واشنطن بوست: كيف نجحت حركة طالبان في حرب

واشنطن بوست: كيف نجحت حركة طالبان في حرب "السوشال ميديا" حتى الآن؟

أدارت طالبان المعركة الإعلامية باقتدار عالٍ (Getty)

كان لافتًا في نظر العديد من المراقبين، ذلك الأداء الإعلامي المتزن والاستخدام الذكي وعالي الكفاءة لمنصات التواصل الاجتماعي، من قبل حركة طالبان الأفغانية، التي بسطت سيطرتها على أفغانستان خلال الأسبوعين الماضيين، مع إعلان الولايات المتحدة إتمامها عمليات الانسحاب الكامل، بعد حرب استمرت 20 عامًا.

كان الأداء الإعلامي لحركة طالبان في الأشهر الماضية لافتًا لاهتمام المحللين والمراقبين 

وقد استفادت حركة طالبان من حساباتها المتعددة على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة على تويتر وفيسبوك، من أجل بناء الزخم الإعلامي والسياسي المرافق لعودتها إلى كابول وسيطرتها على زمام الحكم فيها، وبناء خطاب موجه للداخل والخارج، يفيد بأنهم جاهزون لقيادة البلاد، وبناء دولة وطنية حديثة، بعد عقود على الاحتلال والأزمات الهيكلية في نظام الدولة والعنف المستمر.

فعبر حسابات يتضخّم نشاطها وحجم متابعتها على فيسبوك وتويتر وإنستغرام، وفي مجموعات كبيرة على واتساب وتليغرام، طوّرت طالبان من رسائلها الإعلامية، لتنقل صورة متباينة عن تلك الصورة التقليدية السائدة عنها في وسائل الإعلام الغربية والعالمية، حيث يجري تصويرها بأنها جماعة متطرفة ولديها أتباع متشددون ويؤمنون بالعنف فقط وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي. فقد حرصت الحركة عبر ما يبدو أنه حملة منسّقة وفق رؤية أساسية متفق عليها، على عدم تجاوز حدود المعايير الأساسية المشتركة المقبولة، داخليًا وخارجيًا، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم مخالفة سياسات الاستخدام التي تفرضها منصات التواصل الاجتماعي الكبرى، والتي تهدّد بتقييد المحتوى، ومنح المنصّات مسوّغًا حظر الحسابات وإغلاق الصفحات في حال مخالفتها بشكل متكرر.

الحركة تتعاون مع فرق متخصصّة في التواصل الاجتماعي

يظهر من الأساليب المتبعة في حسابات الحركة على وسائل التواصل الاجتماعي أن من يدير هذه الحسابات يمتلك مستوى عاليًا من الحرفية والكفاءة والفعالية العالية، وهو ما دفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن الحركة تتعاون مع شركة أو عدة شركات مختصة بالعلاقات العامّة والمحتوى الرقمي وحملات المناصرة، والتي تقدم الاستشارة والدعم الفني للحركة في كيفية بناء الرسائل العامة، والسمعة عبر الإنترنت وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر الصور ومقاطع الفيديو ذات إمكانية الوصول والرواج العالية، في سلوك يحاكي الحملات التي تطلقها الشركات والجماعات السياسية في مختلف دول العالم.

إحدى الصور الأبرز التي انتشرت ولقيت رواجًا ضخمًا على وسائل التواصل الاجتماعي، كانت لمجموعة من مقاتلي الحركة الملثمين وهم يحملون أسلحتهم ويقفون لالتقاط الصورة في منطقة قريبة من كابول، وتبدو من فوقهم السماء بلون وردي مختلط بالأزرق، وفي أسفل الصورة كتب بالبشتوية والإنجليزية عبارة معناها: "في جوّ من الحريّة".

