البوصلة نحو موسكو.. هكذا أصبح بوتين الزعيم الجديد للشرق الأوسط

البوصلة نحو موسكو.. هكذا أصبح بوتين الزعيم الجديد للشرق الأوسط

خلال السنوات القليلة الماضية استطاع بوتين تسيد الموقف في الشرق الأوسط (هانا بيترز/ Getty)

استغل بوتين رفع الولايات المتحدة ليدها من الشرق الأوسط، تحديدًا الأزمة السورية، ليتسيّد بدوره الموقف في الشرق الأوسط، يسد فراغ الزعامة الذي تسببت فيه إدارة أوباما، وتبعه على خطاه ترامب حتى الآن على الأقل. وكالة بلومبيرج، أعدت مادة تحليلية توضح كيف أصبح بوتين الزعيم الجديد للشرق الأوسط، نعرضها لكم مترجمةً بتصرف.


الإسرائيليون والأتراك والمصريون والأردنيون، جميعهم تحدق أنظارهم صوب الكرملين، آملين أن يؤمن فلاديمير بوتين احتياجاتهم ويحل مشاكلهم، بعد أن أصبح سيد الشرق الأوسط الجديد.

حتى وقت قريب كانت واشنطن بمثابة سيدة الشرق الأوسط، قبل أن تنقلب الآية لصالح روسيا بعد تدخلها العسكري في سوريا

وها هو العاهل السعودي، سلمان بن عبدالعزيز، يلحق بركبهم، ليكون أول ملك سعودي يزور موسكو، أمس الأربعاء، وعلى رأس أجندة زيارته كبح جماح إيران، التي هي حليف روسيا الأقرب، والعدو اللدود للخليج العربي.

اقرأ/ي أيضًا: الأسد.. مصيرٌ تصنعه تحالفات روسيا

وحتى وقت قريب كانت واشطن الوجهة المقصودة لهؤلاء الزعماء، أما الآن فإن نفوذها في المنطقة يتراجع بشكل ملحوظ، خاصة بعد التدخل الروسي العسكري الناجح في سوريا، والذي رد الحياة لبشار الأسد، بعد سنوات من إصرار الولايات المتحدة على رحيله، لكن دون أخذ مبادرة في سبيل ذلك.

يقول دينيس روس، زعيم مفاوضات السلام بالشرق الأوسط "الأمريكي سابقًا"، ومستشار عدة رؤساء أمركيين، بما فيهم أوباما: "لقد تغير الواقع، وتوازنات القوى على الأرض. نجح بوتين أن يجعل روسيا لاعبًا أساسيًا في الشرق الأوسط، لهذا ترى سلسلة من زيارات زعماء المنطقة إلى موسكو".

لكن النجاح يجلب معه مشكلاته، إذ تتراكم المطالب المتعارضة، وليس من السهل أن تعيد كل هؤلاء الزعماء إلى عواصمهم راضين، أو كما يقول دينيس روس: "كلما حاولت أن تتلبس دور الصديق للجميع كلما اكتشفت صعوبة هذه اللعبة".

عندما قرر أوباما رفع يده عن الشرق الأوسط، تبدل الموقف لصالح بوتين (تشيب سوموديفيلا/ Getty)
عندما قرر أوباما رفع يده عن الشرق الأوسط، تبدل الموقف لصالح بوتين (تشيب سوموديفيلا/ Getty)

كانت موسكو قوة مؤثرة في الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة بتسليحها العرب ضد إسرائيل، قبل أن يتهاوى نفوذها بسقوط الاتحاد السوفيتي، حتى أنه حين اجتاحت الولايات المتحدة العراق لإسقاط نظام صدام حسين، لم تكن روسيا أكثر من متفرج لا يقدر على أكثر من التظاهر.

لكن الأدوار بدأت تنقلب منذ 2013، حين قررت إدارة أوباما ألا تهاجم الأسد، وبعد عامين من ذلك، أرسل بوتين قواته وطائراته لحماية النظام السوري. 

