بعد تعزيز واشنطن ترسانتها العسكرية.. هل ينتظر الشرق الأوسط حربًا شاملة؟

بعد تعزيز واشنطن ترسانتها العسكرية.. هل ينتظر الشرق الأوسط حربًا شاملة؟

تواصل واشنطن الضغوط عسكريًا واقتصاديًا من أجل إخضاع طهران (Getty)

تواصل الولايات المتحدة تعزيز ترسانتها العسكرية ضمن منطقة الشرق الأوسط في إطار الحملة التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإخضاع النظام الإيراني للشروط التي فرضها بعد انسحابه من الاتفاق النووي في العام الماضي، ما يثير المخاوف من اندلاع حرب في المنطقة قد يُدفع بالدول العربية أو الغربية للانخراط بها رغمًا عنها، فيما تحاول إيران الضغط على الاتحاد الأوروبي لتحمل مسؤولية موافقته على الاتفاق الذي أبرم خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

جاء وصول التعزيزات العسكرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط بعد يوم واحد من توقيع ترامب أمرًا تنفيذيًا بفرض عقوبات إضافية على إيران تشمل قطاعات الحديد والصلب والألومنيوم والنحاس

حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" إلى الشرق الأوسط

أعلنت الولايات المتحدة يوم الخميس إرسال حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" إلى الشرق الأوسط، بعد يوم واحد من توقيع ترامب أمرًا تنفيذيًا بفرض عقوبات إضافية على إيران تشمل قطاعات الحديد والصلب والألومنيوم والنحاس، تهدف لحرمان طهران من عوائد الصادرات المعدنية التي تمثل 10 بالمئة من صادراتها بحسب بيان وزارة الدفاع الأمريكية، الذي أشار إلى أن واشنطن ستتخذ المزيد من الإجراءات "ما لم تغير طهران سلوكها بشكل جذري".

اقرأ/ي أيضًا: لهذه الأسباب لن نشهد حربًا أمريكية – إيرانية في سوريا!

وفي تعليقها على العقوبات التي استهدفت إيرادات صادراتها من المعادن الصناعية، قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن العقوبات الأمريكية "تخالف الالتزامات الدولية لهذا النظام، والأعراف الدولية"، مشددًة على أن واشنطن "ستكون مسؤولة عن الخسائر" التي ستتكبدها إيران من هذه العقوبات، وردًا على دعوة ترامب الحكومة الإيرانية للجلوس على طاولة الحوار من أجل التخلي عن برنامجها النووي، قال الحرس الثوري الإيراني إن طهران لن تتفاوض مع واشنطن، بالإضافة لاستبعاده وقوع أي هجوم عسكري أمريكي يستهدف طهران.

وفي محاولة أخيرة للضغط على الاتحاد الأوروبي للالتزام ببنود الاتفاق النووي الإيراني، أمهلت طهران القوى العالمية 60 يومًا لحماية الاقتصاد الإيراني من العقوبات الأمريكية، مشيرًة إلى أنها ستبدأ بعد انتهاء المهلة المحددة تخصيب اليورانيوم لمستوى يتجاوز المنصوص عليه في الاتفاق، وكما هو متوقع رفض الاتحاد الأوروبي في بيان صادر عنه التهديدات الإيرانية، وأكد بذات الوقت "مواصلة الجهود من أجل استمرار التجارة المشروعة مع إيران".

أضخم السفن الحربية في الشرق الأوسط

 وتعد حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" التي تحمل اسم الرئيس الـ16 للولايات المتحدة من أضخم السفن الحربية في العالم، وبحسب شبكة CNN الإخبارية فإن مجموعة لينكولن البحرية العسكرية تتكون من حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، وسفينة "يو إس إس ليتي جولف"، وسفينة "يو إس إس باينبريدج"، وسفينة "يو إس إس نيتز" و"يو إس إس ماسون".

وتعمل حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" التي قامت بتصنيعها شركة Northrop Grumman Shipbuilding على الطاقة النووية، وتم دخولها الخدمة لأول مرة عام 1989، وتستطيع حمل نحو 90 طائرة ما بين مقاتلات هجومية وقاذفات ومروحيات، ويتكون أسطولها الأساسي من مقاتلات – 18  A/F وانضمت للحاملة مقاتلات F - 35 مؤخرًا.

وشاركت حاملة الطائرات منذ دخولها الخدمة رسميًا في عملية عاصفة الصحراء عام 1991 ضد الغزو العراقي للكويت، وقادت المهام الموحدة في الصومال بين عامي 1992 – 1993، كما شاركت في قصف السودان وأفغانستان عام 1998، وعادت مرًة ثانية لتشارك في الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001، بالإضافة لمشاركتها في غزو العراق عام 2003.

