في حضرة محمود درويش الألمانيّ

في حضرة محمود درويش الألمانيّ

محمود درويش في غرافيتي لـ يزن حلواني

في مكتبة "Dussmann"، وهي واحدة من المكتباتِ المهمة في برلين، تحدث في قسم الشِعر مواجهةٌ بين كتب لشعراءٍ من جنسياتٍ مختلفة، بلغة واحدة هي الألمانية، ابتداءً من ريلكه إلى رامبو وآنا أخماتوفا ولوركا ونيرودا، وصولًا إلى محمود درويش. 

كانا كتابا محمود درويش على رف المكتبة في برلين، كما لو أنهما ينتميان إلى هذا المكان وهذه اللغة منذ آلاف الأعوام

ثمة كتابان لمحمود درويش؛ هما "لماذا تركت الحصان وحيدًا" و"حالة حصار"، يتصدران واجهة قسم الشِعر في المكتبة الألمانية، كانا كما لو أنهما ينتميان إلى هذا المكان وهذه اللغة منذ آلاف الأعوام. كتابا درويش لم يشعرا مثلنا، نحنُ اللاجئين، بالاغتراب وبأزمات الهوية والانتماء، بل راحا يشاركان مئات العناوين الشعرية من كافة أنحاء العالم هذا القسم من المكتبة بكل بساطة وأريحية وألفة وحبّ، في حوار خاص لا يتكرّر.

اقرأ/ي أيضًا: محمد بن جلّول.. يضع الليل على طاولته

كانت مشاهدتي لكتب محمود درويش بهذه الألفة، رغم اللغة والمكان الغريبين، نوعًا من الإدراك المختلف لمفهوم الانتماء أو الهوية التي ينبغي أن تخصّ الفنان/الكاتب كفعلٍ بديهي. قد يغدو تصوّر المرء لكتب شاعر كبير مثل محمود درويش، في مكتبةٍ ضخمة في مدينة كبرلين مهتمة بالثقافة والترجمات فعلًا عاديًا، لكن حضور هذا العدد الكبير من الشعراء من مختلف الثقافات والجنسيات من العالم في مكانٍ واحد، بلغة لا ينتمي إليها معظمهم، وغالبًا لا يجيدونها، هو الذي طرح لدي سؤالًا إشكاليًا تعاني منه المجتمعات والثقافة والأدب في الشرق عمومًا، وسوريا خصوصًا، وأعني "سؤال الهوية" بالنسبة إلى الفنان/الكاتب تحديدًا.

أية هوية سيختارها وينحاز إليها من يمتهن الكتابة والفن والأدب، وهو الذي يتميز بالانفتاح المفترض على كل الثقافات والحضارات لمخاطبة العالم بصيغة جمالية إنسانية، بعيدًا عن صراع القوميات والنعرات الاثنية والطائفية، حيث كانت دومًا مهمة الفن هي التوصل إلى رؤية واحدة للعالم كهوية إنسانية قبل أي هوية أخرى.

أليس أكثر صدقيةً وتصالحًا مع الذات المتعلقة بالفنان/الكاتب، الذي ينتجُ بلغته الأم عن الجمال والقيم الإنسانية الكبرى، وينبذ الحدود والجغرافيا أن يكون انتماؤه الحقّ لما يكتبهُ، أي للفكرة قبل المكان واللغة والقومية والطائفة والديانة والحزب والمعتقد.. إلخ؟ أليس هذا الصراع المدمر الذي يحدث اليوم بشأن الهويات الاثنية والعرقية والدينية صراع ينبغي ألا ينجرَ إليه الفنان/الكاتب الذي يتغنى بالقيم الإنسانية؟! ألا يضعهُ ما يحدث مرارًا في مواجهة السؤال الأخلاقي المتعلق بجدوى كل كتاباته التي لم تستطع أن تحرّر صاحبها، على الأقل، من كل ذلك الميراث الغارق بالبدائية؟! 

من المستغرب فعلًا أن ينجر الكتاب إلى هذه صراعات الهويات، بل يغرقون فيها، بدلًا من أن يقاوموها

في مكتبة كهذه أو في غيرها، يأتي القراء من كافة الجنسيات ويقومون بشراء هذه الكتب دون تركيز على هوية وانتماء الكاتب، حيث القيمة الأدبية وحدها من تحدد انتماء الكاتب إلى فضاء الفن والإبداع، أو تنهيه وتجعلهُ في الرف مهمشًا. القيمة الأدبية والجمالية لمنتج الفنان عمومًا هي التي ترفعُ من منجزه الثقافي الأدبي، ولا يفعل ذلك انتماؤه القومي أو الديني أو المذهبي.. إلخ. ماذا يهم الفنان/الكاتب أكثر من هذه الهوية؛ أن ينتمي حقًا لكتابته، لمنجزه الثقافي والفكري والأدبي؟!

