زيارة ميركل لموسكو وكييف ومشروع

زيارة ميركل لموسكو وكييف ومشروع "نورد ستريم 2".. ما علاقة أفغانستان؟

الأحداث الأخيرة في أفغانستان قد تسمح بدور روسي أكبر (Getty)

في الوقت الذي كانت تتهيأ فيه المستشارة الألمانية لإجراء زيارتها الأخيرة أو كما يقال الوداعية إلى روسيا للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا فرض عقوبات جديدة على سبع شخصيات روسية بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لمحاولة تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني، بينما العالم لا يزال يعيش على وقع التغيير المفاجئ في المشهد السياسي بعد دخول مقاتلي حركة طالبان إلى العاصمة كابول في أفغانستان.

بينما كانت تتهيأ المستشارة الألمانية لإجراء زيارتها الأخيرة أو كما يقال الوداعية إلى روسيا، كان العالم لا يزال يعيش على وقع التغيير المفاجئ في المشهد السياسي في أفغانستان

أليكسي نافالني على جدول أعمال زيارة ميركل لروسيا

وفقًا لعديد وسائل الإعلام الغربية فإن جدول الزيارة التي أجرتها ميركل إلى موسكو تضمن الحديث عن مجموعة من القضايا، بما في ذلك مطالبتها الرئيس الروسي بإطلاق سراح نافالني الذي يقضي عقوبة بالسجن لمدة ثلاثة أعوام ونصف بناء على حكم صادر بحقه مع وقف التنفيذ منذ عام 2014، لكن مطالب السياسية الألمانية قوبلت بالرفض من الجانب الروسي.

اقرأ/ي أيضًا: بعد عقدين من الاحتلال الأمريكي.. ما مستقبل القطاع الصحي في أفغانستان؟

بوتين علل رفضه طلب ميركل التي استقبلها بباقة من الزهور، بالقول إن العقوبة التي يقضيها نافالني في السجن ليست بسبب آرائه السياسية، بل بسبب "مخالفته قواعد محددة"، في إشارة إلى مغادرة المعارض الروسي البارز إلى برلين لتلقي العلاج بعد محاولة التسميم الفاشلة التي تعرض لها بغاز الأعصاب نوفيتشوك الذي يعود للحقبة السوفيتية/ العام الماضي.


الرئيس الروسي والمستشارة الألمانية خلال لقائهما في موسكو (Getty)

لكن بوتين المعروف عنه أنه من أشد القادة السياسيين المعارضين للأنظمة الليبرالية الغربية، كان قد أوضح في معرض حديثه حول قضية نافالني أن روسيا "وصلت إلى الحد الأقصى من الثورات" خلال القرن الماضي، وهو ما يبدو إشارة واضحة إلى الثورات التي خرجت في دول الكتلة الشرقية تطالب بالانفصال عن الاتحاد السوفييني، الأمر الذي ساهم في انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينات.

بوتين يهاجم النهج الغربي في أفغانستان 

من بين النقاط التي تطرقت إليها ميركل في زيارتها إلى موسكو كان تأكيدها على وصف ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا بأنه "انتهاك لوحدة أراضي أوكرانيا"، مشددة على قتالها حتى آخر يوم في منصبها لضمان ذلك، بينما أعاد بوتين التذكير بانتهاكات وقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا لأكثر من مرة، وهي من المناطق التي يتلقى فيها الانفصاليون دعمًا من موسكو، وطالب ميركل بأن تشدد على الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسيكي الالتزام باتفاق السلام الموقع في عام 2015.

ومن شرق أوكرانيا البلد الذي يعتبر خط مواجهة حلف شمال الأطلسي مع روسيا، والذي شهد في وقت سابق من العام الجاري حشودًا عسكرية روسية قرب الحدود، يمكننا الانتقال إلى المشهد السياسي في آسيا الوسطى مع صعود حركة طالبان في أفغانستان. حيثُ أشارت وسائل الإعلام الغربية إلى أن ميركل حثت روسيا على استخدام قنوات اتصالات مع حركة طالبان من أجل السماح للمواطنين الأفغان الذين تعاونوا مع الألمان بمغادرة أفغانستان.