 لكن أضخم سفينة حربية في العالم لا تمثل القوة العسكرية الوحيدة لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط، إذ تملك واشنطن العديد من القواعد العسكرية التي تتوزع في  دول الخليج العربي، ولديها قاعدتان عسكريتان في سوريا فضلًا عن التواجد العسكري في الأردن ومصر أيضًا، وكانت واشنطن قد وقعت في آذار/مارس الماضي اتفاقية مع سلطنة عمان لتنظيم وصول السفن والطائرات إلى مينائي الدقم وصلالة المطلين على الخليج العربي عبر مضيق هرمز الموازي للسواحل الإيرانية، في محاولة منها للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.

التصعيد الأمريكي.. مصالح مشتركة مع الحلفاء والأعداء

يشير التصعيد الأمريكي الأخير اتجاه إيران لمجموعة من المصالح المشتركة بين أقرب الحلفاء إليها، وليس نهايًة بأكثر الدول عداوًة معها ممثلًة بروسيا التي تسعى لاستعادة نفوذها العالمي، وكان واضحًا منذ وصول ترامب للبيت الأبيض الطريقة التي تعامل بها مع حلفاء واشنطن، وعلى رأسهم دول الخليج العربي عندما طالبهم بدفع المال مقابل تقديم القوات الأمريكية الحماية لهم، حيث عقد اتفاقيات وصفقات تتجاوز قيمتها 400 مليار مع السعودية، فضلًا عن اتفاقيات توريد السلاح الموقعة مع الإمارات.

إلا أن الأمر لا يقف عند تنفيذ ترامب لمطالب دول الخليج المرتبطة بتحجيم النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، أو حماية التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط، بل يتجاوزها لحماية إسرائيل من أي تهديد عسكري إيراني محتمل قد تواجهه، حيث أشارت دراسة أعدها مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن منظومة الصواريخ الإيرانية تعد "أكبر مصادر التهديد الإستراتيجي" ضد إسرائيل، مضيفًة أنه في حال فشلت واشنطن في إجبار إيران على فرض قيود على تطوير منظومتها الصاروخية، فإن طهران ستتمكن خلال العقد القادم من تطوير قدرات صاروخية تمكنها من ضرب أهداف عسكرية وبنى تحتية، ومرافق حساسة في العمق الإسرائيلي بدقة متناهية.

كما أن الضغوط الأمريكية المتزايدة على إيران قد تدفع العراق للعودة إلى المحور الذي ينصب ضمن المحاولات التي قادتها السعودية مؤخرًا، فقد ذكر تقرير لوكالة بلومبيرغ أن الوفود التي أرسلتها الرياض إلى بغداد الشهر الماضي قدمت تعهدات بتنفيذ استثمارات تصل قيمتها لمليار دولار، فضلًا عن افتتاحها قنصلية للسعودية في بغداد، وتخفيف رجال الدين السعوديين من خطابهم الهجومي ضد الشيعة العراقيين.

وتدخل روسيا إلى قائمة الدول المستفيدة من الصراع الإيراني – الأمريكي في المنطقة على الرغم من أنها تشكل حلفًا مع طهران في سوريا يدعم رئيس النظام السوري بشار الأسد، فقد ساهمت حزمة العقوبات الاقتصادية التي أعيد فرضها على طهران بارتفاع سعر النفط بنسبة 30 بالمئة الأمر الذي يصب في مصلحة موسكو، إذ بلغ إنتاجها للنفط العام الماضي مستوًى قياسيًا مرتفعًا بمعدل 11.16 مليون برميل يوميًا، كما أن الضغوط الأمريكية ستتيح لموسكو توطيد علاقاتها مع طهران أكثر من السابق، وقد تساعدهما على تجاوز الخلاف فيما يخص الأزمة السورية.

أما على الجانب الإيراني فإن الضغوطات الأمريكية المتزايدة على طهران قد تزيد من حجم المشاكل الداخلية لديها، حيثُ أشارت تقارير صحفية إلى أن رجال الدين الإيرانيين في مدينة قم بدأوا التشكيك في طبيعة الحكم الديني في إيران المعروف بـ"ولاية الفقيه"، ويتجه البعض منهم للابتعاد عن النظام السياسي القائم في الوقت الراهن الذي يتحكم بالاقتصاد الإيراني، ويمتلك الثروة المالية للبلاد التي يعيش نسبة كبيرة من سكانها أزمة معيشية حادة.

