حلفاء الأسد يتقاتلون.. الصراع الروسي الإيراني من الخفاء إلى الواجهة

حلفاء الأسد يتقاتلون.. الصراع الروسي الإيراني من الخفاء إلى الواجهة

تشير المعطيات إلى صراع عسكري محتمل بين العانصر والميليشيات الموالية لروسيا وتلك الموالية لإيران في سوريا (أ.ف.ب)

الترا صوت – فريق التحرير

تشهد مدينة البوكمال منذ ثلاثة أيام اشتباكات بين قوات النظام السوري من طرف، وعناصر من الحرس الثوري الإيراني من طرف آخر، وذلك بعد اندلاع اشتباكات مماثلة مطلع العام الجاري أشارت تقارير صحفية إلى أنها اشتباكات مقاتلين مدعومين من موسكو، وآخرين يتلقون دعمًا من إيران، ما يشير إلى بروز خلافات كبيرة بين حلفاء النظام السوري، قد تكون نهايتها في حرب كبيرة لتحديد الفريق المسيطر على إدارة الملف السوري دوليًا.

تمثل الاشتباكات التي شهدتها مدينة البوكمال مثالًا حيًا لتباعد المصالح المشتركة بين حلفاء الأسد، كما أنها ليست المنطقة الوحيدة بل هي واحدة من مجموعة مناطق تشهد صراعًا روسيًا إيرانيًا

الحرس الثوري الإيراني يعتقل مقاتلي الأسد

تجددت الاشتباكات يوم الأحد بين عناصر من ميليشيا الدفاع الوطني التابعة للنظام السوري أغلبهم من مدينتي دير الزور والبوكمال، ومقاتلين من الحرس الثوري الإيراني وسط مدينة البوكمال بريف دير الزور، على خلفية محاولة الأخير مداهمة أحد مقرات الدفاع الوطني في المدينة، حيثُ أشارت شبكة فرات بوست الإخبارية إلى سقوط جرحى من الطرفين.

اقرأ/ي أيضًا: بعد تعزيز واشنطن ترسانتها العسكرية.. هل ينتظر الشرق الأوسط حربًا شاملة؟

وكانت الاشتباكات قد اندلعت بين الطرفين يوم السبت الفائت بعدما أقدم عناصر من الحرس الثوري على اعتقال عشرات العناصر من قوات النظام السوري نتيجة قيامهم بعلميات سرقة كبيرة في المدينة، وأشارت فرات بوست التي أوردت الخبر نقلًا عن مصادر خاصة أن الحاج سلمان المسؤول الأمني العام للحرس الثوري، أصدر أمرًا بحل درع الأمن العسكري في المدينة، والتحاق عناصره بالحرس الثوري، وبعد أيام من إصدار الحج سلمان للقرار عثر على شقيقه الجنرال الحاج رضا مقتولًا في حي الصناعة بالمدينة بعدة طلقات في الرأس، حيثُ بادر الحرس الثوري لاتهام عناصر من الفوج 47 بقتله، مرجعًا السبب لقيام الحج رضا بمصادرة المسروقات واعتقال عناصر من الفوج.

وتأتي التطورات الأخيرة التي تشهدها مدينة البوكمال في إطار محاولات الميليشيات الأجنبية التي يقودها الحرس الثوري السيطرة على المدينة بشكل كامل تمهيدًا للسيطرة على باقي محافظة دير الزور، فقد ذكرت دير الزور 24 أن الحرس الثوري أبلغ شفهيًا سكان حي الكتف في البوكمال بالخروج من الحي بأقصى سرعة لإسكان عوائل مقاتلي الميليشيات الإيرانية بدلًا منهم، مشيرًة إلى أن عددًا كبيرًا من منازل الحي تم منحه لعناصر ميليشيا حيدريون، وحزب الله اللبناني، وميليشيا النجباء العراقية.

