حوار| باسم شرف: الكتابة لعبة القمار مع القارئ

حوار| باسم شرف: الكتابة لعبة القمار مع القارئ

الكاتب باسم شرف

جعلت السوشيال ميديا الكُتّاب محاصرين بين مطرقة النقّاد وسندان الجمهور، قليلون اليوم من يكتبون لأجل الكتابة إشباعًا لرغباتهم وليس إرضاء لمعايير الحكّام. الكاتب المصري باسم شرف أحد هؤلاء الذين يكتبون "ما يؤمنون به فقط"، وعبر العديد من الأعمال التي تنوعت ألوانها استطاع أن يقدم تجربة أدبية مغايرة. من المسرح إلى القصة القصيرة إلى السيناريو إلى الرواية أخيرًا، لم يعرف شرف الاستقرار الأدبي يومًا، هو فقط يكتب ما يخدم مشروعه الخاص، فرغم تخرجه من كلية الآداب بجامعة القاهرة إلا أن سؤال النقد لا يشغله كثيرًا، حيث تعلّم على أيدي أساتذته أن "يهتم بما يقدمه أكثر من كلام المحيطين".

مع صاحب "يا سلمى أنا الآن وحيد" و"جرسون" كان هذا الحوار في "ألترا صوت".


  • دعنا ننطلق من دراستك للغة العربية في كلية الآداب جامعة القاهرة، كيف ساعدتك الدراسة على تشكيل وعيك الأدبي في سن مبكرة؟

بصراحة تامة، اخترتُ أن أدرس اللغة العربية والأدب لأن حلمي منذ المرحلة الثانوية أن أكون كاتبًا. هذا هو مستقبلي. دخلت الكلية ودرست على أيدي أساتذة عظام تعلمت منهم الكثير، أهم ما تعلمته أن أتمسك بحلمي ككاتب، وأنهم رأوا فيّ مشروع كاتب. الثقة التي دعموني بها كانت المحفز الأساسي للاستكمال، إلى أن ذهبت لنفس القسم بعدما كبرت ككاتب لأتحدث عن رواية "جرسون" كجزء من مادة تدرس للصف الأول.. كم كان هذا اللقاء مرعبًا وملهمًا.

باسم شرف: أختار الشكل الأدبي المناسب لما أفكر فيه. لدي أفكار أطرحها في أي قالب طالما أعرفه جيدًا

  • بدأت مشوارك الأدبي بكتاب "جزمة واحدة مليئة بالأحداث" الذي ينتمي إلى مسرح التجزئة، وهو نوع أدبي غير معروف بكثرة في الأدب العربي، على عكس ما يفضل الكتاب المبتدئين دومًا من تجربة أنواع أدبية معروفة، فلماذا هذا الاختلاف؟

منذ بدأت وأنا أكتب ما يناسبني وليس لي علاقة بأن سوق النشر يحتاج رواية مثلًا. أختار الشكل الأدبي المناسب لما أفكر فيه. لدي أفكار أطرحها في أي قالب طالما أعرفه جيدًا. النتيجة دائمًا ما أنتظرها مع كل كتاب كجزء من لعبة القمار التي أخوضها مع القارئ. ربما أربح وربما أخسر.. لكن ما أقدمه يكون جزء من مشروعي الخاص.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة بلال فضل

  • كيف تعامل الناشرين مع كتابك الأول؟ وكيف أقنعت دار ميريت بنشره؟

كتابي الأول رُفض كثيرًا من أغلب دور النشر حتى جاءني صديقي الكاتب محمد فتحي في لحظة إحباط كبيرة وأنا على وشك التفكير في السفر، خصوصًا أني حصلت على بعض منح الدراسة في الخارج بسبب كتابي هذا قبل نشره. أحبطت بسبب نجاحي في الخارج وهنا وجدت صعوبات، لكن محمد هاشم صاحب دار ميريت كرجل مغامر قال "هنشره ورزقي ورزقك علي الله". وبالفعل بعد نشره عُرف الكتاب وتُرجم للغات عديدة وطبعت منه طبعات، رغم أنه كان كتاب مسرح وهذا ما لفت الأنظار إليّ ككاتب.

  • بعد نشر كتابك عبر دار ميريت أصبحت مديرًا لها، فكيف تصف هذه الفترة، خاصة وأن دار ميريت كانت تشكل ملتقى لكبار الكُتاب والأدباء مثل أحمد فؤاد نجم وسيد حجاب وغيرهم؟

دار ميريت كانت المركز الثاني للوعي بالنسبة لي بعد أساتذة الكلية. تعرّفت علي هاشم عن قرب وعرفت قلبه الأبيض وصدقه في اختيار مشاريعه رغم المعوقات التي كان يواجهها، وهناك عرفت كل الكتّاب الكبار اللذين تعلمت منهم الكثير ودعموني مثل الكاتب خيري شلبي وإبراهيم اصلان وصنع الله إبراهيم والشاعر إبراهيم داود وعم نجم وعم سيد حجاب، حتى أصدقائي من الكتاب الشباب تعلمت منهم الكثير.