هل تنفذ واشنطن تهديدها بشن حرب على طهران؟

تناولت معظم التقارير الغربية مجموعة من الأسباب التي دفعت واشنطن لممارسة المزيد من الضغوطات على طهران من أجل إيقاف برنامجها النووي، يأتي في مقدمتها حديث واشنطن عن تخطيط طهران لشن ضربة عسكرية تستهدف قواتها في الشرق الأوسط، وبحسب المحلل السياسي في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية ديفيد إغناتيوس فإن التصعيد الأمريكي الأخير اتجاه إيران يأتي بعد ورود تقارير تتحدث عن نقل طهران عتادًا عسكريًا تمهيدًا لشن الهجوم على القوات الأمريكية، مشيرًا إلى أنه تلقى رسالة من قائد ميليشيا شيعية مدعومة من إيران في العراق عبر شخص وسيط يقول فيها إن الميليشيات المدعومة من إيران قد تموضعت بشكل يمكّنها من الرد على التصعيد الأمريكي في حال نفذت واشنطن تهديداتها العسكرية.

في هذا السياق، اعتبرت مجلة الإيكونومست البريطانية أن السياسيين الأمريكيين والإيرانيين المتشددين عادوا إلى الواجهة مجددًا، مشيرًة إلى أن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون بالاشتراك مع وزير الخارجية مايك بومبيو يحاولان الضغط اقتصاديًا لإسقاط النظام الإيراني، وتنفيذ ضربة عسكرية لإيقاف البرنامج النووي الإيراني، أما على الطرف المقابل فيبرز عدم ثقة الحرس الثوري الإيراني بواشنطن، مضيفًة أن احتمال حدوث سوء حسابات "كبير ومتصاعد" حيث من المرجح أن يكون مسرح الحرب بين البلدين في المياه الخليجية أو العراق أو حتى سوريا.

وتدعم صحيفة واشنطن بوست الأمريكية تقرير المجلة البريطانية فيما يخص بولتون، فقد أكد الأخير في كانون الأول/سبتمبر الماضي أن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا طالما بقيت القوات الإيرانية، مشيرًة إلى أن المعلومات التي سربتها واشنطن حول تهديد إيران للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط من الممكن أن يكون مصدرها إسرائيل، لكن من الصعب أخذها على محمل الجد دون أن يكون هناك تفسير أكبر لتحركات واشنطن الأخيرة في مياه الخليج.

وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن بولتون كان قد زور سابقًا معلومات استخباراتية تتعلق بالعراق وكوبا، الأمر الذي يذكّر بما يقوم به حاليًا بشأن التهديدات الإيرانية، لكن الظاهر أن ترامب يأخذ منحى مترددًا من الانضمام إلى حرب في الشرق الأوسط أكثر من جورج بوش، لذا قد يحاول بولتون استفزاز إيران لتقوم بالضربة الأولى، إذ من حيث النتيجة يمكن لحادثة عسكرية صغيرة في الخليج أن تدفع الجميع إلى حرب كبيرة.

اقرأ/ي أيضًا: ميناء اللاذقية عنوان مرحلة جديدة للإمبريالية الإيرانية

كما اعتبر الكاتب المختص بالشؤون الدولية سايمون تيسدال في صحيفة الغارديان البريطانية أن طهران تواجه خيارات صعبة أمام سياسات واشنطن العدائية والمستمرة التي تهدف إلى تغيير النظام الإيراني القائم، مشيرًا إلى أنه على الرغم من رغبة ترامب تجنب نشوب صراع عسكري في الشرق الأوسط، فإن مسؤولين في الإدارة الأمريكية مثل بومبيو وبولتون ونائب الرئيس مايك بنس "الذين يديرون الملفات الخارجية بينما ترامب يلعب الغولف ويغرد على تويتر لا يشعرون بالخجل من تكرار أخطاء التدخل العسكري في الخارج، وفي الغالب سيستمتعون بتنفيذ ما يريدون".

يشير التصعيد الأمريكي الأخير اتجاه إيران لمجموعة من المصالح المشتركة بين أقرب الحلفاء إليها، وليس نهايًة بأكثر الدول عداوًة معها ممثلًة بروسيا التي تسعى لاستعادة نفوذها العالمي

وكانت صحيفة ديلي بيست الأمريكية قد قالت في تقرير لها إن بولتون بالإضافة لآخرين في الإدارة الأمريكية يبالغون في حجم المعلومات الاستخباراتية المرتبطة بتهديد طهران للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وإذا ما أردنا مقارنة التقارير السابقة نجد أنها تتوافق على وجود عدم مصداقية في التقارير التي قالت الإدارة الأمريكية إنها استندت إليها لممارسة المزيد من الضغوط على طهران، لكنها في نهاية الأمر قد تقود المنطقة إلى حرب في حال نشبت قد تعيد رسم ملامح الخارطة السياسية للمنطقة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 العراق والعقوبات على إيران.. كل شيء في عباءة طهران!

تقدير موقف: العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد فرض العقوبات.. احتمالات التصعيد