزيد الأمر غموضًا وإثارة للشكوك: أولًا بنفي شافهاوسر سابقًا كون فوشر أقرض الحزب وعودته للإقرار بالأمر بعدها. ثانيًا سردية الإيثار وحب المساعدة التي غلف بها فوشر رواية هشة ولا تكشف حقيقة دوافعه في هذه العملية. ثالثًا تكتم البنك الفرنسي عن ما دار بينه وبين فوشر وسبب توقيف حسابات الحزب. رابعًا رفض كل من مارين لوبان وخازن حزبها الإدلاء بتفسير للأمر. خامسًا رفض البنك الإماراتي ومدير أصوله توضيح مصدر تلك الأموال وتهرب بالصمت حيال المسألة. ما يدفع بشك أكثر في أن شبهة ما في الأمر، وأبوظبي في قلبها كذلك.

الإمارات تمول اليمين المتطرف

اليمين المتطرف هو الحصان الإماراتي المفضل داخل سباق الاتحاد الأوروبي وهياكله البرلمانية. ذلك بتمويل الخطاب المعادي للثورات العربية عبر مؤسسات الدراسات الاستراتيجية وشبكات التضليل الإعلامي.

اقرأ/ي أيضًا: ماكرون في معسكر موسكو وأبوظبي.. مع جرائم الأسد "للأبد"

ففي بروكسيل، مثلًا، الإمارات زبون أساسي لمكتب إعلامي يديره رجلا علاقات عامة محافظان، خدما من قبل في وزارة الخارجية الإماراتية، مهمته غسل جرائمها في اليمن، والترهيب من الإسلام السياسي وتغذية بروباغندا اليمين المتطرف في أوروبا ضد المهاجرين والأقليَات. على جانب مؤسسات الدراسات، فإن مؤسسة بوصلة بالعاصمة البلجيكية تعد أبوظبي بأمرين: شرعنة خطابها أولًا، وثانيا ربطها بنواب محافظين يدافعون على أجندتها في البرلمان الأوروبي. حيث ترتكز بوصلة في ذلك على القاعدة الشعبية والتأثير السياسي لأعضائها، منهم خوزي ماريا أزنار رئيس الوزراء الإسباني الأسبق وفرانسوا فيون نظيره الفرنسي الأسبق، إضافة إلى الرئيسة الإيرلندية السابقة وأمين عام سابق لحلف الناتو.

في بروكسل، الإمارات زبون أساسي لمكتب إعلامي يديره رجلا علاقات عامة محافظان، خدما من قبل في وزارة الخارجية الإماراتية، مهمته غسل جرائمها في اليمن، والترهيب من الإسلام السياسي 

"وعلى ما يبدو أن هذه الجماعة الضاغطة بدأت تحدث تأثيرًا"، كما يوضح مقال لـ "أندرياس كريغ"، المختص البريطاني في سياسات الدفاع، في مقاله "حرب السرديات الإماراتية في بروكسيل". ويذكر أن جماعة من النواب الأوروبيين المحافظين عارضوا مشروعًا لقانون يدين جرائم ابن زايد في اليمن. كما سعى نواب حكومة سلفيني الإيطالية في تقديم مقترح قانون يستثني الإمارات من اللائحة السوداء الأوروبية للجنات الضريبية.

يختم كريغ مقاله بأن "اللوبي الإماراتي أثبت قوته رغم حداثة صناعته، وتحالف اليمين المتطرف وهذا اللوبي سيتعاظم خطره على الاتحاد مع تعاظم قوته".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

دولة الانتهاكات.. تقرير أممي يفضح تورط الإمارات في أنشطة عسكرية غير مشروعة

الفاشية تعود بفسادها.. بولسونارو يبدأ ولايته بفضائح كبرى هزت البرازيل