اقرأ/ي أيضًا: فكر علي شريعتي.. أدوار الضعف والقوة

في الفترة الأخيرة، تصدرت صراعات الهوية والقومية واجهة المشهد السوري عمومًا، حدث ذلك بين كافة المكونات السورية، وهو أمر طبيعي ومتوقع وسط تداعيات الحرب التي بدأت بطحنِ كافة المفاهيم القديمة، وتبني مفاهيم جديدة على كافة الأصعدة، لكن المستغرب فعلًا هو أن ينجر إلى هذه الصراعات، بل يغرق فيها، الكتاب والشعراء والفنانون! نتحدّث هنا عمّن يتحزّب في هذه الصراعات إلى جهة دون غيرها لدافعٍ هوياتيّ ما، وليس عمن يقف على مسافة متساوية من الجميع ويقدم رؤى عقلانية.

عودة الفنان/الكاتب إلى رحم المفاهيم البدائية للانتماء "القومية والعرق والدين"، تعني أن كل ما طرحتهُ الحضارات والفلسفة والأدب والفن بخصوص مفهوم هوية الفن قد تم التخلص منه بلمحة بصر، كما أن انخراط الفنان/الكاتب في هذه الصراعات أمر يدمّر الفن، ولا يقدم لمعتنقها سوى التقوقع والعزلة، بل يجعل من أفكاره وكتاباته عن التعدد والانفتاح واحترام الآخر المختلف.. وسواها، مجرد أكاذيب واستعارات واهية.

ليس القصد هنا التنصل من الهوية الأولى التي ولدنا عليها، فلا أحد يقدر على إلغاء هويتي الأولى ككردية سورية، لكن أن أحدّد هويتي النهائية بهذه الصيغة، وأن أحارب كل هوية مختلفة عن هويتي هذه، وأعتبر كل فرد يخالفني بالمعتقد هو عدو ينبغي القضاء عليه لأحمي هويتي؛ هو الأمر الذي سيضعني في مواجهة حقيقية مع ما أكتبهُ. تلك مشكلة أخلاقية، ستشكل أزمة مصداقية وضمير بالنسبة لي كإنسانة تكتبُ عن القيم الجمالية والإنسانية، وتقرأ نتاجات هذا العالم على صعيد الانتماء للإنسان، بينما في حياتي الشخصية أمارسُ نقيض تلك القناعات. 

أن تكتب يعني أنك اخترت هوية التفرد خارج الأطر والقوالب الجاهزة والصراعات الدموية

أن تكتب، أن تنتج فنًا، هذا يعني أنك اخترت هوية الكتابة/الفن/الثقافة، هوية التفرد خارج الأطر والقوالب الجاهزة والصراعات الدموية التي ينجر لها من لم يقرؤوا جوروج أورويل ودوستويفسكي وتولستوي وول ديورانت وغيرهم. 
"الأصالة في الفكرة وليست في اللغة" هي التي ترفع شأنكَ الفردي وشأن هويتكَ التي تحاول أن تجعلها فزاعة في وجه الآخر المختلف عنكَ اليوم، هويتكَ وانتماؤك الذي من المحتمل أن يتغيرا بفعل الزمن ويأخذا شكلًا جديدًا، قد لا تكون قادرًا على الدفاع عن قناعاتك القديمة التي شكلتها بناءً على الهوية القبلية التي تحارب بها اليوم كل مخالف عنك.

أن تكتب هذا يعني أنه من المحتمل أن تكون كتبك التي تكتبها بلغتكَ اليوم، والتي تنسب لها هويتكَ، وتستعد لتلغي كل مختلف عنك لأجل هذه الهوية؛ أن تكون هذه الكتب ذات يوم بلغات أخرى قد تكون من بينها لغة من تعتبره عدوك اليوم، قد تجد كتابتك ذاتها في لغة أخرى حين الترجمة قد يغدو قراء آخرون لهم هويات مختلفة عنك أكثر الأشخاص انتماء لما تكتبه، فكيف لكاتب أن يتقوقع بهذه الدائرة الضيقة للهوية؟ ثم أليس من الأجدى أن نتخفف من كل هذا الصراع والكراهية حينما نكتب؟ أليست معرفة واستدلال هوية المرء من القيمة الإنسانية لمنتوجه أجمل من التلويح بهويته القومية والطائفية والدينية كل حين؟ 

لا يوجد أجمل من أن يستدلُ القارئ الألمانيّ المجهول، الذي يزور هذه المكتبة ويقتني كتاب محمود درويش، على هوية قلب هذا الشاعر، وبالتالي على بلده ولغته الأم، من خلال نصوص تتوثّب فيها القيم والنبل الإنساني، وليس تلك الكراهية التي تتنفسُ داخل كتاباتنا المنطلقة من الهوية الواحدة المُلغية لكل ما هو مختلف عنها.

اقرأ/ي أيضًا:

سجع الكهان.. 600 عام من نزول القرآن

أبو شاور وأبو خالد.. في القصر الجمهوري