ultracheck
  1. قول

قرن من التلاعب بالعقول

16 سبتمبر 2021
كاريكاتير لـ كونستانتين كازانشيف/ أوكرانيا
رائد وحش رائد وحش

كتاب مثل "المتلاعبون بالعقول" للكاتب الأمريكي هربرت أ. شيللر لا يصبح قديمًا، فالمنطق الذي سار عليه، والنظرة الأخلاقية التي تحلى بها، في تحليله لواقع الإعلام في أمريكا، وهي تنطبق على مختلف البلدان بطبيعة الحال؛ كشفت أن الصحف والمجلات والبرامج التلفزيونية حقول ألغام من الخداع والكذب تزرعها السلطات في الوعيين الفردي والعام.

تنأى الفردية بنفسها إلى درجة تشكّل انفصالًا عن المجتمع، الأمر الذي يسهّل عملية السيطرة والضبط اللذين يديمان النظام القائم

الكتاب الذي صدر عربيًّا في سلسلة عالم المعرفة عام 1999، بترجمة عبد السلام رضوان سيظل عملًا راهنًا وضروريًّا، كونه ركّز على آليات عمل وسائل الإعلام والاتصال في السيطرة على عقول البشر وتثبيت صيغة سلبية محدّدة للإنسان، هي صيغة الكائن الاستهلاكي، ولأن المؤلف تمكّن من إيجاد الروابط الأساسية بين السياسات الإعلامية والقضايا السياسية والأمنية والاقتصادية.. بات الكتاب مقدمة في دراسة عقل الرأسمالية الباطني.

اقرأ/ي أيضًا: الـ"سوشيال ميديا" في لحظة جنونها

ولعل ما يسوقه الكتاب من أمثلة مخيفة عن تهافت الحرية في الإعلام، وتحولها إلى مجرد شعار فارغ من أي مضمون ينطبق حرفيًّا على إعلام زمننا، أي السوشال ميديا، فحيث يبدو لنا هذا العالم حرًّا تمامًا، وبلا سلطة مركزية، وبإمكان الأفراد العاديين المساهمة في صناعة محتواه؛ سيرينا واقع الحال أن الأمور ليست بتلك الصورة الوردية التي تدعيها، بل لعل عمليات غسل الأدمغة وصناعة الحقائق التي تناسب السلطة القائمة هنا أقوى مما كانت عليه في زمن الصحيفة أو الراديو أو التلفزيون، حيث تتاح لبرامج التعقب أن تعرف عن كل واحد فينا ما لا يعرفه هو عن نفسه، وذلك ليسهّل تقديم مواد تساعد في السيطرة عليهم وجعلهم يوافقون على الحقائق التي تريدها السلطة.

يكمن جوهر القهر في أجهزة الإعلام في التجزيء، من أجل منع مختلف أشكال التفاعل الاجتماعية، فكما نرى ذلك التجزيء في المجلات المتخصصة بالرياضة أو الموضة، نراه أيضًا في المقرّرات الجامعية، حيث يصر كل فرع من فروع الدراسة على نقائه الخاص، دون أي اعتبار للتفاعل بين فروع المعرفة، فالاقتصاد للاقتصاديين وعلم السياسة للسياسيين.. إلخ. يقول الكاتب: "على الرغم من أن العلمين لا ينفصلان في عالم الواقع، إلا أن العلاقة بينهما يتم التنصل منها أو تجاهلها أكاديميًا". وأخطر ما يحدث نتيجة لهذا أنّ الحياة الفردية لا تعود جزءًا من كل اجتماعي، يترابط أفراده ويتفاعلون من أجل أن يُحدثوا تغييرًا لصالح الجميع، بل تنأى الفردية بنفسها في بحثها عن رفاهيتها ومتعها إلى درجة تشكل انفصالًا عن المجتمع، الأمر الذي يسهّل عملية السيطرة والضبط اللذين يديمان النظام القائم.

في زمن كتابة الكتاب كان الإعلام الأمريكي يوهم مواطنيه بتوفير حرية الاختيار، لكنّ "حرية الاختيار لا معنى لها دون التنوع"، فالتنوع الموجود زائف ما دام لا يختلف عن الأنواع المتماثلة من الصابون المعروضة بألوان مختلفة في السوبرماركت. فما الذي يفيده وجود سياسيين مصنفين على يسار ويمين وكلهم ما إن يصلوا إلى السلطة يعملون على بقاء النظام، الموجود لأجل أصحاب الامتيازات وحسب، ويحاربون كل بشائر التغيير.

