22-أكتوبر-2017

إلياس خوري في عصير الكتب

 

حلّ الروائي اللبناني إلياس خوري ضيفًا على برنامج "عصير الكتب" الذي يقدّمه الكاتب المصري بلال فضل، ويبثّه "التلفزيون العربي". على مدار ثلاث حلقات، استعرض الروائي من خلالها أفكاره السياسيّة والثقافيّة وأجزاءً من تجربته في العمل الروائي والسياسي والصحفي، بالإضافة إلى حديثه عن القضيّة الفلسطينيّة ومعايشته للحرب الأهليّة اللبنانيّة.

جدوى الكتابة، بالنسبة لإلياس خوري، من تحويل الأدب بصفته خيالًا إلى واقع مُعاش

في سؤاله عن الجدوى من الكتابة في الوضع الراهن وفي ظلّ ما يمرُّ به العالم العربي من أحداث مأساويّة، يرى إلياس خوري أنّ هناك أشكالًا متعدّدة من الجدوى، ومنها تحويل الأدب بصفته خيالًا إلى واقع مُعاش بشكلٍ أو آخر، مقدّمًا مثالًا حيًّا على ذلك يتمثّل في قيام شبّان وشابّات فلسطينيين بإعمار قرية في القدس المحتلّة وتسميتها "باب الشمس" تيمّنًا بقرية باب الشمس في روايته التي تحمل الاسم ذاته. بالإضافة إلى أنّه ينظر إلى الكتابة على أنّها إمتاع ومؤانسة، ووسيلةً للتواصل مع الأموات، من ناحية الكاتب أو القارئ على السواء. ويرى إلياس خوري أنّ جدوى الأدب هو أن يغيّر الأدب لا التاريخ، لأنّ القرّاء هم من يغّيرون التاريخ بتحويله إلى واقع، كما يريد قراؤه لا كما يريد الكاتب لهُ أن يكون.

أمّا عن رأيه حول الربيع العربي والثورات التي تجري محاولات مستميتة للقضاء عليها؛ يقول إلياس خوري إن كل ما يحدث الآن يشكّل وقودًا لثورات جديدة تنطلق من يأس الثائرين الذين أُجهِضت ثوراتهم وتعرّضوا لشتى أساليب العنف والقمع، لأنّها تنطلق من افتراض أنّ الهزيمة حاصلة، وصمود الموقف الثوري في ظلّ هذا الافتراض يعطي شيئًا يمكن أن يُسمّى أملًا يولّد ثورات وانتفاضات شعبيّة جديدة. وعن الكتابة يقول أيضًا إنّها رحلة اكتشاف ما لا يعرفه الكاتب، بالإضافة إلى أنّها تتيح له عيش حيوات عدّة في أماكن وأحداث مختلفة.

وفيما يتعلّق ببدايته الروائيّة، يقول إلياس خوري صاحب "أولاد الغيتو- اسمي آدم" إنّه كان دائمًا شديد الرغبة في أن يكون روائيًا على الرغم من عمله في مجالات مختلفة كالصحافة والتدريس وغيرها. ويرى إلياس خوري أنّ الكاتب يمرّ في مرحلتين أساسيتين لإثبات نفسه في الوسط الأدبي والثقافي، تتمثّل الأولى في اعتراف الكتّاب الكبار به على أنّه كاتب، بينما الثانية هي اعتراف القرّاء، ولكنّ الأمر، بحسب رأيه، يظلّ رهانًا كبيرًا يتمثّل أيضًا في أن يظلّ الكاتب كاتبًا حتّى بعد موته، وأنّ الرهان على الكتابة أمرًا يبعث النشوة والمرارة معًا في نفسيّة الكاتب.

كذلك يقول إلياس خوري إنّ خوفه لم يتمثّل في إنتاج عمل أدبي مُشابه لرواية "باب الشمس"، إنّما من الفراغ الذي عاشه بعد انتهائه من كتابة الرواية، وبحثه عن شخصيّاتٍ ومساحات لعبٍ جديدة، لأنّ شخصيّات الروايّة، بحسب تعبيره، هي شخصيّات حقيقيّة على الكاتب تصديقها ليتمكّن القرّاء من تصديقها. وفي حديثه عن روايته الأكثر شهرةً "باب الشمس" يقول إنّها كانت بدايةً لعلاقته بالقرّاء، بالإضافة إلى أنّها دفعتهم إلى قراءة كلّ أعماله السابقة.

بيروت تعرّضت لعملية محو آثار بعد إعادة إعمارها، كي لا تفتح ملفات الحرب الأهلية مرة أخرى

في الحلقة الثانيّة من اللقاء تحدّث إلياس خوري عن سر صنعة الرواية، موضحًا أن كل شيء يبدأ من الفكرة التي تقود لاحقًا الكاتب إلى الشخصيّات وشكل الرواية النهائي. الشخصيّات تبدأ من مكان غامض ثمّ تظهر فجأة وتبدأ برسم نفسها بنفسها، وإن لم تظهر فهذا يعني أنّه لا رواية من الأساس، وعلى الكاتب حينها التخلص من مشروع كتابتها. أمّا عن الجزء الأكثر صعوبةً في كتابة الرواية فهو ما يعرف بالمونتاج أو العمليّة النهائيّة التي تحدّد شكل الرواية، حيث يستغرق الأمر من الكاتب وقتًا طويلًا وإعادة الكتابة مرّات عدّة.