باسم شرف: دار ميريت كانت المركز الثاني للوعي بالنسبة لي بعد أساتذة الكلية

  • تجربتك الأدبية الثانية كانت من خلال كتاب "كفيف لثلاثة أيام"، الذي ينتمي إلى فن القصة القصيرة، فما الذي دفعك للانتقال إلى هذا الفن؟

 كان لدي مشروع حكايات قصيرة عن العالم الذي أعيش فيه، وكان فن القصة القصيرة الأنسب لي في صياغة هذا العالم. كتبت أول قصة وحصلت بها على جوائز ومنح سفر وتمت ترجمتها، ثم أكملت كتابته وكنت في هذه الفترة موجودًا بلبنان وعدت ونشرته في دار العين.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| خالد زيادة: الدولة الدينية مفهوم حديث

  • إلى جانب كتاباتك الأدبية قمت بكتابة السيناريو لعدد من مسلسلات "السيت كوم" الناجحة مثل "تامر وشوقية" و"راجل وست ستات" فما الذي يميز كتابة السيناريو عن الكتابة الأدبية؟

السيناريو كان عملي الذي أتقاضى عنه قوت يومي كأي رجل يعمل في هذا الوطن. نجاح الأعمال التي شاركت فيها كانت السبب في أن أختار أعمالي اللاحقة وأقدم أفكاري، لكن من الممكن أن أقدم عملًا في السيناريو غير راض عنه لأني أحتاج إلى فلوس، وليست لدي مشكلة في هذا، طالما لا أمد يدي لأحد.. أما الأدب فلا أقدم إلا ما أؤمن به فقط.

  • هل توقفت عن كتابة السيناريو أم لديك مشاريع مستقبلية؟

توقفت لفترة كبيرة بسبب سوء المعاملة في الوسط الفني وأن ما يحدث جعلني أنفر من وجودي فلجأت لتقديم البرامج في أبو ظبي ونايل كوميدي وإذاعة 9090 حتى أستطيع العيش، لكنني راجع في 2020 بأعمال سيناريو إن شاء الله، ويا رب توصل للناس وتنجح وأعرف أكمل.

  • ينتمي كتابك الثالث "يا سلمى أنا الآن وحيد" إلى أدب الرسائل الذي نجد منه نماذج نادرة في الأدب العربي، فماذا الذي دفعك إلى شد الرحال إلى نوع جديد مرة أخرى؟

فن الرسائل هو فن النميمة. رسائل خاصة تخص فردين ثم تنتقل إلى العام وتنتشر بسبب حب الناس للنميمة.. أما أنا فكتبته للعام مباشرة كفن له خصوصية. هذا الفن يلائم الفترات التي تحدث بها تغيرات كبري في المجتمع أو للفرد. أنا بعد الثورة وفشلها ومقاومتي لتصديق هذا ضاع مني عددًا لا بأس به من السنين، ولم يكن هناك قالب فني يستوعب ما أفكر وما أمر به سوي هذا الفن، فقررت أن أحكي ما يحدث معي لسلمي بطلتي المفضلة.

باسم شرف: فن الرسائل هو فن النميمة. رسائل خاصة تخص فردين ثم تنتقل إلى العام وتنتشر بسبب حب الناس للنميمة

  • قررت الدخول إلى عالم الرواية من خلال روايتك "جرسون" فلماذا اخترت قالب الرواية هذه المرة؟

"جرسون" جاءت بعد نجاح كتاب "يا سلمى.."، وكانت لدي مشاريع كثيرة منها "سكّان الزمالك الأصليون" الذين أصبحوا فقراء رغم أنهم يعيشون في الزمالك أرقى مدن القاهرة. كنت أريد أن أعرفهم وأن أنقل هذه الحياة، وأيضًا عالم سكان باب البحر الشارع الذي كان مشهورًا بتجارة الدعارة. ماذا حدث لهذا المجتمع بعد إلغاء البغاء من مصر عام 47، فكانت "جرسون" عن بقايا مجتمعات قديمة لها خصوصية.. وكانت بمثابة دراسة لتاريخ مصر السري غير المعلن في كتب التأريخ.. مشروع صعب جدًا أخذ وقتًا كبيرًا، لكنه لم يأخذ حظه من الانتشار. ربما يتم قراءته قريبًا بشكل أفضل.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| طارق إمام: المدن الأكثر حداثة تبدو لي وثنيةً

