"ديمقراطية الكربون" لتيموثي ميتشل.. لعنة النفط الشاملة

يقدم كتاب "ديمقراطية الكربون" فهمًا للعلاقة بين النفط والديمقراطية (تويتر)

يعرض كتاب "ديمقراطية الكربون.. السلطة السياسية في عصر النفط" للباحث البريطاني تيموثي ميتشل (المركز القومي للترجمة، 2014) فهمًا جديدًا لعلاقة النفط بالديمقراطية، من خلال نقد المقولات الأوروبية النمطية حول الشرق الأوسط، التي اختزلت علاقة الأنظمة السياسية هناك بالنفط، بمعادلة ثابتة، تقل  فيها قدرة هذه الدول على بناء أنظمة ديمقراطية فاعلة، كون النفط "يعطي الحكومات الموارد اللازمة لكبت الانشقاق أو لشراء التأييد السياسي أو الضغوط المطالبة بتقسيم الثروة بشكل أكثر عدلًا، وذلك بصرف إعانات للجمهور وإلى دعم أسعار السلع والخدمات" (ط1. ص10).

يستعرض كتاب "ديمقراطية الكربون" تاريخ العلاقة بين عملية استخراج النفط وتوزيعه وتداوله، وبين نشوء الأنظمة السياسية الجديدة في أوروبا

إن هذه العلاقة  حسب تيموثي ميتشيل قامت في بنيتها الأساسية على تجاهل الطرق التي يتم عبرها استخراج النفط وشحنه واستهلاكه أو عملية تحويل النفط إلى نفوذ وسلطة. ومن خلال هذا التجاهل تم ربط "لعنة النفط" بالدول التي تعتمد على عائداته فقط في الشرق الأوسط، لا العالم الذي يعتمد عليه كطاقة تسيّر حياته المادية والتقانية، والسياسية بطبيعة الحال. إضافة إلى أن هذا التجاهل يعبر عن مفهوم رئيسي  للديمقراطية قائم على صيغ ثابتة تتجاهل التواريخ المحلية والظروف المادية لكل مجتمع.

ومعززًا هذا الادعاء، يستعرض الكتاب تاريخ العلاقة بين عملية استخراج النفط وتوزيعه وتداوله، وبين نشوء الأنظمة السياسية الجديدة في أوروبا. فيتتبع  مسار العلاقة بين الديمقراطية والوقود الأحفوري بوصفهما ظاهرتين حديثتين، لهما ظهور متزامن ومرتبط، إذ كان هناك من البدء تقاطع في تطورهما كشكلين من أشكال القوة في العالم المعاصر. 

لقد ساهم استخراج الفحم حسب الكتاب، بتبلور فكرة السياسة التمثيلية في أوروبا وأمريكا في المئتي سنة الأخيرتين. حيث إن تطور آليات استخراج ونقل الفحم المتزامن مع تطور الطاقة البخارية، إضافة إلى عوامل عديدة، لعب دورًا حاسمًا في اتساع غير مسبوق للمجتمع الصناعي الجديد ودوائر الانتاج فيه، وكذا في تكثيف عناصر الإنتاج وتجميعها في أماكن محددة، ما ساعد في نشوء المدينة الحديثة، بشكلها المعاصر.

اقرأ/ي أيضًا: السعودية وإيران.. إنه النفط

 وانطلاقًا من هذا التوسع ومن وجود المصانع والمناجم، خلق تجمع العمال غير المسبوق في أماكن واحدة الحاجة إلى الحركات الاجتماعية وتأسيس النقابات، وإلى ظهور مفاهيم وممارسات سياسية على غرار التمثيل، ما مهمد لتكون الحركات التي ناضلت تدريجيًأ من أجل الديمقراطية.

إن الكتاب كما يوضح المؤلف في مواضع عدة لا يقدم فهمًا لتشكل هذه التجمعات السياسية أحادي الجانب بوصفها حركات تشكل وعيها السياسي والحقوقي نتيجة الاجتماع فقط، ولكنه يجادل بأن  تشكلها كمجموعات سياسية وحقوقية تحتاج إلى تمثيل، جاء نتيجة  تغيرات مرتبطة ببنية استخراج الطاقة وتوزيعها وآليات تحويلها إلى مال، على غرار الضغط والتأثير على الإدارة/ السلطة.

