محمود درويش.. هنا أيها الموت

محمود درويش.. هنا أيها الموت

غرافيتي لـ محمو درويش (ويكيبيديا)

لا شكَّ أنَّ "جدارية" محمود درويش نصٌ استثنائي وفريد في الشعر العربي، قديمه وحديثه، وقد لا أكون مغاليًا إنْ قلتُ ألا سابقَ له من حيث التكوين والبناء الفني والروح الشعرية العالية والباذخة، وبوصفه نصًّا كُتِبَ بعد عودة صاحبه من موتٍ مؤقت في لحظةٍ (مَاتَها) درويش حقيقة لا خيالًا ــ توقف قلبه لأكثر من دقيقتين ــ إثر عملية جراحية في القلب أجريت له بباريس في العام 1998.

في نص كـ"جدارية" يتجلى جمال الشعر عبر إشراقات درويش الشعرية المدهشة

في نص كـ"جدارية" يتجلى جمال الشعر عبر إشراقات درويش الشعرية المدهشة، ويكتشف فيه القارئ الحاذق عمق وتنوع مصادر ثقافة هذا الشاعر الرفيعة.

اقرأ/ي أيضًا: محمود درويش اكتشافنا الدائم

فنصُّ كالجدارية ــ حافلٌ بالجماليات والاستعارات والإيحاءات والإشارات الصريحة والضمنية والرموز وتكثيف التاريخ والأسطورة والمعتقدات ــ إنْ لم يكن كذلك، لا يمكن أن نُطلق عليه هذه التسمية، فمن سمات هذا النوع من النصوص: هو براح فضاء العمل وتعدد حيواتها وملحمية روحها من جهة، وتعدد ذوات الشاعر فيها، فنجده فارسًا ومُحِبًّا وعاشقًا ومحاربًا ومنازِلًا الموت وساخرًا منه وحتى منتصرًا عليه من جهة أخرى.

حين تقرأ الجدارية، ستجد نفسك في حقل آثار، ستكتشف لُقىً وفخاريات ونصوص قديمة داخل هذا النص الحديث. ( كتب درويش الجدارية في عام 1999).

هذه القراءة تُحيلك بالضرورة إلى قراءاتٍ سابقة، وعوالمها تضعكَ أمام عوالم شتى، ونص كهذا سيعود بكَ إلى نصوص عديدة حديثة وقديمة.

مقطوعة شعرية واحدة من الجدارية كفيلة أن تستدعي حضارة بأكملها طويت ويتم بعثها والاستعارة منها وتطوير مفرداتها من جديد وبلغة شعرية حداثوية معاصرة.

ولا يمكننا في مقال صغير التحدث عن هذا العمل الشاسع. فذلك يحتاج إلى دراسات تحليلية مفصلّة ومعمّقة. ولكني سأتطرق إلى رمزية اسم الشاعر في جزء من الجدارية ودلالته.

اسم الشاعر.. اسم المومياء.. اسم الفرعون

يبتدئ درويش جداريته بهذه المقطوعة:

"هذا هو اسمُكَ قالتِ امرأةٌ

وغابت في الممرِّ اللولبيِّ".

من هنا تبدأ المواجهة بين الشاعر والموت، المواجهة التي تستلزمُ سلاحًا حيث تأتي إليه امرأةٌ/الحياة لتهمس في أذنه تعويذة البداية ولتُذَكِّره باسمه، اسمه سلاحه، سلاحه/التعويذة الذي سيُنازِل به الموت. هذه المنازلة/الجمالية التي تستغرق الجدارية بأكملها.

يطوّر درويش رمز الاسم عمّا جاء في الديانة الفرعونية، فالاسم في الجدارية هو رمز للحياة الدنيوية والخلود فيها

من اللحظة الأولى يعود بناإلى أكثر من ثلاثة آلاف عام حيث كان للاسم ــ اسم الميت ــ في الديانة الفرعونية القديمة أهمية قصوى، بل هو ركن أساسي من أركان البعث بعد الموت في هذه العقيدة. فلا آخرة لمن لا اسمَ له يعبر به إليها.

