07-أبريل-2024
كاريكاتير لـ إيمانويل ديل روسو/ إيطاليا

كاريكاتير لـ إيمانويل ديل روسو/ إيطاليا

في زمن الحروب وحالات الطوارئ، تقوم الحكومات بتقييد نشر الأخبار والمعلومات لكي لا تحدث بلبلة تؤثّر على الحالة المعنوية للشعب، وتختار صيغًا وكلمات محدّدة للتعبير عن الأحداث ووصف ما يحدث بطريقة ترى هي أنّها مناسبة للحفاظ على الأمن العام والروح المعنوية.

هذا الكلام رسميٌّ جدًا، فهذا الأمر يحدث في كل زمان وفي كلّ مكان وليس في زمن الحروب والطوارئ فقط، حيث يتمّ تناقل الأخبار الرئيسية عبر العالم بطريقة تكاد تكون متطابقة إذ يكون مصدره واحدًا. ودائمًا يحدث أن يكون هناك خبر رئيسي تتناقله جميع وسائل الإعلام ويملأ الصفحات والشاشات، لا يهمّ ما هو الخبر، المهمّ أنّ هناك موضوعًا ما يتمّ التركيز عليه ومناقشة تفاصيله وحيثياته لمدّة معيّنة من الزمن غالبًا ما تنتهي بظهور موضوع آخر.

منذ بدء حرب الإبادة الهمجية التي يشنّها الجيش الإسرائيلي على الشعب الفلسطينيّ في قطاع غزّة، اشتعلت وسائل الإعلام بأخبار هذه الحرب التي طغت على كلّ ما عداها من أخبار.

أنا أُصدّق فقط أنّنا نموت على الهواء مباشرةً، كما حدث دائمًا، وأُصدّق أيضًا أنّنا، في العمق، ثورة مستمرّة

في الأيام الأولى، بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ضجّ الإعلام العالميّ بأخبار الهجوم "الإرهابيّ" الذي طال "مدنيين" إسرائيليين. نعم هكذا هجوم إرهابيّ طال مدنيين، لا حاجة هنا إلى تفاصيل وشرح أسباب هذا الهجوم، أو الوضع العام في فلسطين، والصراع الطويل بين الفلسطينيين والإسرائيليين وأسبابه، لقد تمّ التركيز على أنّ هجومًا مسلّحًا شمل حفلًا فنيًا، وأنّ عدد القتلى بالمئات ومثلهم رهائن اقتيدوا قسرًا إلى داخل القطاع. وبدأت تصريحات المسؤولين الغربيين المتوعّدة باستئصال الإرهاب من جذوره، ودعم إسرائيل لتنفيذ ذلك. وفعلًا، بدأ الجيش الإسرائيليّ حملة عسكرية ضخمة على قطاع غزّة، ما زالت مستمرّة، هدفها المعلن هو القضاء على حركة "حماس" التي نفّذت هجوم السابع من أكتوبر. وطال القصف والتدمير الإسرائيلي كل شيء في القطاع.

شيئًا فشيئًا، بدأت تخفت حدّة التصريحات، ثمّ بدأت تظهر أصوات تعترض على العنف الفظيع الذي يُمارسه الجيش الإسرائيليّ في قطاع غزّة، وظهرت دعوات لحماية المدنيين، ثمّ دعوات لإغاثة المنكوبين والمهجّرين، وتحوّلت الأخبار إلى رصد محاولات تقديم المساعدات الإنسانية للمنكوبين، دون ذكر سبب نكبتهم، وكأنّما إعصار ما أو زلزال ضرب قطاع غزّة.

محطات قليلة استمرّت في تغطية مباشرة ومستمرّة لهذه الحرب، وما زالت، تُتابع كل ما يحدث ساعة بساعة، تحوّل الإعلام العالميّ إلى أخبار أخرى، وصار ذكر الوضع في قطاع غزّة يأتي في سياق المساعدات الإنسانية فقط، بينما تلك المحطات تبثّ طوال الوقت صورًا حيّة لحجم التدمير وللعنف المفرط الذي تُمارسه قوّات الاحتلال ضدّ كل شيء في القطاع.