الآن تظهر النتائج

كان حلفاء الولايات المتحدة الأساسيون، أغلب الوقت، في المعسكر الداعي لرحيل الأسد، وقد اصابتهم خيبة الأمل حين قررت الولايات المتحدة عدم التدخل عسكريًا ضد الأسد. عن هذا يقول خالد البراطفي، أستاذ بجامعة فيصل فرع جدة، إن "نفوذ روسيا في المنطقة تزايد لأن أوباما سمح بذلك"، مُوضحًا: "لقد انسحب أوباما من المنطقة بدرجة كبيرة".

انتشر هذا التصور، حتى أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عبر عنه بوضوح الشهر الماضي، وهو الذي استمر لسنوات يحث الولايات المتحدة على التدخل العسكري ضد الأسد، قبل أن يُصرح قائلًا: "لم تسفر محاولاتي عن نتائج".

وانضمت تركيا إلى إيران وروسيا، في خطة مشتركة، لنزع فتيل الصراع. ووصف أردوغان النتائج بأنها "ناجزة". فقد كان التوتر بين أردوغان وبوتين قبل عامين عند معدل الغليان بعد أن أسقطت تركيا مقاتلة روسية على أطراف سوريا، لكن تبدل الأمر. والجمعة الماضية سافر بوتين لأنقرة للعشاء مع نظيره التركي، وصديقه الذي وافق على شراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية (S-400)، مغيظًا بذلك أعضاء حلف الناتو.

السعودية على الطريق لروسيا

في الأثناء، كانت السعودية، التي دعمت بشدة في البداية رحيل الأسد، تتعاون مع روسيا لإقناع المعارضة بالتوحد لأجل مفاوضات السلام، التي غالبًا ستوطد أركان رئاسة الأسد!

ورحب أغلب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بانتقال الرئاسة الأمريكية إلى ترامب، صاحب الموقف المتشدد من إيران، رغم أنه، حتى الأن، ما زال متبعًا لخطى سلفه في سياسته تجاه سوريا، ومركزًا على مقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لا الأسد.

إلى الآن لا يزال ترامب متبعًا لخطوات سلفه أوباما في سياساته تجاه سوريا، مركزًا على قتال داعش وليس نظام الأسد

وبتراجع هدف تغيير النظام في سوريا، تغيرت الأولويات بالتبعية. فالسعودية وحلفاؤها، يحضون روسيا على تحجيم دور إيران في سوريا، التي بدورها تدعم حزب الله ومليشيات أجنبية أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: أمريكا والأزمة السورية.. رصيد من العنتريات الفارغة

"على روسيا ألا تنحاز إلى جانب واحد، هذه هي الرسالة الرئيسية"، هكذا يقول عبدالخالق عبد الله، محلل إماراتي، مُضيفًا: "ها هو الملك السعودي ممثلًا لدول الخليج و قوى جيوسياسية عديدة، يأتي إلى روسيا وعلى روسيا أن تأخذ هذا فى الاعتبار". في المقابل، يقول مصدر مقرب من الكرملين، إن "روسيا لن تغير موقفها من إيران لتحتضن الأماني السعودية بهذا الشكل"، بتعبيره.

سلمان بن عبدالعزيز هو أول ملك سعودي يزور موسكو (ميخائيل سفيتلوف/ Getty)
سلمان بن عبدالعزيز هو أول ملك سعودي يزور موسكو (ميخائيل سفيتلوف/ Getty)

شعرة معاوية روسية مع الجميع

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي زار موسكو أربع مرات خلال 18 شهرًا، فقد وجد أنه من الصعوبة بمكان أن يؤثر على الزعيم الروسي. وفي آب/أغسطس الماضي، أخبر نتنياهو بوتين أن توطيد أقدام إيران المتزايد في سوريا "أمر غير مقبول"، ثم في أيلول/سبتمبر المنصرم، صرح لقناة "سي إن إن"، بأن "الإيرانيين يحاولون استعمار سوريا بهدف تدميرنا واحتلال الشرق الأوسط".