لقد حطمت إمدادات الطاقة المتسارعة دورة الإنتاج الطبيعية، وهو ما دمر بدوره أشكالًا مختلفة من العلاقات الإنسانية التقليدية، وأنتج تغييرًا حادًا في طبيعة هذه العلاقات، أثر في كل مفهوم السياسة الجماهيرية.

 وقد ساهم الوقود الأحفوري في إعادة صياغة الزمان والمكان في سياقين. السياق الأول كما يورده الكتاب هو اختصار الدورة الطبيعية لإنتاج الطاقة، التي كانت تعتمد على انتظار نمو النباتات والأشجار من أجل الماشية والأخشاب والفحم. ومع وجود سكك الحديد صار يمكن نقل الطاقة إلى أماكن مختلفة وفي زمن مختصر. وثانيًا، فإن لترًا واحدًا من البترول احتاج إلى خمسة وعشرين طنًا من الحياة البشرية القديمة حتى يتكون، وبالتالي  صار الحديث عن المستقبل ملحًا، مع إدراك أن وجود النفط من جديد غير ممكن.

إن وجود الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة، لعب دورًا مهما في تحديد ملامح وبنية التجمعات العمالية والإنسانية الجديدة، "فبفضل هذا التفاعل الحيوي الاجتماعي الجديد، أصبح بواسطة أغلبية من السكان أن تتركز الآن معا دون وصول مباشر إلى الأرض الزراعية في مدن لم تعد إمدادات الطاقة قيدًا على حجمها" (ص31).

لاحقًا، يتناول الكتاب تاريخ إنتاج النفط في الشرق الأوسط، موضحًا الجهود التي بذلتها المؤسسات الأوروبية لإيقاف إنتاج النفط أو إيقاف اكتشاف أماكن جديدة لاستخراجه هناك، محاولة من البدء صناعة سيطرة شاملة على النفط والطاقة في العالم، وقد كانت هذه اللحظة التي بدأت فيها علاقة أوروبا مع النفط في مناطق الشرق الأوسط، حاسمة وعتبة لنشوء صراعات مختلفة.

إن وجود الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة، لعب دورًا مهما في تحديد ملامح وبنية التجمعات العمالية والإنسانية الجديدة

ويظهر في هذا الجزء تحديدًا، واحد من ادعاءات الكتاب الأساسية، التي يفترض فيها ربما بتسرع، علاقة النفط المباشرة مع الصراع على الشرق الأوسط ومعه، بدءًا من المحاولات التي خاضتها الشركات الأوروبية لتعطيل اكتشاف النفط واستخراجه، إلى أحداث كبرى مثل تشكل عصبة الأمم والانتدابات المختلفة، رابطًا بطريقة تحتاج إلى كثير من التوضيح هذه الظروف بمحاولات القوى الغربية، تعطيل الحركات الديمقراطية في الشرق الأوسط.

ومع أن بنية استخراج الطاقة الجديدة في المدينة الصناعية الأوروبية، التي ساهمت في تركيز وحدات الإنتاج في أماكن محددة، كانت أساسًا لنشوء المدينة الحديثة والمجموعات النقابية والتمثيلية والضاغطة، وغيرت شكل العلاقات التقليدية وهيأت لنوع معين من الصراع على التمثيل والحريات، ومع أن الطاقة كانت تصل إلى وحدات التصنيع باختلاف أماكنها وتوزيعاتها الجغرافية، إلا أن الإنتاج المتزايد كشف عن نقص في مواد لا يوفرها المكان نفسه، ما أوجد "الحاجة" إلى الحصول على هذه المواد الخام عن طريق التوسع الجغرافي. إضافة إلى أن انتهاء الحرب العالمية الأولى التي اعتمدت على الوقود الأحفوري في تسيير المعدات والآلات العسكرية وتصنيعها، جعل هناك مبررات لسيطرة الإمبراطوريات الكبرى على مراكز إنتاج النفط في العالم، مثل ما فعلت بريطانيا، بحجة الحفاظ على الأمن القومي للإمبراطورية.  