انتشرت الصورة وتناقلها الناس بشكل واسع جدًا، وهو أسلوب يبدو جديدًا تمامًا على الحركة، بل وغير متوقّع منها أبدًا في الجيل السابق، قبل أن تنتشر الهواتف الذكية وتقنيات التواصل ويقتنع الجميع، بمن فيهم الحركة بالقوة التي لا تضاهى للصورة، ولوسائل التواصل الاجتماعي.

إلا أن الجمهور العالمي يبدو أنّه يشكّل الجزء الأكبر ممّن يستهلك المحتوى الإعلامي للحركة وأنصارها على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك الأفغان الذين يعيشون في الشتات، والمتعاطفين مع الحركة، في الدول الإسلامية مثلًا، إضافة إلى الشامتين بالفشل الأمريكي الذريع، بعد إنفاق تريليونات الدولارات بدعوى العمل على إنشاء دولة ديمقراطية حديثة على الطراز الغربي، منذ الإطاحة بحكم طالبان عام 2001.

اقرأ/ي أيضًا: كم بلغت تكلفة الحرب الأمريكية في أفغانستان

وحتى الموقع الرسمي لحركة طالبان الأفغانية على الإنترنت، يقدّم بوابة إعلامية رقميّة حديثة، بواجهات بعدة لغات، منها البشتوية، والدرية، والعربية، والأردية، والإنجليزية.

رسائل معتدلة من طالبان

يمكن للمراقب أن يلاحظ عند تتبع الرسائل التي تبثها الحركة عبر حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، أنها ترغب بتصعيد لهجة أكثر اعتدالًا، وتسليط الضوء على وجه جديد للحركة، تفترق عن الصورة السوداوية العنيفة التي لطالما ارتبطت بها خلال العقدين الماضيين، والتي رسختها وسائل الإعلام العالمية، عبر الحديث عن عمليات الإعدام والتضييق على الحريّات ومنع المرأة من العمل والتعليم.

ففي تغريدة للمتحدث باسم طالبان، سهيل شاهين، الذي يتابعه على تويتر 370 ألف متابع، جرى الإعلان عن توجيه الحركة لتعليمات حازمة لمقاتليها بعدم اقتحام بيوت الناس تحت أي ظرف من دون إذن بذلك، وقال: "سنحافظ على الحياة والممتلكات ونحمي أعراض الناس، وسيقوم المجاهدون بتقديم الحماية للجميع".

ريتا كاتز، المديرة التنفيذية في مجموعة "سايت إنتلجنس"، والتي تنشط في مراقبة نشاط الحركات المتطرفة على الإنترنت، قالت في حديث لها مع الواشنطن بوست إن حركة طالبان اليوم "تمتلك فهمًا عميقًا بالتقنية والسوشال ميديا، وهي حالة تبيّن أنّ الحركة لم تعد نفس الحركة التي نعرفها قبل 20 عامًا".

وقد كان من اللافت في الوقت ذاته قدرة حركة طالبان عبر وجودها الرقمي المتصاعد على الالتزام بسياسات الاستخدام على منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، وهو ما صعّد من حملات نقدية واسعة ضدّ هذه الشركات من قبل الجمهوريين تحديدًا، لمطالبتها بحظر نشاط الحركة على منصاتها، مندّدة بالمفارقة بين حظرها للرئيس السابق دونالد ترامب، بينما تتيح لعناصر تنتمي لحركة طالبان بالتعبير عليها دون تضييق.

أما سبب هذه المفارقة كما يوضح المحللون، فهو يعود ببساطة إلى أنّ ترامب لطالما خالف سياسات الاستخدام في المنصّات التي لجأت إلى تعليق حساباته، وأنّه ارتكب عدة مخالفات بنشر محتوى يصنّف ضمن خطاب الكراهية، والتحريض على العنف، والترويج للأخبار الكاذبة. أما طالبان، فقد أتقنت اللعبة بدهاء، بحسب تعبير كاتز، ولم تلجأ لاستخدام حساباتها لنشر محتوى يخترق سياسات الاستخدام، ويعرضها للإغلاق والحظر.

