هل كتاب

هل كتاب "مقدمة عن توتر القرآن" يسأل عن التوتر فعلًا؟

نقوش من قصر الحمراء

1

منذ اللحظة الأولى التى نزل فيها الوحي على النبي محمد، وحوار النص المقدس لم ينتهِ، إنه حوار يقصد الاشتباك معه أو استكناه مراد هذا النص أو سؤاله، أو حتى استنطاقه وتوجيهه، هذا السجال هو موضوع كتاب "مقدمة عن توتر القرآن" (دار الثقافة الجديدة، 2017) للباحث جمال عمر.

بين جنبات الكتاب سيجد القارئ عرضًا ليس مخلًا إطلاقًا لتاريخ التوتر، حيث يقدم قراءة تاريخية ترصد التوتر منذ لحظة ولادته التى ارتبطت مع ولادة النص نفسه، ويركز الكتاب على المحاولات الجادة التي تمثل مشروعًا متكاملًا لرفع التوتر، كما يبتعد في عرضه عن الانتماء أو التحامل على مشروع بعينه.

منذ اللحظة الأولى التى نزل فيها الوحي على النبي محمد، وحوارالنص المقدس لم ينتهِ

جمعت القراءة بين كل من العقلانيين والفلاسفة والمتكلمين إلى جوار الصوفيين والفقهاء والأصوليين، القدماء والمحدثين، يمكن القول باختصار إن أبعاد الكتاب كانت متساوية.

اقرأ/ي أيضًا: الحداثة والقرآن.. تمرحل النصّ

تعرض الكتاب إلى كل مشروع على حده مستعرضًا آلياته لرفع التوتر، ثم يعقبه تعقيب مختصر عن مواطن الضعف والقوة للمشروع، مفاتيح وأدوات مثل العام والخاص، المحكم والمتشابه، الناسخ والمنسوخ، البيان، المجاز، الرمز، المكي والمدني... لكل مشروع أداته الخاصة التي سنها لمواجهة التوتر، بالطبع هذا ما توخى الكتاب تقديمه بصورة أمينة، دون التورط في إسقاط أحكام على المشروع أو أداته أثناء عرضه، إلا أن نمطية السرد جعلت الكتاب يبدو - من ناحية ما بالطبع - أشبه بفهرست لتاريخ التوتر، لا لتاريخ رفع التوتر، وهذه النقطة من الأهمية بحيث يترتب على إغفالها إغفال أهمية ما يرمي إليه الكتاب نفسه، الأمر الذي أتمنى أن أستطيع توضيحه فيما بعد، لذلك فإن القراءة الأخيرة أو التعقيب بعد كل مدخل، تعد بمثابة المسمار الذي يحول دون تعليق المشروع - أي مشروع - وآلياته وإنجازه في الفراغ.

2

لم يكن السؤال المطروح أعلاه تشكيكًا في موضوع الكتاب، إنما تاكيد على ما بدا وجوده مستترًا بين السطور، وإن هذا المستتر من الأهمية بحيث هو لب القراءة برمتِها، وقبل أن أعرض لإجابة السؤال - وقد أكون مخطئًا بالطبع - فإنني سأتوقف لأدع تعليقًا حول الجزء الطافي على السطح من الكتاب، الجزء المتعلق بسرد تاريخ كل مدخل، دوره وأداته، وعواره إذا جاز التعبير، أؤكد في هذا التعليق على أن المقصد الرئيس للكتاب، ليس فهرست تاريخ التوتر وإنما نخز القارئ واستفزازه، هذه "الإثارة" التي يرمي الكتاب من ورائها إلى حث القارئ وإشراكه هو نفسه ليضع تعليقه الخاص لا على التوتر بين أجزاء النص المقدس، وإنما حول هذه المشاريع نفسها التي تم حفظها تاريخيًا كمنجزات معرفية حاولت التصدي للتوتر في تاريخنا التراثي، قوتها ومواطن ضعفها وأسبابها، وبالنسبة لي كقارئ لكتاب التوتر، فإنني وجدت أن جميع المحاولات أو لنقل أغلبها على أقل تقدير كانت نتيجة لرد فعل أو "انفعال" على سؤال الحداثة بألوانه المتعددة، لا خطوة نحو فك شفرة الرسالة نفسها، فالمدافع التي دكت الإسكندرية من فوق البارجات هي التي فرضت المشروع على الأستاذ الإمام، بحيث أتصور أنه لم يكن يملك الخيار للتراجع، وأن هذه البداية كانت هي النقطة الأس لمشروع الإمام كله، لا مجرد البداية فقط، ثم أن محاولات ومشاريع طويلة على صفحة الزمن مثل المعتزلة والأشاعرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها التاريخي ولحظة تشكلها، مما جعل السلطة ككامن في عمق بنية المشروعين هي محور الاهتمام لا النص نفسه ولا شفرته، وهذه المحاولات نفسها إذا تجاوزنا عن نقطة انطلاقها فإنها ظلت رهينة لأحد أمرين، فإما الاستعلاء بالمقدس عن طريق الإسقاط من أعلى والاستيلاب والنقل - سواء كان استيلابًا من المستقبل أو من الماضي- طريق يكون فيه التقدم عن طريق تخيل أنموذج، وإما العودة إلى الوراء وارتهان الواقع وأسر العصر في صورة ذهنية متخيلة للماضين أو الاستسهال والقفز على مشكلات الواقع باعتماد نموذج قد نجح بالفعل مع الآخر.