هنا ارتفع صوت بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، معلنًا منع قناة "الجزيرة" من العمل في فلسطين المحتلّة، فقط لأنّها استمرّت في التركيز على بؤرة الحدث الذي لم ينتهِ، ولم تتماشَ مع نغمات الإعلام العالميّ المتغيّرة والتي تجاهلت الحرب وصارت تورد أخبار القطاع بشكل عرضيّ وفي معرض الحديث عن مساعدات إنسانية. هذا ما قصدته بالتعتيم والتعميم، أولًا يُعتّمون على جزء من الخبر فيصل للمتلقّي ناقصًا، ثمّ يُعمّمون صيغة معيّنة للخبر تُفرغ الحدث من محتواه، وبذلك هم لا يكذبون، لا يُمكننا اتّهامهم بالكذب فما يوردونه قد حدث فعلًا، كذلك لا يُمكننا اتّهامهم بالتجاهل فهاهم يوردون أخبار المساعدات الإنسانية ويُتابعون ما يجري.

أتذكّر أنّ الناس في سوريّا كانوا يقولون عن الكلمات المنمّقة التي تُحاول تبرير حدث ما والدفاع عن تقصير ما أنّ هذا الكلام هو: "حكي جرايد"، بمعنى أنّه كاذب ويحرف الحقائق. وربّما هناك جمل أخرى في جميع أنحاء العالم تدلّ على أنّ الناس لا يثقون بالإعلام ويشعرون دائمًا أنّ هناك وجهًا آخر للحقيقة لا تُظهره وسائل الإعلام لأسباب غير شريفة.

كيف نحصل على الخبر الحقيقيّ إذن؟ كيف نُميّز الحقيقة وسط سيل الأخبار الجارف الذي يُطالعنا كل يوم بل كل دقيقة عبر وسائل التواصل المختلفة؟ عادةً يميل المرء إلى تصديق المعلومات التي تتّفق مع وجهة نظره، ويُسارع إلى تكذيب كلّ ما يُخالف قناعاته المسبقة.

واليوم، وقد أتم العدوان الإسرائيلي على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة شهره السادس، تدور الأخبار حول مفاوضات حثيثة في أكثر من مكان في العالم للتوصّل إلى وقف إطلاق النار، وإلى تسهيل دخول المساعدات، وتبادل الأسرى، ثمّ تتصاعد نغمة اعتراضات للولايات المتّحدة على إسرائيل، وتنتشر أخبار أعضاء برلمانات ومفكّرين كثيرين حول العالم وهم يعترضون على العنف الإسرائيليّ. ولكن إسرائيل لا تتوقّف، وقادة حربها يُصرّون على إتمام "مهمّتهم" المعلنة وهي القضاء على "حماس". والناس في غزّة مشرّدون دون مأوى ودون غذاء أو دواء، وهم تحت خطر الموت الداهم طوال الوقت.

ماذا نُصدّق؟ التاريخ يُخبرنا أنّ إسرائيل لم تتراجع يومًا عن تنفيذ "مهمّاتها"، وأنّ كل المفاوضات معها كانت تُفضي إلى خسائر استراتيجيّة كبيرة وتفريط جديد في الحقوق الفلسطينية.

أنا أُصدّق فقط أنّنا نموت على الهواء مباشرةً، كما حدث دائمًا، وأُصدّق أيضًا أنّنا، في العمق، ثورة مستمرّة. تتبدّل الظروف، ولكنّ الثورة الفلسطينية لا تنتهي، حدث ذلك كثيرًا عبر التاريخ، وانتشرت أخبار كثيرة، وما حدث دائمًا أنّ الشعب الفلسطينيّ كان يخرج من الرماد. وسط سيل الأخبار كلّه أنا أرى طفلًا فلسطينيًا يعرف أنّ هذه الأرض له، ومهما أبعدوه يعرف أنّه سيعود.