اقرأ/ي أيضًا: واحدٌ من أولاد الغيتو

وعن تعامل الغرب بلامبالاة مع القضيّة الفلسطينيّة والانتهاكات المستمرّة بحق الشعب الفلسطيني، وتعاطفهم مع ضحايا الهولوكوست والمحرقة اليهوديّة؛ يقول إلياس خوري إنّه يجرم الهولوكوست لأنّه يتعارض مع القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة، بغضّ النظر عن تعاطف الآخرين مع القضيّة الفلسطينيّة. ويرى إلياس خوري أن تعاطف الأوروبيين تحديدًا مع الهولوكوست ناتج بالدرجة الأولى عن شعورهم بالذنب لأنّها أكبر جريمة يرتكبها أوروبيون بحق أوروبيين، وغض النظر عن الدم الفلسطيني هو الوسيلة الوحيدة والأكثر جدوى لغسل أياديهم من دماء اليهود.

وفي حديثه عن التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي يقول إلياس خوري إنّ هناك انقسامًا ما بين معارض للتطبيع مع الإسرائيليين ومؤيدٍ للأنظمة العربيّة المستبدّة، وبين معارض لتلك الأنظمة ولكنّه لا يتّخذ موقفًا واضحًا من الممارسات الصهيونيّة بحق الفلسطينيين، ويشدّد إلياس خوري على أن علاج هذا الأمر يكمن في الربط ما بين النضال التحرري والديمقراطيّة، وإلا ستظلّ الثقافة والحياة العربيّة مهدّدة بالانهيار.

أما في الحلقة الثالثة والأخيرة، يرى إلياس خوري أن مدينة بيروت تعرّضت لعملية محو آثار بعد مشروع إعادة إعمارها، الهدف منها، بالإضافة إلى قانون العفو العام، محو آثار جرائم الحرب الأهليّة اللبانية وضمان عدم فتح ملفاتها مجدّدًا، كما يرى أنّ النظام السياسي اللبناني الحالي قد وضع المجتمع الأهلي على حافة الحرب الأهليّة بهدف تخويف المواطنين اللبنانيين في حال قرروا محاسبتهم عن السرقة والنهب والفساد، إذ أنّ الأحزاب اللبنانيّة متحالفة فيما بينها بهذا الشأن، ويضع خوري أزمة النفايات والاحتجاجات الشعبيّة حول الأمر ذاته مثالًا على ذلك، حيث خيّرت الحكومة اللبنانيّة الشعب آنذاك بين مقاومة القمع وبالتالي جر البلاد إلى حرب أهليّة جديدة، أو الصمت.

نفى إلياس خوري في الحلقة أن يكون مُطبّعًا مع العدو الاسرائيلي، بعد الجدل الذي ثار حول المقابلة التي أجراها مع صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة، ورأى أنّ المقاطعة تكمن في مقاطعة المؤسّسات الرسميّة الإسرائيليّة والمؤسّسات التابعة لها، وليست مقاطعة مثقفيّن يحملون الجنسيّة الإسرائيليّة، واضعًا الباحث إيلان بابيه مثالًا على ذلك، كما يذكر أنّه عبّر عن دعمه لمقاطعة دولة الاحتلال خلال المقابلة مع الصحيفة الإسرائيليّة.

تعاطف الأوروبيين مع الهولوكوست ناتج عن شعورهم بالذنب لأنّها أكبر جريمة يرتكبها أوروبيون بحق أوروبيين

كما تناول إلياس خوري ما قبل نهاية الحلقة تجربته في العمل الصحفي في جرائد ومجلات عدّة، أهمها "شؤون فلسطينيّة" وجريدتيّ "السفير" و"النهار"، ووضّح أن أسباب تركه العمل في مجلة "شؤون فلسطينيّة" تتمثل بموقف القيادة الفلسطينية من كتاباته وآرائه، ما دفعه للعمل محرّرًا في ملحق "السفير الثقافي"، ويقول إن أولى الخلافات بينه وبين إدارة "السفير" كانت في حرب المخيمات، بين عناصر حركة أمل مدعومةً من الجيش السوري والفصائل الفلسطينيّة داخل مخيم شاتيلا، حيث تحوّلت الجريدة آنذاك إلى اثنتين، الصفحة الثقافيّة مع الفلسطينيين والجريدة الرئيسيّة تقف إلى جانب "أمل" والسوريين، أمّا الخلاف الثاني فكان إبان معركة عاصفة الصحراء لأنّ الياس خوري آنذاك كان ضدّ النظام العراقي والغزو الأمريكي أيضًا، وهذا ما أزعج بطبيعة الحال النظام السوري وقاد لطرد خوري طردًا مُلطّفًا من الجريدة.

اقرأ/ي أيضًا: الحرب الأهلية اللبنانية في خمس روايات

التجربة في "النهار" كانت مختلفة بالنسبة له، حيث مرّت بثلاثة مراحل أساسيّة، بدايةً مع عمله في الملحق الثقافي حينما كان غسان تويني رئيسًا لتحرير "النهار"، وفي تلك الأثناء كان الملحق الثقافي مستقلًا كليًّا، ولكنّ الأمور تعقّدت بعد مجيء جبران تويني. يقول إلياس خوري إنّه قدم استقالته مرّتين ولكنّ اغتيال جبران حال دون ذلك، وأجبره على البقاء إلى أن تشكّلت إدارة جديدة للجريدة على رأسها ابنة غسان تويني التي كانت لا تستسيغ اليسار والقضيّة الفلسطينيّة، مما دفعه إلى الاستقالة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف رصد نجيب محفوظ أزمات الرجولة في ثلاثيته؟

جائزة مان بوكر 2017 للأمريكي جورج ساندرز