فمثلًا ينقل الكتاب عن علي مبروك نقده لمشروع فضل الرحمن على ما في خطابه من جرأة يقول: "إن خطاب فضل عجز عن تقديم درس حقيقي لبنية خطاب استعارة تجربة الحداثة الأوروبية عند المسلمين، فبدون نقد حقيقي لهذا الخطاب، وعدم إنجاز وعي معرفي بجوانبه، قد حجم قدرة خطاب - فضل - على تجاوز آليات هذا الخطاب السابق عليه، فحاول فضل تجاوز خطاب استعارة الحداثة تقريبا بنفس آلياته".

من أهم ما يقدمه التاريخ إتاحة الفرصة لمواجهه ذات الحدث، ولكن من زوايا مغايرة

وأما طريق التلفيق والتجاور ووضع المتناقضات جنبًا إلى جنب، محاولات بدت لي ملهمة أثناء عرضها، لكنها سريعًا ما تسربت كما تتسرب الرمال، الأستاذ الإمام في جمعه بين عدل المعتزلة وتوحيد الأشاعرة، الجمع الذي أخذ بيد ما أعطى باليد الأخرى، أو مشروع السير سيد أحمد خان الذي حاول التوفيق بين نتائج العلم وبين الوحي عن طريق رد كليهما لذات المصدر فكلاهما حق، أو مشروع فضل الرحمن نفسه كما سبق وذكرت، فإذا كانت المحاولات على هذا النحو فهل الكتاب يبحث في التوتر أم في العقلية التي أنتجته؟

اقرأ/ي أيضًا: العمران الجزائري.. تراث مضيّع وحداثة مستعجلة

3

لعل أهم ما يمكن أن يقدمه التاريخ من حيث هو كذلك أن بإمكانه إتاحة الفرصة لمواجهه ذات الحدث، ولكن من زوايا مغايرة لتلك التي تمت مواجهته منها بالفعل، التاريخ أعطى الفرصة للعلم مراجعة ما سبق وأن وصفه بالخرافة، كما أعطى نفس الفرصة وبنفس القدر لللاهوت أن يرى العلم من زاوية لا يكون فيها اللاهوت جالسًا على عرش القداسة، من هذه الفرضية انطلق الكتاب أولًا بقصد إعادة النظر في تاريخ التعاطي مع النص المقدس، من خلال رؤية أثر انعكاس النص في مرايا كل من اشتغل على فك طلاسمه، وبالطبع فإنه من المتوقع أن تتباين الصورة التي تعكسها مرآة كل مشتغل، نتيجة لاختلاف وتباين كل مشروع في نشأته، والأهم في السؤال الذي يفترض بالمشروع أنه ينتوي حله، وبين السؤال والإجابة تشكل تاريخ التراث الإسلامي كله، بل العقل المعرفي الجمعي، وهذا الكتاب الذي بين يدي أسهب بالفعل في قرءاة تاريخ التصدي لأهم هذه الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها، لكن هذه الأسئلة وما انبنى عليها من إجابات اتضح أنها في أغلبها لم تكن سوى بكائيات على الماضي، أو المستقبل، بأكثر منها محاولات جادة لفهم جمود اللحظة الراهنة، ويستوي أن تكون هذه البكائيات صريحة وواضحة، أو حتى مغلفة ببعض زركشات تغير جلدها لكن يبقى لبها واحدًا، من هذا المنطلق أعتقد، وقد أكون مخطئًا، أن إجابة السؤال الذي يطرحه الكتاب لا عن التوتر بقدر ما هو عن العقلية الفاعلة والمفعول بها في إنتاج التوتر واستهلاكه، الكتاب تعرية لهذه العقلية التي اختارت على طول تاريخها الالتياذ والاعتصام بالصنم الأرثوذكسي خوفًا من تماهي الآخر معها أو ذوبانها وتلاشيها فيه.