 طهران تسيطر على مفاصل الحياة في دير الزور

كشف تحقيق موسع أعده مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي (مينا) أن إيران تسعى من وراء الميليشيات التي تدعمها للسيطرة على كامل مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في مدينة دير الزور، إذ إن معظم الفعاليات الاجتماعية التي تنظم في المحافظة تكون تحت رعاية المركز الثقافي الإيراني، فضلًا عن إشرافها على القطاع التعليمي، وتنشيطها لحركة شراء العقارات عبر "منظمة جهاد البناء" الإيرانية التي وقعت مع مديرية الزراعة التابعة للنظام السوري عقود تأجير أراض من أملاك الدولة غرب نهر الفرات لصالح شخصيات إيرانية لمدة 99 عامًا.

وتحدث تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في وقت سابق عن تزايد النفوذ الإيراني في المحافظة ذات الأهمية الاستراتيجية نظرًا لتداخلها مع الحدود العراقية، واحتوائها على كبرى حقول النفط والغاز الطبيعي في سوريا، وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن طهران تعمل في المنطقة على دفع السكان للتشيع، عبر تقديمها المساعدات الغذائية والأدوات المنزلية للسكان والتعليم المجاني وأماكن للسكن، وتعرض عليهم الانضمام لفيلق القدس الذراع الخارجي للحرس الثوري مقابل حصولهم على بطاقة هوية تخولهم المرور على الحواجز بدون تفتيش، بالإضافة لمبلغ 200 دولار أمريكي شهريًا، شريطة تحولهم للمذهب الشيعي.

وكان النظام السوري مدعومًا بالميليشيات الأجنبية التي تقودها إيران وسلاح الجو الروسي قد تمكن من استعادة السيطرة على البادية السورية التي تمتد من محافظة دير الزور شرقًا قرب الحدود العراقية إلى أقصى الجنوب السوري على الحدود الأردنية مطلع العام الفائت، إلا أنه لم يتمكن من بسط سيطرته على المحافظة بشكل كامل حيث تسيطر على شرق المحافظة المعروف بـ"شرق الفرات" قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

صراع روسي – إيراني من الخفاء إلى العلن

يبدو أن التوسع الإيراني في شرق سوريا غير مرضٍ لروسيا التي تعتبر نفسها الحليف الأبرز لرئيس النظام السوري بشار الأسد، وربما هذا السبب الذي يفسر التقارير الغربية والمحلية التي تحدثت عن اقتتال روسي – إيراني في سوريا منذ مطلع العام الجاري، والتغييرات التي عصفت بمراكز قيادية بين ضباط برتب عالية في النظام السوري قيل إنها جاءت بطلب من إيران، وأرادت أن يكون ضباط موالون لها في قيادات الصف الأول، لكن تقارير أخرى تحدثت عن أن التغييرات جاءت بطلب روسي، وفي كلا الأمرين نحن أمام انقسام بين حلفاء الأسد لا تزال هناك محاولات لاحتواء ظهوره للعلن.

وفشلت المساعي الروسية منذ تدخل موسكو رسميًا في سوريا في أيلول/سبتمبر 2015 في احتواء الميليشيات الأجنبية المدعومة من إيران، ما دفعها لتشكيل الفيلق الخامس اقتحام في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، واستمالتها للعميد سهيل الحسن الذي يقود قوات النمر، حيثُ ذكرت تقارير أن الهدف من تأسيس الفيلق الخامس توحيد كافة الميليشيات المحلية ضمن تشكيل واحد له قيادة موحدة، رغبة من روسيا بتقليم أظافر التواجد الإيراني في سوريا.

وكانت تقارير صحافية تحدثت عن اندلاع اشتباكات عنيفة في آذار/مارس الماضي بين القوات الروسية والميليشيات الأجنبية في مدينة حلب شمال شرق سوريا أسفرت عن مقتل 12 شخصًا، وهذه المرة الثانية على الأقل – منذ مطلع العام الجاري – الذي تندلع خلاله اشتباكات بين الطرفين، بعد اندلاع اشتباكات بين الدفاع الوطني والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد شقيق الأسد من طرف، وعناصر الفيلق الخامس من طرف آخر في منطقة سهل الغاب بريف حماة، انتهت بتنفيذ عمليات انتشار جديدة في كامل جبهات القتال في سهل الغاب بإشراف الفيلق الخامس.

