استعادة

استعادة "رجل دبابة" تيانانمن.. خوف الطغاة من الذكريات

تحولت صورة "رجل الدبابة" إلى أيقونة للاحتجاجات الشعبية (نيويورك تايمز)

على الرغم من القبضة الحديدية سياسيًا واقتصاديًا، حتى ثقافيًا، التي تفرضها قيادة الحزب الشيوعي الصيني على البلاد منذ أكثر من نصف قرن. إلا أن الصين شهدت محطات كبرى من الرفض والمقاومة والاحتجاجات ضد السلطة ومنهجها. كانت من بين أبرزها حراك الطلاب في تيانانمن، ذلك الميدان الشهير الذي أمته الدبابات والملالات العسكرية لفض بذور الـ"لا" في وجه أوليغارشية ورثة شيوعية ماو تسي تونغ الرأسماليين. من بين أبرز المشاهد التي طبعت وعي العالم بتلك الموجة، كانت صورة رجل يواجه الفولاذ الحربي بلحمه العاري وأكياس بقالته، لتدور محركات التاريخ عقدين ويتكرر مشهد مقاومة مشابه في فلسطين، أينما وقف الشهيد الطفل فارس عودة بحجره، ولحمه العاري أيضًا، أمام فخر صناعة إسرائيل الحربية، دبابة الميركافا. في ذكرى المشهد الـ29 أضاءت صحيفة الغارديان البريطانية في طبعتها الدولية على هذه الذكرى، وتفاعلاتها الكونية عبر منصات "السوشال ميديا" إذ ننقل ترجمة هذه الإضاءة بتصرف أدناه. بينما يتجاهل العالم نفسه أبناء جيل فارس عودة، بل ويتنكر لمقاومتهم الشعبية ويجرمها اليوم.


يحيي المواطنون الصينيون في جميع أنحاء العالم ذكرى الرجل الوحيد، الذي لم يكن مسلحًا إلا بكيسي تسوق، والذي واجه رتلًا من الدبابات التي كانت تجوب شوارع بكين عام 1989.

إحياءً للذكرى التاسعة والعشرين لحملة تيانانمن، يعيد المتظاهرون تجسيد تلك المواجهة على مواقع التواصل

يُعد الرجل الذي اشتهر باسم "رجل الدبابة" أحد أكثر الصور المخلدة لحملة القمع العسكري العنيف على المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية في ميدان تيانانمن، تلك الاحتجاجات التي عُرفت في الصين باسم "ليوسي"، أو "4 حزيران/يونيو".

وإحياءً للذكرى التاسعة والعشرين لحملة تيانانمن، يعيد المتظاهرون تجسيد تلك المواجهة على مواقع التواصل الاجتماعي عبر وسوم #Tankman2018، و #Tankmen2018، وهي الحملة التي دشنها الفنان ورسام الكاريكاتير الصيني، باديوكاو.

وحسب ما قال باديوكاو، يمثل رجل الدبابة "شيئًا يفتقده جيل الشباب في الصين اليوم -كالمثالية، والشغف، والشعور بالمسؤولية، والثقة بأن شخصًا واحدًا بإمكانه إحداث تغيير". وأضاف "أن رجل الدبابة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحاضرنا المعاصر، ولابد أن يراه الناس. لم يتغير المجتمع بصورة كبيرة منذ وقوع المذبحة، كما أن الاضطهاد لم يتوقف أبدًا".

اقرأ/ي أيضًا: هل أصيب المثقف العربي بـ"متلازمة ميدان تيانانمن"؟

طلب باديوكاو من المتظاهرين التقاط صور لأنفسهم وهم يرتدون "ملابس قديمة الطراز" مشابهة لما كان يرتديه رجل الدبابة: قميص أبيض، وبنطال أسود، وحذاء أسود، ويحملون حقيبتين بيضاوتين. وضع الفنان تصميمات لتلك الحقائب تحمل صورًا لـ Peppa the Pig، و Winnie-the-Pooh، وهي الشخصيات الكرتونية الخاضعة للرقابة في الصين، فضلًا عن عبارة "mi tu" أو "rice bunny" التي أصبحت ممنوعة الآن بعدما كان يستخدمها نشطاء حملة "#MeToo".

ونشر تشو فنغسو، الناشط الصيني الذي كان قائدًا طلابيًا أثناء احتجاجات 1989، صورًا لنفسه في واشنطن. كما يظهر في التغريدة التالية

بينما نشر آخرون من كندا إلى نيوزيلاندا، صورًا لأنفسهم تضامنًا مع رجل الدبابة.

