الإسلام في الصين

الإسلام في الصين

صلاة عيد الفطر في الصين (Getty)

"إن معرفة الصين تتطلب عملًا يتخطى حدود حياة كاملة، وخير ما يمكن أن نطمح إليه في هذا المجال هو الحصول على شيء من التفهم لجزء من المغامرة الصينية، وبقدر ما نسبر أعماق هذه المغامرة يتبين ألا حدود لأسرارها" -الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بعد قيامه بثلاث زيارات إلى جمهورية الصين الشعبية.

منذ فجر التاريخ والصين تعتبر البلد الأكثر احتواءً للديانات، فيعود تاريخ دخول البوذية الصين إلى ألفي عام مضت، كما يعود تاريخ الطاوية إلى 1700 عام، ويأتي من بعدهم الإسلام والكاثوليكية اللذان دخلا الصين في القرن السابع الميلادي، وآخر الديانات وصولًا إلى الأراضي الصينية كانت المسيحية التي تعتبر دين جديد على الصينيين وصلهم في القرن التاسع عشر الميلادي.

يعود تاريخ دخول البوذية الصين إلى ألفي عام مضت، كما يعود تاريخ الطاوية إلى 1700 عام، ويأتي من بعدهم الإسلام والكاثوليكية

لكن هنا سنتحدث عن "الإسلام في الصين"، ومتى ظهر أول مرة؟ وكيف تم استقبال هذه الديانة الجديدة؟ وماذا حدث بعد ذلك؟

هناك عدة روايات حول كيفية ظهور الإسلام في الصين، ولكن المؤكد أنه ظهر في عهد أسرة "تانغ" (618-907 م) وكان يطلق عليهم اسم (داشي dashi)، واستمر الإسلام خلال عصور أسر سونغ ويوان ومينغ وتشينغ حتى وقتنا هذا.

اقرأ/ي أيضًا: مقابر من طين

أما عن أول وفد مسلم يطأ الأراضي الصينية تقول بعض المصادر أنهم أُناس من مملكتي أنام وكمبوديا، وأطلق عليهم لفظ "خوي خوي"، وفي روايات أخرى يُقال إن الكتلة الكبرى من المسلمين التي كانت تتركز غرب البلاد في منطقة تركستان التي تسكنها قبائل "وويغور" الذين اعتقوا الإسلام في وقت مبكر هم أول مسلمين يأتون إلى الصين، وأطلق عليهم الصينيون "خوي وويغور" وهو اسم مشتق من قومية مسلمي الغرب ذوي الأصول التركية.

أما أول من كتب مدونة عربية عن رحلة بحرية إلى الصين كان تاجر عربي يُدعى "سليمان"، وكان قد كتبها بعد قرن من قيام تاجر عماني الأصل يُدعى "أبو عبيدة عبد الله القاسم" برحلة إلى مدينة "كانتون" التي يعتبر ميناؤها المدخل الرئيس لجنوب الصين، ومن بعدهم بخمسة قرون جاء "ابن بطوطة" ليكتب كيف اعتبر "كانتون" المدينة الأكبر والأفضل أسواقًا في الصين، وكان قد سماها "صين الصين أو صين كلان".

وهناك أيضًا بعد القصص الموضوعة عن بداية ظهور الإسلام في الصين، فيحدثنا المؤرخ الصيني "عبد الرحمن ناجونغ" عن القصة التي ادعت زيارة الصحابي "سعد بن أبي وقاص" الصين في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكيف أقام في كانتون وأسس بها مسجدًا، وهي قصة مختلقة ليس لها أساس من الصحة. أما الضريح الذي عدَه مسلمو الصين قبرًا لأبي وقاص ما هو إلا ضريح أحد التجار المسلمين الأتقياء الذين أقاموا في كانتون واسمه وقاص.

اتفقت المصادر الصينية والعربية على أن أول اتصال رسمي بين الصين والعرب كان في عهد أسرة "تانغ"، في عهد الإمبراطور "قاو تسنغ" 651 م

ويكمل الأستاذ "ناجونغ" موضحًا أن العلاقات بين الصين والعرب سابقة على ظهور الإسلام، وأن الإمبراطور "وو دي" بعث عام 139ق. م سفيرًا إلى ممالك آسيا الوسطى، وزار خلال سفرته هذه 36 مملكة صغيرة، شملت بلاد فارس والعرب، مما كان له الفضل في فتح آفاق تعاونية بين الصين وبلاد عرب غرب آسيا، خاصة العراق وسوريا إلى جانب بلاد الفرس.

أول اتصال رسمي بين العرب المسلمين والصين
اتفقت المصادر الصينية والعربية على أن أول اتصال رسمي بين الصين والعرب كان في عهد أسرة "تانغ"، في عهد الإمبراطور "قاو تسنغ" 651 م، وكانت عن طريق وصول أول مندوب عربي إلى مقاطعة "شيا آن"، وكان مبعوثًا من الخليفة عثمان بن عفان.

وفي سجلاتٍ أخرى لتاريخ أسرة تانغ قيل إن رسول قادم من شبه الجزيرة العربية نقل إلى الإمبراطور أنباء عن جزيرة العرب التي شهدت ظهور دين جديد يدعو إلى التوحيد، وأن ملكهم يُدعى أمير المؤمنين، وأن حكومتهم أُسست منذ أربع وعشرين سنة، ومضى منهم ثلاثة ملوك.