هل تكون البوكمال ممرًا للنفوذ الروسي في شرق سوريا؟

تمثل الاشتباكات التي شهدتها مدينة البوكمال مثالًا حيًا لتباعد المصالح المشتركة بين حلفاء الأسد، كما أنها ليست المنطقة الوحيدة بل هي واحدة من مجموعة مناطق بدأت بدرعا في أقصى الجنوب السوري قبل أشهر، بالإضافة لاختلاف واضح في المصالح من جهة صراع الهيمنة على سوريا، وفرض شروط الفريق المنتصر في النهاية.

فالخلاف بين حليفي الأسد البارزين يأخذ مقاربات عديدة، يأتي في مقدمتها سعي روسيا إلى التركيز على إعادة تأهيل المؤسسات العسكرية التابعة للنظام السوري الرسمية لتصبح قوى أكثر فاعلية، فيما توظف إيران مواردها لنشر التشيّع بين سكان المناطق التي تملك تواجدًا للميليشيات الأجنبية المدعومة من طرفها، وتعمل خارج المؤسسة العسكرية الرسمية للنظام السوري.

ويشير الكاتب الروسي إيغور يانفاريف إلى أن محاولات روسيا إعادة هيكلة قوات النظام مجددًا، والتي كان آخرها تسريح واستقالة الضباط الموالين لإيران، ستكون بالغة الأهمية لأنها قد  تؤثر بشكل مباشر على العلاقات بين موسكو وتل أبيب، وهي من المسائل المدرجة على قائمة أعمال السياسة الخارجية الروسية في سوريا، لكنها من الممكن أن تزيد من مخاطر نشوب صراع داخل ضباط النظام السوري المنقسمين بولاءاتهم بين إيران وروسيا.

يضاف إلى ذلك أن طهران تجد نفسها بعيدة في الوقت الراهن عن التوافق مع موسكو نتيجة تقارب الأخيرة مع تل أبيب، فقد أوضح تقرير لموقع دويتشه فيله الألماني ابتعاد موسكو عن طهران في سوريا، مقابل ترسخ ثنائي جديد ممثلًا بموسكو وتل ابيب، يتفق على تقليل الوجود الإيراني في سوريا، ما يدفع بطهران لمواجهة العزلة تدريجيًا، وهو ما أكده وزير الهجرة الإسرائيلي يواف غالانت عندما صرح في كانون الثاني/يناير الماضي أن إخراج إيران من سوريا أصبح هدفًا مشتركًا لروسيا وإسرائيل.

اقرأ/ي أيضًا: ميناء اللاذقية عنوان مرحلة جديدة للإمبريالية الإيرانية

أما الخلاف الأكبر بين الحلفين فهو في المنافسة على إدارة ملف إعادة الإعمار أولًا، والحصول على اتفاقيات حصرية لإنتاج النفط والغاز في سوريا حاليًا أو مستقبلًا، فيما تخشى إيران أن تعيق مشروعها التوسعي الإقليمي الذي تهدف من خلاله إلى إنشاء خط سككٍ حديدية يصل من طهران إلى دمشق مرورًا بالعراق، وهو السبب الرئيسي الذي دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإلغاء فكرة انسحاب القوات الأمريكية من سوريا.

يأخذ الخلاف الإيراني الروسي مقاربات عديدة، في مقدمتها سعي روسيا إلى التركيز على إعادة تأهيل المؤسسات العسكرية التابعة للنظام السوري لتصبح قوى أكثر فاعلية، فيما توظف إيران مواردها لنشر التشيّع

لذا فإن الساحة السورية لا تزال بعيدة في المدى القريب عن أي تسوية سياسية، ليس بالنظر للخلاف بين حلفاء الأسد الذين يحاولون استمالة ولاء الميليشيات المحلية فقط، بل لما يشهده الشمال السوري من تصعيد عسكري بهدف استعادة السيطرة على ريف حماة الشمالي مع أجزاء من محافظة إدلب المعقل الأخير لمقاتلي المعارضة السورية، كما أنه ليس مستبعدًا أن تكون الجولة القادمة من المعارك بين حلفاء الأسد أنفسهم للسيطرة على مفاصل قرار الملف السوري دوليًا، والذي يظهر أن موسكو قريبة أكثر من طهران لإدارته بناءً على التصعيد الأمريكي الذي يشهده الشرق الأوسط اتجاه الأخيرة.