أما على الطرف المقابل، فقد شدد بوتين بدايةً على ضرورة "عدم السماح بتفكك الدولة الأفغانية"، قبل أن ينتقل إلى مهاجمة النهج الغربي في أفغانستان، عندما طالب بـ"وضع حد للسياسات غير المسؤولة التي تقضي بفرض قيم من الخارج والسعي إلى بناء ديمقراطيات في دول أخرى دون مراعاة للسياق التاريخي والوطني والطائفي وتجاهل تقاليد شعوب أخرى"، مؤكدًا على أنه "لم تتوج تجارب اجتماعية وسياسية من هذا النوع أبدًا بنجاح، ولم تؤد إلا لتدمير دول وتردي نظم سياسية واجتماعية".

فعليًا، ما وصلنا من تحاليل وتقارير عن اللقاء الذي جمع بوتين بميركل كان محدودًا، نظرًا لتسارع الأوضاع المستجدة في أفغانستان بتصدرها قائمة النشرات الإخبارية؛ على الرغم من أن الزيارة الأخيرة التي أجرتها ميركل تعتبر الـ16 لروسيا، على حد وصفها، منذ وصولها إلى منصب المستشارية قبل 16 عامًا، ووفقًا للمتعارف عليه فإن ميركل التي كان لديها اتصالات دائمة مع بوتين غالبًا ما كانت علاقتهما متأرجحة، لكنها ساعدت على إنجاح مشروع السيل الشمالي-2، متجاهلة معارضة الدول الأوروبية الشرقية في الكتلة الأوروبية الذين ينظرون إليه بوصفه "سلاح جيوسياسي".  

بعيدًا عن التقارير الغربية التي كررت أن زيارة ميركل جاءت بالتزامن مع الذكرى السنوية لمحاولة تسميم نافالني، وبغض النظر عن تزامن الزيارة مع قرب انتهاء ولاية ميركل في منصب المستشارية الألمانية في أيلول/سبتمبر القادم، فإن الأخيرة ركّزت على قضية نافالني دونًا عن غيرها من باقي الانتهاكات، لذا لم يكن غريبًا أن تصدر روسيا بيانًا من 1700 كلمة يتهم ألمانيا بالوقوف وراء الدعم الدولي الذي حظي به نافالني بعد مغادرته موسكو لتلقي العلاج في برلين.

وفي رسالة بدت مباشرة في طبيعتها تحمل في مضمونها دلالات رمزية أولًا، استبقت وزارة العدل الروسية زيارة ميركل بساعات قليلة بإعلانها إدراج قناة تي في رين، وهي من القنوات المستقلة الأكثر شهرة في روسيا، إلى جانب شبكة الأخبار الاستقصائية أي ستوريز (iStories) على قائمة العملاء الأجانب، فضلًا عن طلب هيئة الاتصالات من شركتي أبل وغوغل إزالة التطبيق الخاص بنافالني من متجر التطبيقات الخاصة بهما، وفقًا لما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

غموض وتفاصيل غير معلنة في زيارة ميركل إلى روسيا

بالتأكيد فإن الزيارة التي أجرتها ميركل إلى روسيا تضمنت في خططها مناقشة مشروع السيل الشمالي-2، بعدما أكدت المستشارة الألمانية في لقائها مع زيلينسكي الذي عقد يوم الأحد الماضي، أنها اتفقت مع الولايات المتحدة على "وجوب عدم استخدام الغاز سلاحًا جيوسياسيًا"، قبل أن تضيف مشيرةً إلى أنه "في نهاية المطاف سنرى ذلك في ضوء تجديد (روسيا) عقد مرور (الغاز) عبر أوكرانيا".