وثمّة تفصيل آخر تأخذه إدارة هذه المنصات باعتبارها، يتعلق بتعقيدات الوضع الجيوسياسي وتغيراته، في ظل السيطرة التي آلت إلى حركة طالبان، وعدم وجود تصنيف واضح للحركة حتى داخل الهيئات الحكومية التابعة للولايات المتحدة نفسها. فوزارة الخارجية الأمريكية تصنف طالبان الباكستانية منظمةً أجنبية إرهابية، بينما لا ينطبق هذا التصنيف على طالبان الأفغانية وفق قوائم الخارجية الأمريكية، لكنّها مدرجة كمنظمة تنطبق عليها قوانين العقوبات الأمريكية في قوائم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، التابع لوزارة الخزانة الأمريكية.

ويبدو أن التباين بين منصات التواصل الاجتماعي في التعامل مع الحركة وحساباتها نابع من هذا الإرباك في التصنيفات. ففيسبوك مثلًا تصنف طالبان "منظمة خطرة"، وهو ما يجعل الباب مواربًا للمنصّة لإغلاق حسابات أو صفحات تابعة لها حين يلزم الأمر، من دون اعتبار لنوعية المحتوى المنشور، حتى لو كان موافقًا لسياسات الاستخدام ولا ينتهك القواعد المحددة في المنصّة. لكن الشركة أقدمت في الوقت ذاته على إغلاق حساب نشط تابع للحركة على واتساب، علمًا أن الحركة قد أعلنت عن تلك المجموعة لتسهيل التواصل مع المواطنين الراغبين في الإبلاغ عن أي حالات اعتداء أو سرقة أو لطلب المساعدة العاجلة.

وقد لاقى هذا الإجراء الذي عمدت إليه فيسبوك انتقادات شديدة من بعض الناشطين والصحفيين الذين عملوا في أفغانستان، والذين يدركون الأهمية الكبيرة لتطبيق واتساب في التواصل وتسهيل حياة المدنيين، وتوفير هامش للتعامل مع الناس بشكل مدني على مستوى الخدمات الأساسية وحفظ الأمن والممتلكات، بعيدًا عن العمليات العسكرية والتصرف بمنطق حركات التمرّد العنيفة. ونظرًا للاستخدام الواسع للتطبيق بين الأفغان، فإنه من غير الصائب في نظرهم حرمانهم من استخدامه للتواصل مع الحركة، بالرغم من حاجتهم الماسّة إليه في الظرف الراهن للتبليغ عن الشكاوى وطلب الحماية من أفراد الحركة لو لزم ذلك.

آشلي جاكسون، موظف سابق في إحدى منظمات الإغاثة الدولية، يقول في حديث مع واشنطن بوست: "ليس من الممكن تعطيل كل شيء له علاقة بالحركة، إلا فإن الناس سيعانون بشكل مضاعف". أما دانيل نولز، والذي عمل مراسلًا لصالح مجلة الإكينوميست، فقد ذكر على حسابه على تويتر بعض الحقائق عن شيوع استخدام "الخطوط الساخنة" للتواصل مع الحركة وطلب الدعم والمساعدة، حتى قبل أن تسيطر طالبان على البلاد. فقد كانت تلك الطريقة الأسهل للتواصل مع الحركة، والتي كانت تستجيب لطلبات الناس واتصالاتهم.

اقرأ/ي أيضًا: كيف ستتعامل وسائل التواصل الاجتماعي مع الحسابات التابعة لحركة طالبان؟

وفي حين أعلنت يوتيوب أنها تلتزم بالعقوبات التي فرضتها وزارة الخزنة على الحركة، وأنها ستقوم بحذف أي حساب تعتقد أنه تابع للحركة أو يدار من طرفها، فإن تويتر تتخذ موقفًا أكثر انفتاحًا على حركة طالبان الأفغانية، ولم تلجأ حتى الآن إلى حذف أي حسابات يظهر أنها تابعة للحركة وتتحدث باسمها، علمًا أن الإدارة الأمريكية لم تعلن حتى الآن عمّا سيكون عليه قرارها بشأن الاعتراف بأي حكومة مقبلة تشكّلها طالبان.

