التعليم المصري.. أزمات مستمرة ووزير يثير الجدل

التعليم المصري.. أزمات مستمرة ووزير يثير الجدل

البوكليت مجرد مسكن لمشكلة الغش ووزراء التعليم في قفص الاتهام (الأناضول)

يرى كثير من المتابعين أن غياب السياسات العامة وعدم وضوح الرؤية لدى الحكومة المصرية والمسؤولين هو ما يجعل أي تغيير يتم داخل تلك المنظومة لا قيمة له ما دامت السياسات المؤدية لفشل الحكومات السابقة باقية كما هي، فتغيير السياسات هو أول خطوة نحو التغيير الحقيقي المنشود وتغيير بعض المفاهيم حول الرأي والرأي الآخر واجب أيضًا، فقد أصبح المسؤولون يضيقون صدرًا بتنوّع الآراء وتعددها، وانتقل هذا من القيادة السياسية إلى المستويات الإدارية الأقل، حتى أصبح كل وزير في حكومة شريف إسماعيل وما قبلها يعمل وفق رؤيته الشخصية والفردية ولا يرى ما عداها.

صرح وزير التعليم المصري الجديد أن "البوكليت" مجرد مُسكِّن لمشكلة الغش الإلكتروني وتسريب الامتحانات، ولكنه ليس حلًّا جذريًا

أحد الأدلة على هذا الطرح هي تصريحات الدكتور طارق شوقي، وزير التربية والتعليم الجديد، بشأن النظام الجديد للامتحانات المقرر تطبيقه خلال العام الحالي، والمعروف باسم "البوكليت"، حيث قال الوزير إن "البوكليت" مجرد مُسكِّن لمشكلة الغش الإلكتروني وتسريب الامتحانات، ولكنه ليس حلًّا جذريًا لأزمات الثانوية العامة ولن يقيس قدرات الإبداع لدى الطلاب.

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. مسلسل تسمم التلاميذ مستمر

وقد عقد الوزير الجديد مؤتمرًا صحفيًا عقب أدائه اليمين الدستورية، وردًّا على سؤال بشأن غياب قياس الإبداع والابتكار بأسئلة امتحانات "البوكليت"، قال إن النظام الجديد لن يحقق حلم الوزارة في بناء الطالب المتعلم المفكر المبتكر، ولكنه نظام مؤمَّن للحدّ من الغش الإلكتروني، فكرته بسيطة جدًا تقوم على دمج ورقتي الأسئلة والإجابة في كراسة واحدة، مؤكدًا أنه يتطلَّب تكلفة عالية جدًا (هذه النقطة الأخيرة لن تشغل بال الوزارة كثيرًا لأن التكاليف الباهظة للنظام الجديد سيتكفَّل بها مجالس الآباء والجمعيات والمشاركة المجتمعية في كل محافظة، بحسب تصريحات رضا حجازي رئيس قطاع التعليم العام بالوزارة).

وكان الهلالي الشربيني، وزير التربية والتعليم السابق في حكومة شريف إسماعيل، تبنَّى وقت توليه المسؤولية نظام "البوكليت" وقام بدعاية مكثفة لترويج النظام الجديد، مدعيًا أنه نموذج جاد يعطي الفرصة للطالب المتفوق للحصول على حقه. أخطر الشربيني رئاسة الجمهورية بمشروعه، والتقى رئيس الوزراء أكثر من مرة لاعتماد النظام الجديد، وزار هذا الأخير وزارة التربية والتعليم لدعم الوزير في مشروعه "الجاد والمتميز"، بحسب تصريح شريف إسماعيل حينها، ثم خرج الشربيني في منتصف كانون الثاني/يناير الماضي بتصريحات غاية في التفاؤل عن "البوكليت" وعن كونه أمل الوزارة في القضاء على أزمة الغش وتسريب الامتحانات.

فجأة، ترك الشربيني الوزارة في التغيير الوزاري وحلّ محله طارق شوقي، وجاءت الصدمة الأولى للرأي العام عن "البوكليت" حين قال الوزير الجديد عنه إنه "نظام عبيط ولا جدوى منه"، وأن تطبيقه سيكون مؤقتًا جدًا لحين البحث عن بدائل، وانتقد الوزير الجديد الإعلام لتضخيمه أهمية "البوكليت".

اقرأ/ي أيضًا: "فيسبوك" سبب في فصل طلاب مصر.. فاشية الأكاديميا

في مصر 22 مليون طالب تقريبًا في مراحل التعليم المختلفة ولا يعرفون الطريق الأفضل لتحصيل العلم، وأولياء الأمور مشتتون أيضًا

البعض عاب على الوزير الجديد عدم إنصافه بإلقاء اللوم على سلفه بدلًا من رئيس الحكومة الذي هلّل وبشَّر الرأي العام بالبوكليت، لكن بعيدًا عن تفسيرات تصريحات الوزير الجديد، فإن المؤكد هو دلالته في التأشير إلى سوء وضعف في الإدارة وعدم وضوح الرؤية وشخصنة عالية لدى صاحبه، فالوزير الجديد نفسه كان شريكًا في وضع نظام "البوكليت" خلال عمله كرئيس للمجلس التخصصي للتعليم بالرئاسة قبل توليه المنصب مباشرة، الأمر الذي يطرح علامات استفهام كثيرة حول الكيفية التي تُدار بها سياسات إصلاح التعليم المصري والطريقة التي يتعامل بها المسؤولون معه.

البعض أشار إلى أن شوقي فضّل مجاراة الوزير السابق وقت الإعلان عن نظام "البوكليت" حتى لا يُحسب على الصوت المعارض المشاكس، لكنه حين صار وزيرًا واتته الجرأة لانتقاده علانية، وهو ما يعيدنا إلى المشكلة المزمنة لدى المسؤولين الذين يديرون البلد كلًا في منصبه وفق رؤيته ووفق سياسته هو، ما يطرح تساؤلات ممتدة تقودنا إلى تخمين وجود عدد من المسؤولين الحكوميين الرافضين لسياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي ولكنهم لا يقدرون على إبداء اعتراضهم أو رفضهم حتى لا ينالهم غضبه ويجدون أنفسهم مطرودين خارج جنّة الدولة.

ثمة كارثة تقوم بها الحكومات المتتالية بشأن التعليم في مصر الذي ينبغي أن يسير وفق خطة موضوعة من جانب الدولة ككل ولا يحق لأي وزير الحيد عنها لأنها باختصار قضية أمن قومي. في مصر 22 مليون طالب تقريبًا في مراحل التعليم المختلفة ولا يعرفون الطريق الأفضل لتحصيل العلم، وأولياء الأمور مشتتون في ظلّ اهتراء واضح للجميع، والدولة لا تملك الخطط الكفيلة لإصلاح التعليم. والواقع هو تكدس طلابي في الفصول وحشو مقصود وغير مُبرَّر للمناهج، وعجز واضح لأولياء الأمور أمام جشع الدروس الخصوصية التي تلتهم 40% من دخل الأسر الفقيرة. نحن أمام جريمة مكتملة الأركان كشف عنها نظام البوكليت الحائر بين الشربيني وشوقي، وصمت معيب وصادم لرئيس الحكومة والدولة بأكملها.

اقرأ/ي أيضًا:

المدارس في مصر.. سوق تجارية بلا تعليم

ما هي أبرز مواقع التعليم عبر الإنترنت في العالم؟