"أن ترى كدولة" لجيمس سكوت.. مجزرة التجانس وعقدته

يرى جيمس سكوت أن الدولة تحاول جعل المجتمع مقروءًا (تويتر)

تتجسد أهمية كتاب جيمس سكوت، أن ترى كدولة "Seeing Like a State" (منشورات جامعة يال، 1998)، في أنه يؤرخ إلى نزعة، يمكن اعتبارها واحدة من ركائز الدولة الحديثة، أي مشاريع الهندسة الاجتماعية والتخطيط التنموي والإدارة اليومية والتفصيلية للمجتمع. فالدول والإمبراطوريات القديمة حسبه، لم تكن بالتأكيد مهتمة بتحديد هويات الناس وعدد الذين ينتمون إلى مجموعة أو طائفة ما منهم، أو الطريقة "الواحدة" التي ينتجون ويستهلكون فيها، وكم عدد الأطفال الذين ينجبهونهم وعند أي سن يتزوجون، إلخ. وحتى عندما بدأ هذا الاهتمام يظهر جزئيًا في فترة متأخرة عند بعض الإمبراطوريات، فإنه لم يكن يتم التعامل معه باعتباره مصيريًا، أو شأنًا يمس مستقبل الأمة.

يقع كتاب جيمس سكوت، في قلب السؤال الشائك والمعقد، عن ضحايا الهندسة الاجتماعية

يقع كتاب جيمس سكوت، في قلب السؤال الشائك والمعقد، عن ضحايا هذه الهندسة وهذا التنظيم، فالدولة في سعيها الدؤوب لجعل المجتمع مقروءًا، على حد تعبيره، تمارس أنواعًا هائلة من الضبط والقمع والتدخل الاجتماعي.

 لقد بدأت هذه النزعة، مع صعود نموذج التحليل العقلاني والعلمي، باعتباره مفتاح كل أبواب التنمية المغلقة. لكن ما حدث، هو أن أحدًا لم يهتم بجعل هذا التحليل مناسبًا لفهم المجتمعات الإنسانية، ولكن السلطات كانت على العكس، تصر دائمًا على جعل الناس أنفسهم ملائمين لأدوات هذا التحليل، وتسعى إلى تشكيلهم على هذا الأساس.

اقرأ/ي أيضًا: التاريخ الدموي للسعادة.. الأوتوبيا الأقسى

أنتج سعي الدول لجعل المجتمعات واضحة، وسهلة للفهم، كوارث عديدة. وفي هذا السياق يرى جيمس سكوت، أن الدولة الحديثة، وتتقاطع معها في ذلك الشركات الرأسمالية، قائمة على رغبة ملحة في إنتاج نوع من التجانس الاجتماعي، الذي يسهل فهمه وبالتأكيد يسهل التعامل معه وضبطه، ويسهل في حالة الرأسمالية، تحقيق أكبر قدر من الربح من خلاله.

قدم جيمس سكوت أدلة مشتركة على فشل إدارة الدولة الحديثة، في الاتحاد السوفييتي والغرب على حد سواء

وكأدلة على هذا الفشل في التخطيط يقدم صاحب "المقاومة بالحيلة" مجموعة  من الأمثلة من مناطق مختلفة في العالم، سواء على صعيد بناء المدن الكاملة من الصفر في آسيا وأمريكا الجنبوية، أو التخطيط الزراعي في ألمانيا، والتوطين القسري في تنزانيا، إلخ.

لقد كانت الثقافة المحلية في الدول قبل القومية، عائقًا أمام هذا النوع من الإدارة المباشرة، ويحتاج المديرون الأساسيون للدولة إلى وسطاء أمام هذا التنوع الثقافي واللغوي، وبالتالي فقد كانت صناعة هذا التشابه ضرورة ملحة من أجل تطبيق التحكم المباشر.

تتجاهل "نظرية التنمية" الحديثة، مثلها مثل سياسات التخطيط في الدول الإمبريالية، قيم ورغبات وفاعلية رعاياها. وهناك أربعة عناصر مشتركة بين جميع مشاريع التخطيط التي أفضت إلى كوارث حسب جيمس سكوت. العنصر الأول هو الترتيب الإداري للطبيعة والمجتمع، والعنصر الثاني هو وجود أيديولوجيا مفرطة الحداثة تثق في قدرة العلم على تحسين كل جانب من جوانب الحياة البشرية، أما العنصر الثالث فهو دولة استبدادية مستعدة وقادرة على استخدام قوتها القسرية لتطبيق هذه التصاميم الحداثية على أرض الواقع، وهناك عنصر رابع يرتبط ارتباطًا وثيقاً بالثالث، حسب المؤلف، وهو مجتمع مدني ضعيف يفتقر إلى القدرة على مقاومة هذه الخطط.