اقرأ/ي أيضًا: في الحنين إلى أمّ محمود درويش

لذلك كان الاعتقاد في هذه الديانة أنَّ المومياء الموضوعة في تابوت لا يحمل اسم صاحبه ملعون هو، ولن يصل إلى الحياة الآخرة الأخروية.

وعدم وضع اسم على التابوت كان إجراء عقابيًا يطال الشخص في حال ارتكابه خيانة عظمى أو مؤامرة ضد الفرعون فكان يُحنّط ويوضع في تابوت دون اسمه، عقابًا له ولحرمانه من العبور إلى الحياة الأبدية: "أيُّ روحٍ بلا اسم تهيمُ في عناءٍ دائم، فضياعُ الاسم يساوي ضياع الشخصية".

كذلك حال كلّ ميت لا يتذكر اسمه في مملكة الموتى، فلن يكون له يوم حساب ولن يعبر إلى الفردوس الأبدي ويفوز بحقل "آرو" (*).

ومن أجل مساعدة الميت في تّذكُّر اسمه كانت توضع مع مومياء المتوفى تعاويذَ تجعله قادرًا على ذلك. كهذه التعويذة المذكورة في "كتاب الموتى" الفرعوني:

"تذكرت اسمي" في البيت الكبير في الصعيد

تذكرت اسمي في البيت الكبير التاسوع في هليوبوليس

في تلك الليلة التي بها رصدت السنوات وعدت الشهور

أنا ذلك المقيم على الضفة الشرقية للسماء.

كلُّ إلهٍ لا يأتي من أجل حمايتي سأعلن في وجهه هذا الاسم.

وجاء في تعويذة مقرونة بقدرتها على إيقاظ الموتى وتَذَكُّر الاسم:

"لك الخشوع يا رب الضياء

أنتَ يا من تسكن في قلب البيت الكبير

يا أمير الليل والظلام

جئتُ لكَ روحًا طاهرًا

فهب لي فَمَاً أتكلم به عندك

وأسرِع لي بقلبي

يومَ أن تتثاقل السحب ويتكاثف الظلام

"اعطِني اسمي" في البيت الكبير

وأعِد إلى الذاكرة اسمي

يومَ أن تُحصى السنين".

يطوّر درويش رمز الاسم عمّا جاء في الديانة الفرعونية، فالاسم في الجدارية هو رمز للحياة الدنيوية والخلود فيها، يواجه به هذا الموت الماثل أمامه، طيلة رحلة الشاعر معه. فنرى الشاعر يتغنّى باسمه أمام الموت. الاسم الذي يختصر إنجازات الشاعر وإصراره على الحياة ورغبته في الخلود.

مثّل الذهب عند المصريين القدماء لحم الآلهة، ولذلك لم يكن يبلى أو يصدأ

ويصل الأمر بدرويش في التباهي باسمه أمام الموت ليغيظه بأنْ يُرِيَهُ كيف يُحمَلَ أمامه بموكبٍ دنيوي مهيب، حين يقول:

"1400 مركبة

و12,000 فرس

تحملُ اسمي المُذَهَّبَ من

زمنٍ نحو آخر...".

اقرأ/ي أيضًا: في حضرة محمود درويش الألمانيّ

طوّر درويش بذلك اعتقادًا فرعونيًا يقول"إنَّ اسم الفرعون يجب أن يُكتب بالذهب"، فالذهب عند الفراعنة هو لحم الآلهة، وكذلك هو لا يُبلى ولا يصدأ. بل يؤكد درويش للموت هنا أنَّ الاسم المُذَّهب هو لحم الحياة وإصرار على العيش وأحد أناشيدها، يقول درويش: "لا شيءَ يبقى سوى اسمي المذّهب". وإذا كان المصري القديم ينتظر من يتلو عليه اسمه:

"انهضْ، فلن تَفنى

لقد نُوديتَ باسمك

لقد بُعثتَ" (**).