  • لماذا تفضل التمرد على القواعد الأدبية ولا تنشغل بسؤال النقد رغم أنك تعلمت على أيدي كبار أساتذته مثل الدكتور جابر عصفور والدكتور شمس الدين الحجاجي؟

تعلمت منهم أن أهتم بما أقدمه أكثر من كلام النقاد والمحيطين. كانت أهم ميزة في الاقتراب منهم فزادت ثقتي في نفسي وفي ما أفكر، أما ما يحدث الآن من النقاد لا يعجبني إلا القليل منهم المحافظون على مهنة النقد ويتعاملون مع الأعمال بغض النظر ما يقال عنها. مثلًا أي كتاب ناجح هو كتاب فاشل، هذا ما يؤمنون به فلا يقتربون منها. وهناك نقاد صحفيون يحكون الأعمال ولا يكتبون نقدًا منهجيًا.. وهناك نفوس مريضة.. مرة ناقدة صحفية أرسلت لي حوارًا على الفيسبوك ولم أقرأه بسبب زحمة الرسائل في هذه الفترة من القراء بسبب كتاب يا سلمى، فوجدتها تكتب مقالًا سلبيًا دون قراءة العمل.. هل هذا يجعلني اهتم بالنقّاد؟

  • تعتزم إصدار روايتك "لو قابلتك من زمان" وهي المرة الأولى التي تقوم بإصدار كتابين من نفس النوع الأدبي، فهل وجدت ضالتك في الرواية؟

مصادفة أن يكون كتابان من نفس النوع، لا أقصد هذا. طول الوقت لدي مشاريع مسرح ورسائل وروايات.. فأهتم بالعمل الذي يناسب أفكاري في هذه اللحظة منها. هذه الرواية مناسبة لفك طلاسم هذه العدائية التي أصبحت مكونًا اجتماعيًا للأسف، وهذا ما جعلني أن أكتب عن أبطال طيبين وسط زحام القسوة في العلاقات.

  • أنت مشغول بالوحدة، ودائمًا ما تصفها بمزاج الأنبياء، بعد انتشار السوشيال ميديا كثر الحديث عن الوحدة حتى وصفها البعض بـ"الملاذ"، فما هي رؤيتك الخاصة للوحدة؟

الوحدة سبب أساسي بعد كل الأحداث الكبرى التي تصيب المجتمع بالفردية، مما يجعل الأغلبية تشعر بالوحدة فيعبرون عنها في كتابتهم اليومية.. وهذا على ما أعتقد سبب نجاح كتاب "يا سلمى" كان قريبًا منهم، وكان عن شعورهم أيضًا.

  • ذكرت في عدة حوارات أن "سلمى" هو اسم افتراضي لفتاة راسلتك عبر مدونتك ولكن رسائلها أثرت فيك بالقدر الذي ألهمك لكتابة كتاب، تلهمك المرأة دائمًا ولكن لماذا كان الإلهام مختلفًا ومنتجًا هذه المرة؟

المرأة مكون أساسي في كتابة الأدب مهما كانت الأعمال عن المجتمع وسلبياته، فالمرأة هي التي تعين البطل على الحياة دائمًا، وإذا شعر البطل بوحدة فإنه يبحث عن المرأة كونها خير سند، وإذا ضاقت به الدنيا يبحث عن المرأة أيضًا.. هي عمود الحياة والأدب والفنون.

باسم شرف: لكي أجيب على سؤال: ماذا حدث لمجتمع سكان باب البحر، بعد إلغاء البغاء من مصر عام 47، كانت رواية "جرسون"

  • أحيانًا تفضل الابتعاد عن صخب وسط البلد في القاهرة وتذهب إلى الإسكندرية لتحظى بقدر من الهدوء يمكنك من إتمام كتاباتك، هل يلهمك هدوء الإسكندرية بالحكايات أم يمكنك فقط من تفريغها على الورق؟

الإسكندرية خيرها كثير. إذا توقفت عن الكتابة تذهب إليها، وإذا توترت بسبب الكتابة تذهب إليها.. دائمًا ما تكتمل الكتابة على بحر الإسكندرية.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| محمد المطرود: ولدتُ في بيئة أحزانها عظيمة وأفراحها صغيرة

  • ما رؤيتك لمستقبل الكتابة في مصر والبلاد العربية؟

مستقبلها جيد وفي تطور وانتشار رغم الكتابات السيئة التي تنتشر، لكن الكتابات الجيدة صامدة وننتظر الكثير والكثير في الفترة القادمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار | الغربي عمران: لا أزدري الأديان لكن لا أستوعب "العبودية"

حوار| ابتسام عازم: يافا ولدت في داخلي