ومثل أي جماعة تطلق حملات إعلامية على منصات التواصل الاجتماعي على مستوى احترافيّ ومعقّد، فقد طوّرت طالبان قاعدة حساباتها عبر مختلف المنصات، وذلك لضمان عدم التأثير على وصول رسائلها الإعلامية في حال تم التضييق عليها من قبل شركة أو اثنتين، وإبقاء الخيارات مفتوحة أمامها دون الاعتماد بشكل حصريّ على منصّة واحدة.

دارين لينفيل، أحد كبار الباحثين في معهد الإعلام الجنائي في جامعة كليمسون، يقول إنه ونظرًا لحجم المحتوى الضخم الذي تبثّه الحركة، "فإن العديد من الحسابات لا بدّ وأن يكون مدارًا من قبل أفراد اختصاصهم الأساسي هو السوشال ميديا". فهذه الحسابات وفق تقدير لينفيل "لا ينشط عليها قادة طالبان السياسيين أو العسكريين، بل تديرها شبكة من الأفراد المتخصصين الذين يتوفر لديهم اتصال ثابت بشبكة الإنترنت، على الحواسيب والهواتف الذكية، وهم أفراد يمتلكون كفاءة عالية باللغة الإنجليزية".

وقد بدا جليًا هذا التحوّل في الأداء الإعلامي لدى حركة طالبان، منذ أشهر عديدة، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة عزمها على الانسحاب بشكل نهائي من أفغانستان، وبدأ بث الرسائل بشكل أكثر تعقيدًا وتكثيفًا مع كل تقدّم عسكري على الأرض، مع وعود للأفغان بأن مستقبلًا أفضل بات ينتظرهم.

فمن الحديث عن حرية الإعلام، والتي قالت الحركة في بيان على موقعها أنّها تلتزم باحترامها وترى أنها "أمر لا غنى عنه في كل مجتمع وكل دولة"، وهو ما فهمه محللون بأن الحركة تسعى إلى أن تكوّن "مجتمعًا ودولة"، ضمن المعايير المقبولة في العالم الحديث اليوم، والتي تؤكّد على حريّة الإعلام وحقوق المرأة واحترام القانون وبناء المؤسسات. وفي لفتة مهمّة، دعا المتحدث باسم الحركة، سهيل شاهين، عددًا من المراسلين الأجانب، من بينهم صحفية، لحضور مؤتمره الصحفي.

اعتمدت حركة طالبان على شبكة من الحسابات التي تدار من قبل مختصيّن في مجال السوشال ميديا 

ستكون أفغانستان في الأيام والأسابيع المقبلة أمام مرحلة تحوّل بالغة الحساسية، وسيكون شكل النظام الذي ستعلن عنه حركة طالبان في البلاد، وطريقة تعاملها مع المواطنين من مختلف العرقيات والمذاهب والتوجهات، ونهجها في الحكم والإدارة والتمثيل السياسي، واحترام الحقوق المدنية الأساسية، عوامل حاسمة تؤثّر في فرصها للحصول على اعتراف دولي وتجنب فرض عزلة عليها، ربما تمتدّ للتضييق عليها أيضًا في وسائل التواصل الاجتماعي في المستقبل.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تقدير موقف: خلفيات عودة طالبان إلى حكم أفغانستان وتداعياتها

ديلي بيست: كل الرؤساء الأمريكيين مسؤولون عن 20 سنة من الفضيحة في أفغانستان

ماذا قال بايدن في أول كلمة له بعد سيطرة طالبان على كابول؟