في حين أكد مصدر مطلع داخل موسكو، أنه مع ذلك، رفضت سوريا طلب نتنياهو إنشاء منطقة منزوعة السلاح في سوريا من شأنها أن تبعد قوات إيران وحزب الله على الأقل 60 كيلومترًا عن الحدود الإسرائيلية، بينما عرضت روسيا مساحة خمسة كيلومترات كبديل. 

ورفضت روسيا أيضًا طلبًا من الولايات المتحدة بجعل نهر الفرات خطًا فاصلًا بين قوات الحكومة السورية والقوات التي تدعمها الولايات المتحدة في شرق سوريا. وقد قاد هذا الرفض إلى سباق من أجل الاستيلاء على مساحة الأراضي التي نجمت عن انسحاب مقاتلي داعش من إحدى المناطق الحدودية الاستراتيجية والغنية بالنفط.

ورغم هذا، نجحت روسيا قي الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الجهات، من إيران إلى السعودية ومن حركة حماس إلى إسرائيل، وذلك حسب ما قال "أيهم كامل"، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة "يوريشيا".

وعلى الرغم من أن روسيا لم تفسح الطريق أمام فكرة المنطقة العازلة، إلا أنها كان لديها فهم ضمني يسمح لإسرائيل بتنفيذ غارات جوية ضد حزب الله في سوريا، حسبما يقول أندريه كورتونوف، المدير العام لمجلس الشؤون الخارجية الروسي، وهي مجموعة بحثية أسسها الكرملين.

كذلك كان لروسيا دور في إجراء المصالحة الفلسطينية الأخيرة. كما أن بوتين دعا الأطراف المتقاتلة في ليبيا لزيارة موسكو، في محاولة منه للعب دور الوسيط هناك. أما كردستان العراق، فروسيا الآن تعد مستثمرًا رئيسيًا في الإقليم الغني بالنفط، كما أنها من القوى الدولية القليلة التي امتنعت عن استنكار استفتاء انفصال كردستان.

أمريكا وروسيا.. من الأكثر تأثيرًا؟

من الناحية الاقتصادية، يبدو التنافس على النفوذ غير متساوٍ، إذ إن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي يبلغ 13 ضعف نظيره الروسي، لكن ألكسندر زوتوف، السفير الروسي لدى سوريا بين عامي 1989 و 1994، يرى أن ذلك "ليس عامل الحسم على الدوام".

ويوضح زوتوف: "أحيانًا يكون لديك ملاكمان يخرجان إلى الحلبة، ويكون أحدهما بعضلات منتفخة والآخر أصغر حجمًا لكنه أكثر رشاقة ويمتلك تكنيكًا أفضل".

رغم التفوق الاقتصادي بفارق كبير لصالح أمريكا، لكن ذلك لم يمنع تسيّد روسيا للموقف خاصة في الشرق الأوسط

وجاء صعود روسيا في ظل انشغال صناع السياسة في الولايات المتحدة بآسيا، وشعور عامة الأمريكيين بالتعب من حروب الشرق الأوسط، وهو الشيء الذي أقر به كل من أوباما وترامب.

ويقول أيهم كامل من مجموعة يوريشيا: "لا تزال واشنطن قوةً لا غنى عنها في المنطقة"، لكن التزامها بالتحالفات التقليدية آخذ بالتراجع وهو ما شجع القادة الإقليميين على الدفع برهاناتهم، مُضيفًا: "إن الكرملين موجود في عقل كل الأطراف".

 

اقرأ/ي أيضًا:

بسبب سوريا..روسيا تقوم بأكبر انتشار بحري منذ عقود

كيف تحاول روسيا التأثير في الانتخابات الأمريكية؟