الهدف الأكبر للإعلام ليس إثارة الاهتمام بالحقائق، بل العكس تمامًا، تحجيم هذا الاهتمام وتخفيف حدّته

بناء على هذه النظرة، خصوصًا في مجتمع تجاري، يصبح الهدف الأكبر للتلفزيون والإذاعة والأفلام السينمائية.. ليس إثارة الاهتمام بالحقائق، بل العكس تمامًا، أي تحجيم هذا الاهتمام وتخفيف حدّته. وهذه بالضبط ما يحدث في زمن السوشال ميديا، حيث تُوضع أمامنا حقيقة واحدة وعلينا التصديق بها، في مواد يجري تعزيز المصلحة الشخصية وحب الربح والكسب واستهداف النجاح الفردي والانشغال بالمظهر المثالي وحسب.

اقرأ/ي أيضًا: غوغل.. الأخ الأكبر الجديد

حين تحدّث شيللر عن احتمالات المستقبل، والمستقبل بالنسبة له هو زمننا، لمّح إلى احتمال تطور وسائل الاتصال، لكن ذلك لا يعني خيرًا بالضرورة، لأنه يضع احتمالًا أكبر لإخضاع المستقبل لتأثير التضليل والتوجيه مما كان في الزمن الذي عاشه، قال صاحبنا: "سوف يصبح واردًا تمامًا أن ننظر إلى المستقبل القريب بوصفه فترة من التنظيم الصارم والمحتوم على أوسع نطاق، سواء في المجالات المادية أو الثقافية".

على كل ما يريد أن يسألنا، نحن أو من يأتون من بعدنا: من أنتم؟ ما أنتم؟ فلا إجابة تتوفر عندنا أفضل من أننا الحصيلة المثالية لقرن من التلاعب بالعقول.

 

اقرأ/ي أيضًا:

دراسة جديدة تشير إلى أن إعلانات فيسبوك منحازة جندريًا

كلمات مفتاحية
صورة تعبيرية

عن العلاقة بين منصات التواصل الاجتماعي والمجمع الصناعي العسكري الأميركي؟

طورت شركات التكنولوجيا خوَارزمياتها بشكل يجعلها تدفع الرِيلز دفعًا في فم وعين وأنف المتابع، لأنها الأقل كلفة، والأكثر ربحية

سبتة

من الحل إلى الإدارة.. كيف أعادت أوروبا صياغة سياستها تجاه الهجرة؟

أخذ الخطاب الأوروبي يركز على إدارة الظواهر والحد من آثارها بدلًا من إنهائها أو معالجة أسبابها

اتفاقية مكة

مصر خارج "اتفاقية مكة".. غياب مؤقت أم قرار استراتيجي؟

في تحرك من شأنه أن يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، أعلنت السعودية وتركيا وباكستان، توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"

ربيع وهبة
فنون

الأفلام الرمادية

منذ أن قرأته في كتاب عن الفيلسوف جيل دولوز، ظلّ السؤال يلاحقني كشبح: ما الذي منحته السينما لمن لا يشتغلون فيها؟

لبنان
رياضة

معركة محتدمة بين جمهوري السلة في لبنان ومصر: أيّ الدوريين هو الأقوى؟

اشتعلت عبر مواقع التواصل الاجتماعي معركة جانبية بين جمهوري كرة السلة في لبنان ومصر، وكل طرف أكّد أنه يمتلك دوري كرة السلة الأقوى في المنطقة، برأيك، أي البطولتين أقوى؟

غزة
مجتمع

السرطان ينهش غزة.. مرضى يموتون انتظارًا للعلاج

هناك نحو 17 ألف فلسطيني مصاب بالسرطان في غزة، من دون خيار محلي للحصول على العلاج الكيميائي أو العلاجات المتقدمة الأخرى

بوتين
سياق متصل

بعد زيارته جزر كوريل.. بوتين يتسبب بأزمة دبلوماسية مع اليابان

تعود جذور الخلاف إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في 8 آب/أغسطس 1945