ونظم طلاب وعمال صينيين، بالإضافة إلى محتجين آخرين مظاهرات وإضرابات عن الطعام تطالب بإجراء إصلاحات ديمقراطية في ربيع عام 1989. إلا أنه بحلول الرابع من حزيران/يونيو، توقف الحراك تمامًا بعد نشر أكثر من 200 ألف جندي لقمع هذا الاحتجاج، ما أسفر عن مقتل مئات، إن لم يكن آلاف من المدنيين.

وفي اليوم التالي الموافق الخامس من حزيران/يونيو 1989، توجه رجل يرتدي قميص أبيض فضفاض إلى رتل من الدبابات معترضًا طريقه في أحد الشوارع القريبة من ميدان تيانانمن، حسب ما أظهره مقطع فيديو التقط الحادثة. حاولت الدبابة في بادئ الأمر تفاديه، لكنه اعترض طريقها مجددًا. توقفت الدبابة، ثم قفز الرجل عليها، ودق على كوتها فيما يبدو طالبًا للتحدث لأحد الجنود بالداخل. وعندما نزل من على ظهرها، واصل اعتراض طريقها حتى أتى رجلان مسرعان وأبعداه عن الطريق. بُثت تلك اللحظة في جميع أنحاء العالم، وبات يُعرف هذا الرجل برجل الدبابة.

فارس عودة

بررت السلطات الصينية شنها لتلك الحملة القمعية بادعاء أن تلك الاحتجاجات كانت بتحريض "عملاء الثورة المضادة" التي تستغلهم قوًى خارجية لتهديد استقرار البلاد. ولا يزال إظهار الحزن على الضحايا، أو حتى مناقشة تلك الأحداث ممنوعًا تمامًا.

اقرأ/ي أيضًا: بين إدوارد سعيد والمسيري.. تأملات في فقد الحرية

تحافظ الشرطة على تواجد مكثف مع حلول شهر حزيران/يونيو من كل عام حول ميدان تيانانمن، كما يُبعد نشطاء حقوق الإنسان عن العاصمة. وقد اعتقل رجلان في محافظة هونان لرفعهما لافتات كُتب عليها "الذكرى السنوية التاسعة والعشرين للرابع من حزيران/يونيو"، وذلك حسب ما أوردته إذاعة آسيا الحرة. كما احتجز أربعة رجال من محافظة سيتشوان منذ منتصف عام 2016 لصنعهم شرابًا كحوليًا يحمل اسم "باجيوليوسي"، وهو اسم مجازي لاحتجاجات الرابع من حزيران/يونيو 1989، إذ تلاعبوا بلفظ الاسم ليكون "بايجيو" المعبر عن الرقم 89، بدلًا من "بايجيو". وتجدر الإشارة إلى أنهم لا يزالون في انتظار المحاكمة حتى الآن.

توجه رجل يرتدي قميص أبيض فضفاض إلى رتل من الدبابات معترضًا طريقه في أحد الشوارع القريبة من ميدان تيانانمن ليصبح أيقونية احتجاجية عالمية

بحلول يوم الاثنين، لم تتعرض وسائل الإعلام الرسمية والتابعة للدولة بالإشارة للذكرى السنوية لتلك الأحداث. كما استمرت اللوائح المتعلقة بتيانانمن في الخضوع للرقابة، ومُنع مستخدمو خدمة WeChat من إرسال حوالات مالية هاتفية بقيم 89.64 يوان، أو 64.89 يوان.

في هونغ كونغ، سيحيي النشطاء تلك الليلة بإشعال الشموع. وغرد هو شيتين، محرر صحيفة "غلوبال تايمز" التابعة للدولة عبر حسابه على موقع تويتر متحدثًا عما هو محظور في الصين: "ما لم يُحقق من خلال تلك الحركة في ذاك العام، سوف يكون من المستحيل تحقيقه اليوم بإحياء ذكرى مشؤومة".

لا يزال مصير رجل الدبابة غامضًا حتى اليوم، على الرغم من مرور 3 عقود على حادثته

ولا يزال مصير رجل الدبابة غامضًا. يقول بعض المؤرخين إنه فر إلى تايوان. بينما يعتقد آخرون أنه بسبب عدم معرفة أي أخبار أخرى عنه، فغالبًا ما يكون قد انصهر في المجتمع الصيني.

 

اقرأ/ي أيضًا:

شمس الدين الكيلاني.. المثقّف الشهيد والمثقّف المتفكر في الثورة السوريّة

"أن ترى كدولة" لجيمس سكوت.. مجزرة التجانس وعقدته