أنتج سعي الدولة لجعل المجتمع واضحًا نتائج كارثية

لقد كان صادمًا أن يقدم جيمس سكوت أدلة مشتركة على فشل إدارة الدولة الحديثة، في الاتحاد السوفييتي والغرب على حد سواء (ومستعمراتهما)، موضحًا فيما يبدو، أن المشكلة المنهجية لا تتعلق بطريقة الإدارة المباشرة فقط، في حالاتها المتطرفة، التي كان يقرر فيها ستالين حياة ملايين الفلاحين من مكتبه في الكرملين مثلًا، ولكنها متعلقة أكثر بالنموذج العقلاني، في إدارة المجتمعات، غير المهتم بالتنوع الإنساني، والذي يحتاج أساسًا إلى افتراضات التجانس، ومحو الثقافة المحلية.

في المقارنة بين لينين وبين المعماري السويسري الشهير لو كوربوزييه الذي أشرف على تصميم مدن كاملة من الصفر في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وتسبب بكوارث عدة، يجد جيمس سكوت أن بينهما نوع من التشابه الذي لا يمكن إنكاره، فكلاهما مؤمن بالوضوح الإنساني السلس والمدمر (ص163/ط1).

اقرأ/ي أيضًا: مستقبل الديمقراطية والرأسمالية.. بربرية التضليل

صحيح أن الدولة الديكتاتورية المستعدة لتطبيق التصاميم من أعلى، هي شرط من شروط التخطيط الكارثي، لكن العكس جائز وضروري أيضا، فقد ساعد التخطيط الحديث على اعتبار هذه الديكتاتورية حاجة ماسة، و"لقد قدم الإنتاج الحديث قاعدة (لتأسيس) الديكتاتورية الضرورية تقنيًا" (ص162).

"إنه مخلص جدا للعلم النقي. يفضل أن يموت الناس بالعلاج الصحيح على أن يشفوا بالعلاج الخاطئ" (ص339). مقتبسًا رواية أروسميث، لسنكلير لويس، يسخر سكوت من الإيمان المبالغ به عند خبراء الدولة بقدرة العلم على تغيير العالم، بغض النظر عن نتائج هذا الإيمان، وهي نزعة يوتوبية ارتبطت حسب زيغمونت باومان بوعود الحداثة بأن تخلص العالم من الخوف، وتجعله يعيش في الوضوح الآمن. لكن النزعة إلى هذا الأمان كانت حسب سكوت وباومان كليهما، واحدة من الكوارث الإنسانية التي عممت الخوف ونشرته.

تريد الدولة حسب سكوت تبسيط الواقع وملاءمته مع قدراتها التحليلية والإدارية

تريد الدولة من وجهة نظر صاحب "فن ألا تكون محكومًا"، تبسيط الواقع وملاءمته مع قدراتها التحليلية والإدارية، مما يحيل إلى تجاهل المعرفة المحلية (وهو مفهوم مركزي في الكتاب) التي لا يمكن الاستغناء عنها في كثير من الأحيان، لإدارة تعقيدات الحياة الاجتماعية والبيئية.

لا يتعلق الكتاب بتلك المناظرات بين نموذج الإدارة المركزية وبين السوق الحر، كما يكرر المؤلف في أكثر من موضع، ولكنه يتعلق بالمنهج المفرط في حداثته الذي يجمعهما، لكنه لا يوضح كثيرًا لماذا يتشابه السوق الحر مع الإدارة المركزية في الاقتصاد والتنمية، إلا باقتضاب غير كافٍ، ويبدو أنه يجادل بطريقة قاسية أن كليهما يعتمد على أدوات تخطيط مشتركة. وبالنسبة للمدافعين عن السوق الحر، فإن جيمس سكوت يتجاهل مرونة السوق، وعدم استناده إلى وجهة نظر واحدة تجاه المستقبل، أو تجاه الثقافة المحلية، كما هو في حالة السلطة الإدارية.

ويبدو أن مجادلة جيمس سكوت تختلف عن كثير من نقود الدولة الحديثة، في افتراض أن الكوارث التي يحدثها التخطيط هي نتيجة من نتائج الفشل، بما في ذلك التدخل الاجتماعي والضبط، وهي نظرة فيها حسن نية نحو الدولة بالتأكيد، لا تتطرق كثيرًا إلى سعي السلطات إلى ضبط السكان والسيطرة عليهم، من خلال هذه المشاريع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في تهميش "أصحاب الامتياز"

الكتابة على السيارات في مصر.. مقاومة شعبية بالحيلة