حوار| غسان حمدان: أنا ابن اللغات المتعدّد

حوار| غسان حمدان: أنا ابن اللغات المتعدّد

المترجم والشاعر غسان حمدان

الترجمةُ كما الكتابة هي دخولٌ في افتراض حول العالم الممكن الذي يُراد تمثيله بحسب إيكو، بهذا نكون قد أعلنا ولوج مغارة التخييل، ذلك من خلال نزوح اللغة من جغرافية المعجم إلى أخرى أكواريومية، تمنح القارئ فرصة التعرّف على المخلوقات السرّية للنص، ما يمنح "لسان آدم" صفة التشابك الإنساني والثقافي في آن، وهذا عينه ما اعتمده الروائي والشاعر العراقي غسان حمدان، فالمتابع بنهم لمشغله الإبداعي، يرى أن الكتابة والترجمة لديه تخييلٌ بلسانين، إذ إن خريطته اللسانية متشابكة التضاريس، فإن تتبعنا خطى أحلامه نجده رحّالٌ لسانيّ بين الكرد، والأفغان، وبلاد فارس، إضافة إلى تنوع مشاغله في الشعر والسرد.


  • هل الترجمة تأويلٌ ثقافي كما يصفها غادامير، أم هي استنباتٌ لسانيٌّ قائم ٌعلى ذوبان الآخر في الزمن الجسدي والروحاني للنص؟

يصعُب الالتزام بتعريف واحد للفعل الإبداعي الذي يبقى مرتبطًا بعوامل خارجية وداخلية متباينة الزمان والمكان ومرتبطة به على نحو عامٍ وخاصٍ. لا تختلف الترجمة عن كونها تأويلًا ثقافيًا يُستنبت من النص الأصلي في تربة النص الجديد، ويصبح دور المترجم استزراعًا لغويًّا لما يُترجمه أكثر مما هو استنبات، إذ باستزراعه اللغة الجديدة فهو يُهيئها لاستقبال هذه البذرة المنقولة من حقول ثقافية ومعرفية خارجية، وهكذا فإن النص المتوِّلد يحمل في جيناته الأصل لكنه أصل بمظهر لغوي مختلف. يفتح هذا بابًا واسعًا في تعريف الترجمة ومدى دقتها في نقل اللفظ والمعنى من لغة إلى أخرى، إن الاختلاف اللغوي والنحوي والدلالي والاصطلاحي بين اللغات لن تقرِّبه الترجمة فحسب فهو بحاجة أيضًا إلى تلقٍ عالٍ من القارئ الواعي باختلاف طبيعة لغة النصين، وأن يكون متقنًا للغة النص الجديد مراعيًا الجدِّة التي فرضها الأصل على اللغة التي يقرأ بها، وربما قد تكمن مقدرة المترجم في ضبط هذه الجدة والمحافظة عليها لتبقى بارزة في النص، وهنا سيدعم النص بلغة مختلفة أسبغت عليها عناصر قوة جديدة. إنَّ هذه العناصر الجديدة التي تمنحها اللغة الأخرى ولم تمنحها اللغة الأصلية تشي ضمنيًا بأن الترجمة ارتحال بين اللغات يُكسب النص المرتحل خبرات جديدة وتطوره باستمرار. ولكن من جهة أخرى على المترجم أن يمتلك موهبة الترجمة فهي ليست عملًا أو وظيفة بل أراها من أشكال الفن. يدخل آلاف الأشخاص كليات اللغات ولكن لن يتخرج الجميع بوصفهم مترجمين، والسبب ليس في صعوبة الترجمة وكونها عملًا قد يكون مملًا للبعض وإنما لا يستطيع الجميع نقل التفاصيل أو إظهار براعتهم في السرد والإيقاع وتقليد أسلوب الكاتب كما هو.

غسان حمدان: المترجم كاتب آخر للنص لكنه لا يشقُّ طريقه الخاص به بل يقتفي آثار المؤلف، وإنَّ شق طريقه بأدواته الخاص فسيبقى في مسار المؤلف

اقرأ/ي أيضًا: حوار| طارق إمام: المدن الأكثر حداثة تبدو لي وثنيةً

  • هناك من يقول بأن الترجمةَ هي عملٌ تخييليٌّ متأتٍ من عملية الاستذكار والتجاوز، كيف ترى ذلك، وما نسبة تحقّقه معك؟

يمكنني أن أقول إنها عمل تخييلي متأتٍ من عملية الاستقراء والتقويم، فالنص الذي بين يدي المترجم لن يتحول إلى حقل الذاكرة التوليدية والتحريرية، إذ إن هذا حقلًا خاصًا بالمؤلف، والمترجم كاتب آخر لهذا النص لكنه لا يشقُّ طريقه الخاص به بل يقتفي آثار المؤلف، وإنَّ شق طريقه بأدواته الخاص فسيبقى في ذات مسار المؤلف، فهو بكل الأحوال رفيق المؤلف لا مُرشده ولا تابعه، كلاهما يسيران بجوار بعض وإن تقَّدم المؤلف عليه بخطوة أو اثنتين.