German Chancellor Angela Merkel and Ukrainian President Volodymyr Zelensky arrives for a joint news conference following their talks at the Mariinsky...
 المستشارة الألمانية في لقائها مع الرئيس الأوكراني الذي عقد يوم الأحد الماضي (Getty)

ومع ذلك يبدو واضحًا أن تفاصيل الزيارة الأخيرة لميركل يشوبها غموض وتفاصيل مثيرة غير معلن عنها، وهو ما يمكن متابعته من المنتدى الدولي الذي نظمته أوكرانيا حول شبه جزيرة القرم، إذ إنه بينما حضرت 15 دولة المنتدى على مستوى الرؤساء أو رؤساء الوزراء، فإن ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة اكتفوا بإرسال وزراء أو رؤساء البرلمانات.

لعل الغياب الأبرز يسجل في هذا الخصوص للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أثار سابقًا مسألة عودة روسيا لمجموعة السبع، بعدما أُجبرت على الخروج منها بسبب استيلائها على شبه جزيرة القرم في عام 2014؛ بينما غابت ميركل بعد أن كانت قد أجرت زيارة إلى كييف قبل يوم واحد من انعقاد المنتدى، ولعل أكثر ما يثير القلق في الغياب الفرنسي – الألماني – الأمريكي المشترك عن المنتدى أنه جاء في وقت تعيد فيه حركة طالبان رسم المشهد السياسي في آسيا الوسطى.

وهذا التغيير الحاصل لا يمكن فصله عن التطورات الأخيرة في شرق آسيا، بعدما بدأت وسائل الإعلام الصينية بتحذير تايوان من مصير مشابه لما حدث في أفغانستان، في إشارة إلى تخلي الولايات المتحدة عن الحكومة الأفغانية مما مهد لحركة طالبان بالسيطرة على كامل البلاد قبل أيام، وهو ما يمكن إسقاطه على شرق أوكرانيا أيضًا.

تجدر هنا الإشارة إلى أن النسخة الأوروبية من مجلة بوليتيكو وصفت الغياب الألماني – الفرنسي عن المنتدى الذي نظمته أوكرانيا بأنه ينظر إلى الرسائل التي أُريد توجيهها إلى موسكو بأنها لن تكون ذات "فعّالية" إلى حد كبير، فضلًا عن أنها لا تستحق المخاطرة بإثارة العداء مجددًا مع بوتين. وإيضاحًا لذلك يمكننا ملاحظة أن ألمانيا أرسلت وزير الشؤون الاقتصادية والطاقة بيتر ألتماير، بينما أرسلت الولايات المتحدة وزيرة الطاقة جينيفر غرانهولم، وكلاهما أجريا مناقشات مع وزير الطاقة الأوكراني جيرمان جالوشينكو، والواضح بالتأكيد أن النقاشات تمحورت حول مشروع السيل الشمالي-2.

السؤال الآن.. هل تتخلى الولايات المتحدة عن أوكرانيا؟

قبل نحو أسبوع نشرت مؤسسة المجلس الأطلسي البحثية مقالًا للكاتبة الأوكرانية أليونا جيتمانشوك، أشارت في مقدمته إلى أن المراقبين في أوكرانيا التي تعتبر الولايات المتحدة حليفة أساسية لها في حربها غير المعلنة ضد روسيا منذ سبع سنوات، اعتبروا أن استيلاء حركة طالبان على السلطة في أفغانستان يمثل مشهداً بالغ الخطورة، لافتةً إلى وجود قلق كبير في كييف من إصرار الرئيس الأمريكي جو بايدن على سحب القوات العسكرية رغم تصاعد الأدلة التي تشير إلى وقوع عواقب كارثية على مستوى الهيبة الأمريكية ووضع الشعب الأفغاني.

