نظام الجدارة الديمقراطي

نظام الجدارة الديمقراطي

كاريكاتير لـ إنريكو بيرتوتشيولي/إيطاليا

معظم المفكرين الصينيين، إن لم يكن كلهم يعتقدون أن النظام الديمقراطي هو الأمثل لإدارة البلاد. لكن تطبيقه مشروط بتقدم على كافة المستويات خصوصًا الاقتصادية والمعيشية. ويعتقدون، على نحو عام، أن بلادهم ستتبنى هذا النظام آجلًا أم عاجلًا.

النظام الديمقراطي المعمول به حاليًا في الديمقراطيات الكبرى ليس نظامًا عادلًا على أي وجه، فالفرص ليست متاحة للجميع، والقضاء ليس حاميًا للجميع

توقيع هذا الحكم قد يفت في عضد ورثة اليسار في أرجاء العالم. الذين يحسبون أن صعود الصين وتقدمها وتطورها سيؤدي حتمًا، ومن دون شبهات، إلى أفول الإمبراطورية الأمريكية وتخبطها في مشكلاتها الداخلية المتفاقمة. والحق أن ورثة اليسار ليسوا وحدهم في تبني هذه النبوءة، بل ثمة حشد واسع من المفكرين الغربيين عموما، والأمريكيين خصوصًا، يعتقدون أن أزمات النظام الديمقراطي باتت مستعصية على الحل، وأن الحل الأمثل يكمن في نظام الجدارة، الذي يمكن القول إن سنغافورة ابتكرته قبل عقود، وهو النظام الذي تسير عليه القيادة الصينية، حيث يتسنم الشخص المناسب الموقع المناسب، ولا تفسد نظرية "صوت واحد لشخص واحد" جودة الحكام والقادة كما يحصل في الدول الديمقراطية، والولايات المتحدة الأمريكية في مقدمها!

اقرأ/ي أيضًا: قرن من التلاعب بالعقول

والحق إن هذا السجال يبدو مضللًا على نحو خاص، ويمكنني القول إنه مكرر على نحو ممل. ففي الثمانينات والسنوات التي سبقتها وتلتها من القرن العشرين، راجت نظريات أمريكية مشابهة، تدعي أن الولايات المتحدة تفقد مصادر قوتها كلها، وأن ألمانيا تضغط عليها من فوق، فيما تضغط عليها اليابان من تحت. وأن عصا البدل ستصبح في يد هاتين الدولتين آجلًا أم عاجلًا، وستصبح أمريكا قارة مهملة في أقاصي الأرض، لا يزورها إلا المنفيون كما كانت عند ولادتها.

لست بصدد مناقشة كل الحجج والأفكار التي وردت في تلك المحاججات السابقة والراهنة في هذا النص القصير. لكن ما يجدر التنبيه إليه فعليًا لجهة تضليلية هذه الحجج، أن الولايات المتحدة الأمريكية، وليست الديمقراطيات الكبرى مختلفة عنها، غير مهددة بحكم "الشعب الجاهل" والمنصرف عن الشؤون العامة، كما كان أرسطو يخشى، وكما كان يخشى آباء أمريكا المؤسسون. ما دفعهم يومها إلى حصر حق الانتخاب بالملاّك من الرجال، ومنعوه عن النساء والشباب والعبيد، وهو الأمر نفسه الذي اعتمدته فرنسا حين فرضت رسمًا عاليًا على من يريد الانتخاب من المواطنين، ما جعل مسألة التصويت محصورة بالأغنياء وصناع السياسة والاقتصاد على نحو حصري. بل ويعلق جاك رانسيير في كتابه "كراهية الديمقراطية" على هذه المسألة ساخرا بالقول: وكان يمكن جمع كل مواطني فرنسا الديمقراطيين في قاعة مسرح أو كنيسة.

مع مرور الزمن تطورت الأوضاع الاقتصادية، وتغيرت طبيعة المنتجين والمؤثرين في الاقتصاد والاجتماع، واتسعت أعدادهم، ومع هذا الاتساع والتنوع سُمح للنساء والشباب وغير المالكين بالتصويت في الانتخابات العامة. لكن إجراءات أخرى تم اعتمادها جعلت من الوصول إلى السلطة مسألة شائكة، وتحتاج من المرء دعمًا ماليًا ومعنويًا وقضائيًا هائلًا، لا يستطيع أي كان بمفرده أن يتجاوز امتحانه، مهما بلغت عبقريته وقدراته. ومن مساوئ الصدف، أن الناطق الرسمي في الولايات المتحدة باسم المعدمين والمهمشين البيض، هو دونالد ترامب، الذي جمع ثروته وصنع شهرته وحيثيته في نيويورك وهي مركز الاقتصاد المعولم وقلبه، ولم يصنعه في ميزوري أو ميسيسيبي، حيث يتركز جزء أساسي من جمهوره المتحمس.

صناعة القادة في الديمقراطيات الكبرى يخضع لامتحانات لا تحصى، أخلاقية وعلمية وقانونية وسياسية، ولها مدارسها وجامعاتها العريقة الممنوعة على الفقراء ومتوسطي الحال

ما تقدم، يشير من جهات عديدة إلى أن النظام الديمقراطي المعمول به حاليًا في الديمقراطيات الكبرى، ليس نظامًا عادلًا على أي وجه. فالفرص ليست متاحة للجميع، والقضاء ليس حاميًا للجميع. ذلك أن ولادتك في حي فقير في مدينة كبرى في الولايات المتحدة، ستجبرك على ارتياد مدرسة للفقراء، وخلافك مع زوجتك أو رب عملك سيؤدي إلى إفلاسك كليًا ورهن مستقبلك للمصارف، لأن مصاريف المحاكمات عند لجوئك إلى القضاء ضخمة إلى الحد الذي تفضل معه أن تتنازل عن حقوقك لكي لا تخسر حقوقك ومستقبلك في وقت واحد.

اقرأ/ي أيضًا: ألا لا يجهلن أحدٌ علينا

والدخول في نادي صناع السياسة ليس متاحًا أيضًا للجميع، وحظ أي كان في أن يتدرج من قاع المجتمع إلى نادي أصحاب النفوذ يكاد يعادل في نسبته حظ أي كان في أن يربح جائزة اللوتو الكبرى. وتاليًا، فإن الحديث عن مساواة أمام القانون وتكافؤ للفرص لا يجد ما يدعمه أصلًا. ونظام الجدارة الذي يتحدث عنه مفكرون أمريكيون ويفضلونه على النظام الديمقراطي، هو في حقيقة الأمر صناعة أمريكية أولا وأوروبية ثانيًا، وليست الصين أو سنغافورة إلا مقلدتين مبتدئتين في هذا السياق. ما يعني أن صناعة القادة في الديمقراطيات الكبرى يخضع لامتحانات لا تحصى، أخلاقية وعلمية وقانونية وسياسية، ولها مدارسها وجامعاتها العريقة الممنوعة على الفقراء ومتوسطي الحال، ويندر أن يصل، في هذه الدول، أي كان إلى موقع القرار إن لم يكن متحدرًا من تلك الأصول.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

المثقف العربي داعمًا للعنصرية في ألمانيا

ذوبان الدولة السيدة