لا حاجة لدرويش أن يُذَكِّرهُ أحدٌ باسمه ــ في آخر الرحلة ــ بعد أن بدأت المواجهة بينه وبين الموت، هذه المواجهة التي وصلت إلى ذروتها بينهما، حين يتلو الشاعر على الموت اسمه بكل وضوح وفي تحدٍ واضح، فكانت المقطوعة الشهيرة التي يعرض فيها درويش للموت بعض أطوار الحياة/حياته وألوانها متمثلةً باسمه في تأكيد حثيث منه على القول: إنني هنا أيُّها الموت، وهذه هي الحياة:

"واسمي، وإنْ أخطأتُ لَفظَ اسمي

بخمسة أَحرفٍ أُفقيّةِ التكوين لي

ميمُ/ المُتَيَّمُ والمُيتَّمُ والمتمِّمُ ما مضى

حاءُ/ الحديقةُ والحبيبةُ، حيرتانِ وحسرتان

ميمُ/ المُغَامِرَ والمُعَدُّ المُسْتَعدُّ لموته

الموعود منفيًّا، مريضَ المُشْتَهَى

واو/ الوداعُ، الوردةُ الوسطى،

ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَت، وَوَعْدُ الوالدين

دال/ الدليلُ، الدربُ، دمعةُ

دارةٍ دَرَستْ، ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني/

وهذا الاسمُ لي".

بل ويؤكد في قولٍ نهائي حاسم، وبضربةٍ أخيرةٍ من ريشته على هذه الجدارية، أنَّ هذا الاسم وإن أخطأت لفظه أيُّها الموت هو لي، هو للحياة، هو لأصدقائي وللناس وللخلود:

"واسمي

وإنْ أخطأتُ لفظَ اسمي على التابوت

لي".

حسنًا فعل محمود درويش حين أطلق على الجدارية اسم: "نشيد للحياة"، فمواجهة الموت تكون بإنشاد هذا الأخير ما أنجزه الإنسان في الحياة من حضارة وتراث وعلم وفن وجمال، في المستوى العام، وما أنجزه الشاعر في اللغة على المستوى الخاص.

يقول إلياس خوري إنَّ محمود درويش بعد استيقاظه من البنج بعد العملية الجراحية، طلب ورقة وقلمًا وكتب إلى أحد أصدقائه: "أشعر أنني نسيت اللغة".

هندس درويش كفرعونٍ شاعرٍ وقَلِقٍ جداريته/ نشيده ــ اسمه ليواجه به الموت ولو إلى حين

لعلي أذهب أبعد من ذلك قليلًا لأقول أنَّ هذه العبارة حمّالة أوجه، لعله أراد القول أنَّه "نَسِيَ اسمه" بعد المنازلة الشرسة التي أراد الموت أن ينتزع اسمه/حياته منه، ونسيان الاسم والعدم سواء. فالاسم هو اللغة واللغة هي الاسم ونسيانه كنسيان اللغة بأكملها.

اقرأ/ي أيضًا: ثلاثة شعراء ومرثية واحدة

وكما هندسَ الفرعون اسمه ومعبده وتابوته لِيَعبُرَ ويحظى بحياةٍ أبدية، وكما هندسَ الفرعون أخناتون نشيده للإله آتون وكذلك فعل الفرعون مرنبتاح في نشيد نصره، هندس درويش كفرعونٍ شاعرٍ وقَلِقٍ جداريته/ نشيده ــ اسمه ليواجه به الموت ولو إلى حين، وليقدم لنا عملًا خالدًا لا يطاله العدم والموت والنسيان ولا يطال اسم صاحبه.

 

  • هوامش:

* حقل آرو: أو حقول القصب هو في الأساطير المصرية القديمة بمثابة الجنّة أو الفردوس الأبدي.

* * ترنيمة فرعونية مصرية تُنسب إلى "سخم كا" كبير الكتبة في عصر الأسرة الخامسة.

 

  • مراجع:

محمود درويش، الأعمال الجديدة، دار رياض الريس للكتب والنشر

كتاب الموتى للمصريين القدماء: ترجمة بول بارجيه، ونقله عن الفرنسية الدكتورة زكية طبوزادة: ص64و65، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2004م القاهرة.

اللغة والتشكيل في جدارية درويش، الدكتورة عالية محمود صالح، مجلة جامعة دمشق، العدد الثالث والرابع 2010.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نيقولاي فابتزاروف.. شعر الثورة وثورة الشعر

بيثنتي اليكساندري.. الناجي في ذكرى رحيله