وتضيف جيتمانشوك بأن الجميع بدأ بالتساؤل في كييف عن استعداد بايدن لتحديد تاريخ مماثل لإنهاء دعم ومساعدات واشنطن المقدمة لأوكرانيا، فهل تستحق أوكرانيا حتى الآن استمرار الدعم الأمريكي لها من وجهة نظر بايدن؟ أو هل يظن الرئيس الأمريكي أن أوكرانيا سبق أن حصلت على فرصتها ولم تستفد منها؟ قبل أن تشير في مقالها إلى أن المخاوف الأوكرانية المتصاعدة من التطورات الحاصلة في أفغانستان برزت نتيجة القرار الأمريكي الأخير بتخفيف ضغط العقوبات على مشروع السيل الشمالي-2.

جيتمانشوك أعادة التذكير مجددًا بأنه طالما كان يُنظر إلى مشروع السيل الشمالي-2 على أنه سلاح جيوسياسي ضد أوكرانيا في المقام الأول، وهو ما ظهر واضحًا بمعارضة الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة للمشروع بقوة، قبل أن يتغير الوضع بشكل جذري مع ليونة موقف إدارة بايدن مؤخرًا، الذي يُنظر إليه على أنه جزء من جهود إعادة بناء العلاقات مع ألمانيا، شريكة روسيا في مشروع خط الأنابيب.

لكن هذه الخطوة كما تقول جيتمانشوك أثارت استياء كييف، ودفعت بالمسؤولين الأوكران لطرح عديد الأسئلة حول مكانة أوكرانيا اليوم على لائحة أولويات السياسية الخارجية الأمريكية، مضيفة بأن طبيعة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان أطلقت موجة قلق في أنحاء أوكرانيا، وشكلت جرس إنذار لكل من يظن حتى الآن أن الدول تستطيع الاتكال على استمرار الدعم الغربي إلى أجل غير مسمى.

روسيا تطمح لدور أكبر في أفغانستان  

في هذا السياق علينا النظر إلى الدور الروسي – الصيني المشترك في أفغانستان بدلًا عن الدول الغربية، وليس طلب ميركل من بوتين التوسط لدى طالبان بالسماح للأفغان الذين تعاونوا مع القوات الألمانية بالخروج من أفغانستان إلا دليل على ذلك، ويمكن دعمه بتصريحات السفير الروسي في كابول دميتري جيرنوف الذي أكد بأن مقاتلي طالبان تولوا مهام حراسة السفارة الروسية بدلًا من قوات الأمن الوطني في أفغانستان.

كذلك، فإن الصحافة الروسية كثفت من تقاريرها التي تتحدث عن الدور الروسي مستقبلًا في أفغانستان خلال الأسبوع الماضي، والتي كان من بينها ما أشار إليه كبير الباحثين في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أليكسي مالاشينكو، عندما شدد على أن "أفغانستان، ليست الشرق الأوسط"، وتابع مضيفًا "ليس لدى طالبان مهمة بناء خلافة. بالنسبة لبكين، أفغانستان مهمة كجزء من طريق الحرير الجديد، وهذا بالطبع مفيد لطالبان لأنه يمثل أحد عوامل الاعتراف الدولي بها".

 الصحافة الروسية كثفت من تقاريرها التي تتحدث عن الدور الروسي المحتمل مستقبلًا في أفغانستان خلال الأسبوع الماضي، مقللة من مخاطر عودة طالبان

أما الكاتبة إيكاتيرينا بوستنيكوفا في معرض تعليقها على بيان الاتحاد الأوروبي الذي شدد على عدم السماح "لروسيا والصين بالسيطرة على الوضع" في أفغانستان، فقد أشارت إلى أنه "ليس من الواضح ما إذا كان بإمكان الدول الغربية الآن مواجهة روسيا والصين في أفغانستان من أجل الاحتفاظ بنفوذها هناك جزئيًا على الأقل"، وهو ما يظهر كذلك في تعليقات المسؤولين الروس الذين توقعوا تراجع الدور الغربي في آسيا الوسطى.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

نيويورك تايمز: كيف يمكن فهم إستراتيجيات طالبان عبر حساباتها على تويتر؟

واشنطن بوست: كيف نجحت حركة طالبان في حرب "السوشال ميديا" حتى الآن؟