أترجم انطلاقًا من كوني ناسخَ النص الجديد؛ لكني أنسخه بلغتي أنا كناقل الماء من النهر إلى الحقل، لكنه ينقل بدلوٍ مختلفٍ عن دلو رفيقه. يختلف هذا من نص إلى آخر، فلكل نص طبيعته ومميزاته، والنصوص كالمدن منها ما تُشرع أبوابها أمامك منذ أول مرة ومنها ما تُدخلك وسرعان ما تلفظك ومنها ما تحتاج إلى وقت طويل حتى تتآلف منها، أما أسوأ فتلك التي تستعصي عليك مهما جاهدتها وفور ما تجد نفسك بداخلها تندهش بأنك مطرود. هي تختبرك لذا فالترجمة فعل مقاومة ومطاولة ليس لأصحاب النفس القصير.

  • تكثيفك الاشتغال على الأدب الفارسي، أهو إشارة لقيمته الإنسانية والجمالية، أم هو احتفاءٌ بالمغفول عنه؟

كلاهما. الأمة الفارسية أمة عريقة وتاريخها في المنطقة معروف، فهي جزء من كينونتها، أدَّت طبيعة المنافسة ما بينها والأمم المجاورة لها إلى خلق نوعٍ من صراعٍ سلبيّ تأثر كثيرًا بالحروب والسياسات على مدار آلاف السنين. خلَّف هذا الصراع والصدام نوعًا من التحفِّظ بشأن الآداب الفارسية التي مرَّت كأي أدب أممي بصيرورة طويلة أبدعت أعمالًا إنسانية عظيمة، من الضروري لجيرانها أن يقرؤوها ويعرفوا أصحابها ويلمسوا جوهرها. أما تكثيفي في الاشتغال فهو لأني ابن الأمتين الفارسية والعربية وإتقاني اللغتين أتاح لي أن أودي ما أجيد فعله في فتح قنوات للتواصل الصامتة، وأُسمع القارئ في كلا الجهتين صوت الآخر دون أن يشعر بغرابة المتكلم أو يحسُّ أنه في حضرة خصمٍ فينفر منه قبل أن يعرفه. كما أنني أحب أن أشارك جماليات الأدب المغفول عنه بسبب قلة المترجمين، وهذا الأخير له أسبابه يطول شرحه..

  • إن المتابع بتدبر لمجهودك الإبداعي يخرج بخلاصة مفادها: أن الترجمة لديك هي ممارسة أقلية، إذًا هل ثمة أدبٌ أقلي؟

نعيش في عصر مهووس بالاصطلاحات وفي محاولته الوصول إلى جوهر الأمور بإبداع عبارات ومصطلحات لكل ما يقف عليه؛ نراه يُصعِّب الوصول إلى الهدف ويعرقل نفسه بنفسه ويضيع في تيه لغته وإن رأى نفسه قد حقق ما رامَ إليه. لا أقول بأدب الأقليات ولا أن الترجمة ممارسة أقلية، الترجمة فعل إبداعيّ لا يرتبط بأقلية أو أكثرية وغير مقصور على فئة دون سواها. كل مجموعة عِرقية ذات لغة وثقافة خاصة بها تُنشئ أدبًا يعبِّر عن ذاتها وفكرها وعالمها ورؤيتها لهذا العالم، فالأكثرية ليست بالضرورة أكثرية الإنتاج والأقلية ليس بأقلية الإنتاج، لا سيما إن تحدثنا عن الأدب الذي هو لسان الفكر وصوته، بل يعتمد على ماذا تُقدِّم وكيف تقدِّم وما رسالتك التي تريدنا أن نعرفها؟ هذا المعيار الذي يجب أن نركِّز عليه بعيدًا عن الخوض في بحيرة الأقليات والأكثريات.