أعطى التاريخ الفرصة للعلم لمراجعة ما الخرافة، كما أتاح للاهوت أن يرى العلم دون أن يحاكمه بمنطق القداسة

4

قبل أن اقرأ الفصل المعنون بالفاتحة، والتي لم يفتني فهم ما في عنونته بالفاتحة، وهو الفصل الأخير من الكتاب. قبل أن أدخل لهذا الفصل ذكرت نفسي بأنني على بعد أربعة عشر قرنًا من النص المقدس، وأن كل المشاريع والمحاولات وهذا الجهد المهدور في فهمه كانت ضئيلة جدًا للإلمام به، فيما كان هو من الاتساع بحيث غطاها تمامًا، تجاوزها كأنها لم تكن، في هذه اللحظة شعرت أنني أمام إشارة أخرى من كتاب التوتر في القرآن، هل كان التوتر مقصودًا؟ بالفعل إن التوتر مقصود هذا ما تؤكده كلمة التاريخ، وما توقعه الكاتب نفسه، ولكنني أحببت أن أعبر بنفسي عما شعرت به خلال هذه الرحلة، بالفعل كان التوتر مقصودًا، وكأنه التعويذة التي تمتحن فيها كل فترة زمنيه ومعرفية مدى قدرتها على الانعتاق من أثر الواقع عليها، ولا يمكن تجاوز التوتر أو تحاشيه، هذه الإجابة بالنسبة لي يقينية، ليس لأن النص من الكمال بحيث أنه معجز، بل لأن معنى حياته وعبقريته وحيوته، إنما يكمن في توتره، التوتر في النص المقدس يشبه التدافع المذكور في النص نفسه، "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"، هذا التدافع مقصود وكذلك التوتر، إنهما عنصرا عملية "الأيض" ممارسة حقيقية للحياة تقوم على الهدم والبناء المستمرين.

اقرأ/ي أيضًا: هل خلاص الثقافة العربية في انتعاش الهوامش؟

ثم... عن الكتاب بعيدًا عن قضيته، دار هذا الكتاب في فلك فكرته والتزم بها لكنه وهو يقوم بذلك كان يدور أيضًا في أفلاك أخرى ولا أعرف حقيقة إن كان ذلك مما يعيب الكتاب أو مما يزيده قوة، فالكتاب من مقدمته إلى نهايته وهو يدور، كفكرة، حول الرجوع بالقرآن إلى حالته الأولى، كخطاب شفهي، وهذه النتيجة التي تظهر على استحياء، في البداية سريعًا ما اتخذت مكانتها في النهاية، نتيجة يرجحها الكاتب ليرتفع بالنص إلى صورته الأولى التي نزل بها، وهي الفكرة التي انتهت إليها حياة نصر أبو زيد قبل ان يكشفها تطبيقيًا، وهو ما جعلني على قدر إعجابي الشديد بالفكرة إلا أنني لم أستطع تصورها فعليًا كحل للتوتر، كذلك ففي استحضار روح علي مبروك في طرح كل محاولة ووتفكيكها ونقدها، دفعني لأن أتصور أن كتاب التوتر قد كتب على ذات القماشة التي يكتب بها علي مبروك، وتحديدًا لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا، نفس المشاريع التي اشتغل عليها هذا الكتاب هي هي، بل نفس سؤال الحداثة هو هو، فإذا كان الكتاب يدور في الفلكين معًا، علي مبروك عرضًا وتفكيكًا ونقدًا ثم نقضًا، فمن الطبيعي أن تكون الفكرة التي تمثل ذروة التفاعل الديناميكية بين النص والإنسان تنتهي إلى أبو زيد لا إلى علي، حيث أن علي مبروك بحسب الكاتب نفسه، "اعتمد على المنهج البنيوي وحاول الوصول إلى البنية وراء التعدد، ولكنه حول البنية إلى سجن لا فكاك منه فسجن نفسه داخلها"، وهذا رأي الكاتب.

اقرأ/ي أيضًا:

النقاش عن الطائفية: اتهام الدين لتبرئة السلطة

عبدالله العلايلي.. من فقه اللغة إلى فقه الدين