19-مارس-2024
عمل فني لـ يزن أبو سلامة

عمل فني لـ يزن أبو سلامة/ فلسطين

منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، دأبَ عدد من الكتّاب والشعراء فيها على كتابة وتدوين يوميات وتفاصيل معايشتهم لها، وهي التي تصبّ حممها فوق رؤوسهم ليلًا نهارًا ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي. وفي مقابل ذلك، دأبَ العديد من الشعراء والكتّاب الفلسطينيين والعرب، الذين يقيمون خارج غزة، على محاولة رصد وتسجيل وجع أهلها وأناسها في نصوص أو مقالات أو أشعار، تأتي بهدف إبراز معاناة الناس وتسليط الضوء عليها.

الفرق بين كتابة الشعراء والكتّاب من غزة عنها وبين كتابة الشعراء والكتّاب من خارجها، عنها أيضًا، هو أنّ الكتابة الأولى هي كتابة من هناك؛ من مكان الإبادة والمجزرة، بينما الكتابة الثانية هي كتابة عن وعمن هناك. إنّ الشعراء والكتّاب من غزة الذين يكتبون عنها وهم وسط المجزرة لا يؤرقهم كثيرًا سؤال الجدوى، هم ببساطة لا يسألون أنفسهم عن جدوى كتابة وتدوين وجعهم اليومي أمام عالَم أعمى يرفض أن يرى مشاهد قتلهم وإبادتهم التي تحدث أمام عينيه، كما ويصمّ أذنيه أمام أصوات وجعهم الذي يُحاكي في وضوحه وضوح مزامير القيامة، لا لشيءٍ سوى أنّهم فلسطينيون.

إنّهم يكتبون شهادتهم على المجزرة والإبادة، وهم يثبتون بذلك أنّ مهمة الكاتب الذي يعايش الحرب تتجلى فيما أورده عاطف أبو سيف –الذي عاش ويلات الحرب في غزة بضعة شهور قبل أن يعود إلى الضفة الغربية- في الكتاب الجماعي الذي يحمل عنوان "كتابة خلف الخطوط: يوميات الحرب على غزة"، حيثُ يقول: "...إن مهمة الكاتب أن يكتب وأن يحكي عن الآخرين؛ لأن وجوده معهم هو جوهر فكرة الحياة وفكرة استمرارها. إن ممارسة الكتابة وقت الخطر هي جزء من القتال من أجل الحياة، والنضال من أجل عدم الفناء. بذلك فالكتابة ليست ترفًا ولا هي هواية، بل هي وسيلة قتال وتعبير آخر من تعابير المواجهة".

قيمة النصوص القادمة من غزة تأتي من حقيقة أنّها كتابة من خلف الخطوط، وأنّها من هناك، ولم تكتب عن هناك. إنها نصوص كتبت عن هناك خلال ما يجري هناك وليس بعده

يؤكّد أبو سيف أنّ قيمة النصوص القادمة من غزة تأتي من حقيقة أنّها كتابة من خلف الخطوط، وأنّها من هناك، ولم تكتب عن هناك، فهي - بحسبه - نصوص كتبت عن هناك خلال ما يجري هناك وليس بعده، لذلك ليس فيها مساحات تأملية مترفة، لأنها كتبت وأصحابها تحت القصف والتدمير، يلاحقهم الموت، ويكاد يُمسك بهم.

في مقابل ذلك، نجد أنّ الكثير من الكتّاب والشعراء الذي يكتبون عن غزة وهم خارجها ملاحقين بسؤال الجدوى دائمًا، فهذا السؤال يحضر أمامهم مع كلّ مقال ونصّ جديد يكتبونه، ويجري ورائهم، يلاحقهم كظلهم. ورغمَ إلحاح هذا السؤال عليهم، وإلقائه برأسه أمامهم في كلّ وقتٍ وحين، إلا أنّ إصرارهم على الكتابة التي يشكّكون في جدواها أصلًا هو أمر يُمكن فهمه فيما أورده عبد السلام بنعبد العالي في مقالة له تحمل عنوان "الخجل من الكتابة"، وذلك في كتابه "أشياء سبق الحديث عنها"، والذي يؤكّد فيه بأنّه في بعض الظروف القاهرة، لا يعود الكاتب يجد مسوغات منطقية تدفعه للاستمرار في الكتابة، حيثُ تتحطم كلّ دوافعه، ويفقد إيمانه بجدواها، لكنّه يصرّ على ممارستها لأنّها تعطيه شعورًا داخليًا بأنه جزء لا يتجزأ من الواقع الفعلي الذي يُعايشه وتجلب له إحساسًا بالرضا عن الذات. فالكتابة في هذه الحالة تتحوّل عند الكاتب من فِعل يُمارسه لأنّه يؤمن بقدرته على التغيير وخلخله نظام الأشياء، إلى فِعل يُمارسه كنوع من الاستجابة الأمينة للظروف التي تُحيط به، وتُحاصر واقعه بقوة.

وباستلهام حديث بنعبد العالي، فإنّ الكاتب الفلسطيني أو العربي من خارج غزة، يكون أمام واقع الإبادة التي تجري فيها واقعًا بين خيارين اثنين؛ إما الاستمرار في ممارسة الكتابة كنوع من العمَل الأمين الذي يُعطي شعورًا بالانخراط في الواقع والالتصاق به وبهمومه -ولو كان ذلك يأتي مترافقًا مع إقراره بعدم فعالية هذا العمَل وقدرته على التغيير- أو الركون إلى الصمت والاستسلام إلى الشعور بالخجل من ممارستها.

لعلّ الفرق بين الكتابة من غزة وعنها، هو فرق في إحداثيات الخجل؛ بين كتابة أولى لا تخجل أو يؤرقها سؤال الجدوى لأنّها من هناك، وكتابة ثانية يقطر عرق الخجل من جبينها ويؤرقها سؤال الجدوى لأنّها عن هناك؛ لا يؤرقها فقط بل يُلاحقها كلعنة دائمة، إذ ما الذي يُمكن للكتابة أن تفعله في أزمنة الإبادة؟!