غسان حمدان: لكل لغة طبيعتها الخاصة التي أراني ألجها فأعرفني شخصًا آخر عن ذاك الذي عرفته باللغة الأخرى

  • الكتابة مغامرة كولومبسية بامتياز، وفقًا لهذي الرؤية، هل يجوز لنا عدُّ الترجمة متخيلًا من الدرجة الثانية؟

ليست الكتابةُ دائمًا مغامرة نحو المجهول، فأحيانًا كثيرة هي رحلة إلى وجهة معلومة بوسيلة معلومة وزمن معلوم ومدة محددة، وعودة إلى نقطة الانطلاق بسلام دون أي مغامرات تُذكر لكنها رحلة مختلفة، إذ الذات هي الوجهة لن نضيع في ذواتنا إذا عرفنا ماذا نريد قبل الانطلاق. وعمومًا الترجمة ليست متخيَّلا من الدرجة الثانية بل متخيَّلًا جديدًا. الترجمة إبداع آخر للأصل إلا إنها تستعين بالنص الأصلي ليوجِّهها ويعلِّمها كيف تتخيل، لكنها سرعان ما تبني لها برجًا خاصًا بها ساعية للاندماج في عالمها الذي تتوق إليه متحررة من النص الأصلي.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| هيفاء زنكنة: لا تزال المرأة في الصف الثاني في عالم الكتابة

  • يقول الكاتب والشاعر هاينر مول إنَّ الكتابة هي إقامةٌ على الحدود، حدثنا عن تأثير اللسان المزدوج في كتابتك للرواية والشعر..

اللغة لسان الفكر، لكن الفكر مقرون باللغة التي أفكِّر بها. لكل لغة طبيعتها الخاصة التي أراني ألجها فأعرفني شخصًا آخر عن ذاك الذي عرفته باللغة الأخرى، وهذا يعني أن أي لغة أكتب بها فهي تعبِّر عن نظير آخر لي، نظير يُستنبتُ من اللغة، أنا ابن اللغات المتعدد، تصنعني كل لغةً وفقًا لقواميسها ومفرداتها فغسان العربية مختلف عن غسان الفارسية. صحيح أني ذاتٌ واحدة في كل اللغات لكنها ذات متعددة الصور، أحاول دائمًا الاستفادة من هذه التعددية في كتابة نصٍ شامل اللغات والأفكار يجمع نظائري دون أن يُبرز هذا التمايز فيما بينها. أن تكتب النص بلغات متعددة لكن بأبجدية واحدة.

  • صادق هدايت كاتبٌ أحشائيٌّ، ذلك لأنّه ينطلق من السيرة الذاتية في ملامسته للعصب الحسّاس للكتابة، كيف تمكَّنت من التنزه في وعورة أوديته الإبداعية؟ وهل واجهتك معيقات في تعريبك لنتاجه؟

قد لا تصدق أن أول كتاب قرأته كان مختارات قصصية لـ صادق هدايت باللغة الفارسية وأنا في الثانية عشرة من عمري وقد بقيت محفورة في ذهني لسنوات طويلة. وحين هممت بترجمة جميع أعماله القصصية تذكرت أغلب القصص؛ لذلك لم أواجه الكثير من المعيقات في الترجمة، خاصة أن لدي أصدقاء من أبرز اللغويين والأكاديميين الإيرانيين ألجأ إليهم عندما أواجه مشكلة لغوية. ولكن المشكلة الأكبر كانت في تجميع قصصه كلها وإعدادها ضمن كتاب واحد. صحيح أن هدايت أصبح أديبًا عالميًا وترجمت أغلب أعماله إلى الفرنسية والألمانية والإنجليزية ولكن مع هذا فإن الرقابة الإيرانية منعت بعضًا من أعماله، وبات من الصعب العثور على بعض القصص. ولكن مع هذا استطعت بفضل الإنترنت وكذلك أحد الأصدقاء من العثور على بعض النسخ القديمة من المجلات الأدبية التي نشرت قبل عقود والحصول على قصص هدايت.

  • للسياسة إيقاع دائم في المنتجات الثقافية الإيرانية، كيف تمكَّنت من اجتياز حقول الألغام؟

أتجاوزه بسهولة ولا أعير له بالًا لأني مترجم لا سياسي ولا أقدِّم العمل على أنه عمل سياسي، أو ذا حمولة أيديولوجية بل أقدمه لقيمته الأدبية والفكرية والمعرفية التي هي متجاوزة لخطوط السياسات وصراعاتها، أما من يريد أن يُؤدلج النص ويحرفه عن مساراته حتى يُرضي نفسه فلست وصيًا عليه، ليفعل ما يشاء وأفعل ما أريد أنا بعيدًا عن أي توجيهات أو إرشادات خارج-نصيّة. كما أن الحقل الأدبي يتيح مساحة تحرك كافية للتنقل دون أن تجد نفسك مضطَّرًا للمضي وسط الألغام دون دليل مُرشد أو علامات تُعلِّمك طريقًا، لذا غالبًا ما أصل إلى الضفة الأخرى بدون خسائر تُذكر.