ومن هذه المجادلة بالتحديد يعتقد الكاتب أن بنية الطاقة الجديدة تميل إلى كونها بنية استعمارية مهدت لاستمرار الاستعمار الحديث.

لقد ساهمت العلاقة التي تم بناؤها بين المستهلك الأوروبي ومراكز إنتاج النفط في الشرق الأوسط في إيجاد صيغ ثابتة ومحددة للديمقراطية، تتمثل دائًما في محاولة صناعة فاعل سياسي جديد ومناسب.

إن لعنة النفط باعتباره نقيضًا للحركات الديمقراطية لا تمثل حالة فريدة في الشرق الأوسط، ولكنها في كثير من الأحيان حسب المؤلف، كانت تستخدم لتحييد ومواجهة الحركات التي تناضل من أجل الديمقراطية في أوروبا نفسها. وهناك حرص دائم عند القوى الأوروبية على إجهاض أي تبلور للحركات الديمقراطية في الوطن العربي، لأنها تخشى من تهديد مصالحها في المنطقة، وسيطرتها التي تضمن لها تحديد أسعار وكميات النفط وآليات تصديرها وتوزيعها والتحكم في مواردها.

اقرأ/ي أيضًا: المؤشر العربي: كيف يتفاعل العرب مع الديمقراطية؟

يتجسد الادعاء الأساسي للكتاب، في استشهاده بنماذج حديثة من الاحتجاجات الاجتماعية في الوطن العربي، إذ يأخذ من الثورات العربية في عام 2011 مثالًا، من أجل تعزيز ادعائه بأن كل هبوط وقلة في إنتاج النفط يجعل النضالات من أجل الديمقراطية تنمو نموًا أسرع. وهو ما يرى الكتاب أنه اتضح في حالات الدول التي نشأت فيها الاحتجاجات مثل مصر وتونس الأقل إنتاجًا للنفط، إضافة إلى اليمن. بينما كان الوضع شبيهًا في ليبيا أيضًا، حيث جاءت الاحتجاجات بعد هبوط في معدلات الإنتاج.

 يؤكد الكتاب في كثير من المواضع على تعامل  خبراء الديمقراطية الأمريكيين والأوروبيين مع الديمقراطية كأنها مجموعة من "التعليمات" التي يحملونها في حقائبهم، وتكفي الناس حسب اعتقادهم معرفة صيغ الديمقراطية هذه، حتى يستطيعوا تحقيقها. وفي هذا تجاهل للتواريخ المحلية والعوائق البنيوية أمام التحول الديمقراطي. وهذا نقد مهم ومشروع،  لكنه يؤخذ على الكاتب نفسه أيضًا، إذ إنه قدم تحليلًا شاملًا يفسر من خلاله الحراكات الاجتماعية في دول الشرق الأوسط، مفترضًا وجود عوامل ثابتة لكل هذه الدول، ومتجاهلًا خصوصياتها والأسباب التاريخية والبنيوية المتنوعة التي ساهمت في كل منطقة على حدة في خلق الاحتجاجات.

يتعامل خبراء الديمقراطية الأمريكيون والأوروبيون مع الديمقراطية كأنها مجموعة من "التعليمات" التي يحملونها في حقائبهم

إن العلاقة التي قدمها الكاتب وإذ تبدو مهمة في مطارح كثيرة، وضرورية كإطار للنظر في قضايا إشكالية، إلا أنها تبدو في مطارح أخرى مبالغًا بها بشكل فج.

لا يمكن قبول أي قراءة للحركات الاجتماعية المعاصرة بدون الأخذ بعين الاعتبار للمعنى الخاص الذي تحمله كل مجموعة اجتماعية أو قومية وتاريخ التهميش والقمع الذي خضعت له، وهذا ما لا تظهره التحليلات الشمولية التي تعتمد على بعد واحد في التحليل. وبدون إنكار أهمية البعد الذي استخدمه الكتاب، إلا أن هناك ميكانيكية عالية في تفسير المراحل التاريخية الكبرى من خلال بعد واحد (النفط)، قد لا تكون مقبولة في كثير من الأحيان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد أربعة عقود من الحظر.. أمريكا تصدر النفط!

هل يودع العرب "زمن النفط الجميل"؟