اقرأ/ي أيضًا: من موسكو إلى بكين.. تيه اليسار المصري

اتفقت المصادر العربية مع المصادر الصينية على أن أول ظهور للإسلام كان في عهد أسرة "تانغ"، لكنها لم تتفق معها على كيفية أول اتصال ومن أرسل أولًا، لكن المصادر العربية اتفقت مع المصادر الغربية أن إمبراطور الصين هو من بعثَ أولًا إلى خليفة المسلمين وليس العكس.

فوصل للصين خلال عهد أسرة "تانغ" -التي دام حكمها ثلاثة قرون- حوالي 37 بعثة عربية، وهي فترة تغطي عهد الخليفتين عثمان وعلي والعصرين الأموي والعباسي.

بعد انتهاء عهد أسرة "تانغ" خلفتها أسرة "سونغ" التي دام حكمها قرنين من الزمان، وتشير سجلاتها إلى وصول 49 بعثة عربية في تلك الفترة إلى الصين. تم خلال عهد أسرة "سونغ" إنشاء عدة دوائر للتجارة والملاحة بكانتون نتيجة لنشاط التجارة بين مينائي كانتون جنوب الصين وسيراف بالعراق.

وصل للصين خلال عهد أسرة "تانغ" حوالي 37 بعثة عربية، وهي فترة تغطي عهد الخليفتين عثمان وعلي والعصرين الأموي والعباسي

انتهى عهد أسرة "سونغ" على يد "قوبلاي خان" -حفيد جنكيز خان- وبدأ عهد أسرة يوان المغولية. حقق الإسلام قفزة عظيمة خلال تلك الفترة، يرجع ذلك إلى سببين؛ الأول هو عدم اعتناق المغول أي دين ما أدى إلى تساهلهم مع حملة الأديان الأخرى، والثاني لأن الترك اعتنقوا الإسلام في هذه الفترة، وهم محاربون أشداء، والمغول في غنى عن دخول مواجهة معهم.

لم يستمر ذلك طويلًا فـ"قوبلاي خان" (1215-1294م) انقلب على المسلمين لمدة سبع سنوات بسبب بعض الوشايات، ولكنه تراجع عن ذلك عندما رأى نزوح المسلمين إلى العراق ومصر. ويُذكر أنه بنى مسجدًا وعيَّن وزيرًا مسلمًا في حكومته يُدعى "أحمد البناكتي" وذلك في محاولة لاسترضاء المسلمين.

بدأ المسلمون ينخرطون في مختلف نواحي الحياة بداية من عهد أسرة "مينغ" (1368-1644م) حيث انتهجت أسرة "مينغ" سياسة العزلة مع العالم الخارجي، الأمر الذي قطع -نسبيًا- جذور الاتصال بين المسلمين العرب المقيمين في الصين وديارهم، وعلى الرغم من ذلك اتسمت العلاقة بين أسرة "مينغ" والمسلمين بالود والاعتدال.

اقرأ/ي أيضًا: اللغة الصينية.. كيف تضع 5000 رمز على لوحة مفاتيح

المسلمون منذ عهد أسرة تشينغ حتى الآن
بعد انتهاء عهد أسرة "مينغ" خلفتهم أسرة "تشينغ" (1644-1911م) آخر الأسر الحاكمة في إمبراطورية الصين. ظهر خلال تلك الفترة الكثير من العلماء الصينيين المسلمين المتخصصين في علوم القرآن والحديث والفقه والتوحيد.

حاليًا تشكل الكتلة المقيمة بمقاطعة "شين جيانغ" شمال غرب الصين -إحدى مناطق الحكم الذاتي في الصين- الكتلة الأكبر من المسلمين هناك

منذ تلك الفترة لم تعد تجمعات المسلمين مقصورة على المناطق الجنوبية والساحلية فقط، ولكن ظهر تأثير مسلمي الشمال والشمال الغربي، وهم مسلمو تركستان -التي تم ضمها إلى الصين- والمسلمون ذوو الأصول المغولية مثل الأوزبك والقازاق والتتار وهم امتداد لقبائل ما وراء النهر.

حاليًا تشكل هذه الكتلة المقيمة في مقاطعة "شين جيانغ xinjiang" التي تقع شمال غرب الصين، وتعتبر إحدى مناطق الحكم الذاتي في الصين الكتلة الأكبر من المسلمين، وهم يعانون من بعض المشاكل مع الحكومة الصينية بسبب تضييقها الخناق عليهم في مسائل السفر وإقامة الشعائر الدينية والعبادات لأسباب ليس لها علاقة بالدين، فمعظم قاطني مقاطعة "شين جيانغ" لا يتحدثون الصينية وإنما يتحدثون لغة محلية خاصة بهم ويريدون الانفصال عن الصين، لكن محاولاتهم دائمًا ما تبوء بالفشل.

كما قلنا في بداية المقال إن الصين تعتبر البلد الأكثر احتواءً للديانات، كذلك تحتوي هذه المساحة مترامية الأطراف على 56 قومية مختلفة، يدين كل منها بديانة مختلفة؛ فالأغلبية العظمى يتبعون قومية "خان"، أما المسلمون فهم أقلية متفرقة يعتنقها حوالي عشر قوميات فقط، أكبرهما قومية "خوي hui" وهم منتشرون في أنحاء الصين، وقومية "الويغورwei wu er" قاطني مقاطعة "شين جيانغ".

اقرأ/ي أيضًا:
بين الإعلام السوري والبورنو الصيني
تجارة الأعضاء في الصّين.. جريمة دولة!