غسان حمدان: لا أقدِّم العمل على أنه عمل سياسي، أو ذا حمولة أيديولوجية، بل أقدمه لقيمته الأدبية والفكرية والمعرفية التي هي متجاوزة لخطوط السياسات وصراعاتها

  • هناك تشابك وتلاقح ما بين السينما والأدب الإيرانيين، برأيك أيٌّ منهما فتح باب التجديد أولًا؟

الطريف أن السينما الإيرانية دخلت عن طريق الملك القاجاري ناصر الدين شاه الذي جاء بالتصوير الفوتوغرافي والسينما إلى بلاده ليصور نساء حريمه، ليس هذا فحسب بل قام بتأدية دور صغير في الحرملك وأنتج أول فيلم في تاريخ البلاد. على كل حال، الرواية الإيرانية هي فتحت باب التجديد أولًا بعد رحيل ناصر الدين شاه والانتفاضة الشعبية الكبيرة التي عرفت باسم المشروطة أو الحركة الدستورية؛ إذ نشط الصحافيون وترجموا الآداب والمسرح الإفرنجي وكانت أغلب الصحف تنشر في إسطنبول، والطريف أن التجار هم من دعموا الصحف والأدب والتجديد لكونهم على إطلاع بالنشاطات الاجتماعية والثقافية والسياسية في روسيا القيصرية والسلطنة العثمانية. ومن هنا تأثر الأدباء والشعراء بحركة الترجمة وتطور الأدب الفارسي كثيرًا. ولكن السينما بشكل عام تحتاج إلى تمويل كما أن الرقابة التي فرضت على السينما بعد سقوط العهد القاجاري جمدت السينما؛ كما أن المنتجين اهتموا بالأفلام التجارية فقط وهذا ما مهد دخول الراقصين والمطربين في السينما الإيرانية كالأفلام الهندية أو الأفلام المصرية المعروفة "بالسحر الأسود والأبيض". التحديث في السينما الإيرانية بدأ في سبعينيات القرن العشرين وشهد تطورًا أكثر سرعة بعد الثورة الإسلامية التي فرضت الرقابة على الغناء والرقص والموسيقى، ما جعل المنتجون يهتمون على القصة أكثر. وبسبب هذا التغيير ولجت السينما الإيرانية مهرجانات الأفلام العالمية ونالت الكثير من الجوائز. ولكن هذا لا يعني أن الفيلم التجاري قد انقرض. كلا، هناك أفلام "أكشن" كثيرة موجهة للشباب الإيرانيين.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| باسم شرف: الكتابة لعبة القمار مع القارئ

  • في ظل تقدم السينما، ثمة غياب تام للمسرح الإيراني، هل لك أن تحدثنا عن دوره في الحياة الثقافية الإيرانية؟

المشكلة تكمن في أن الناشر العربي لا يدرك أهمية المسرح، والمؤسسات الحكومية مثل الهيئة العامة للكتاب أو المركز القومي للترجمة من توافق على طباعة مسرحيات مترجمة ونشرها. والاستثناء الوحيد هو أن يكون الكاتب المسرحي فاز بجائزة نوبل حتى تتكرم دار النشر بطباعة بعض المسرحيات، وليست كلها بذريعة عدم وجود زبائن مهتمين. على كل حال، إن المسرح الإيراني خلافًا للمسرح العربي مسرح جاد. المسرحيات العربية تجارية أغلبها وهي تندرج ضمن ما يسمى بالمسرح الكوميدي ورأيي أنها في الحقيقة أقرب إلى التهريج وبعيدة عن الكوميديا؛ وكما أرى فإن المسرح العربي يلفظ أنفاسه الأخيرة. ولكن في إيران ما زال المسرح حي ونشط وهناك مهتمون يتوافدون على المسارح كما يحضر الروس في دور الأوبرا. ليس هذا فحسب بل هناك كتاب مسرحيون معروفون جدًا في إيران مثل بهرام بيضائي، رضا قاسمي، محمد يعقوبي، أصغر نوري، محمود حسيني زاد و... ليس هذا فحسب بل إن المسرحيات المترجمة تنشر لدى الكثير من دور النشر. هناك أسباب من بينها اهتمام المثقفين بالمسرح، الرمزية في المسرح الإيراني، وفرض الرقابة الحكومية على الانترنت والفضائيات التي تسرق معظم وقتنا واهتمامنا... كما أن الرقابة حاربت المسرحيين والكتاب ومنعتهم من النشاط المسرحي مثل بهرام بيضايي الذي اشتهر بمسرحياته التاريخية ليعيش الآن في الولايات المتحدة، وكذلك رضا قاسمي الذي وضعت الرقابة الكثير من العراقيل في طريقه ليهاجر هو الآخر إلى فرنسا ويتفرغ لكتابة الروايات.. الحديث عن المسرح الإيراني بحاجة إلى كتب عدة ولا يمكن أن نختصره في عدة أسطر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة بلال خبيز

مكتبة طارق حمدان