النقاش عن الطائفية: اتهام الدين لتبرئة السلطة

النقاش عن الطائفية: اتهام الدين لتبرئة السلطة

لاقى موضوع الطائفية في الوطن العربي سجالات طويلة، خاصة بعد أحداث طائفية حاسمة حدثت في القرن التاسع عشر، وأشهرها أحداث جبل لبنان، التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الدروز والمسيحيين والمسلمين. وفتح هذا الحدث مجالًا لم ينته إلى الآن من التنظير للطائفية في الوطن العربي، ومحاولات لتفسيرها.

النقاش اليوم يعود مجددًا، بعد ما تشهده المجتمعات العربية من صراعات قد تضفى عليها سمة الطائفية. لكن المختلف هذه المرة، أن النقاش عن هذه الظاهرة يوضع في تقاطع مع النقاش عن الإرهاب، وهو ما نجده مغالطة أساسية. فتذهب معظم المقولات إلى تفسير الظاهرة في الفترة الأخيرة من خلال الإشارة إلى إشكاليات فقهية، أو من خلال البنى القبلية "البدائية" في المجتمعات العربية.

نرى دائمًا أن محاولة بعض العلمانيين إظهار علمانيتهم، مقابل نماذج التطرف الحاضرة مؤخرًا، كانت من خلال تحميل الدين أو مدارس في الفقه الإسلامي على الأقل وزر ما يحدث

قبل فترة، كتب شاعر فلسطيني معروف، ما معناه أن ما يحدث في الوطن العربي ليس طائفية، ولكنه تطرف إسلامي. وهذا قول يلخص ورود هذه الفكرة العجائبية في النقاشات الجارية على الصحافة العربية، خاصة بعد حدوث جرائم طائفية بحق أقليات دينية وإثنية.

نرى دائمًا أن محاولة بعض العلمانيين إظهار علمانيتهم، مقابل نماذج التطرف الحاضرة مؤخرًا، كانت من خلال تحميل الدين أو مدارس في الفقه الإسلامي على الأقل وزر ما يحدث. أو إجمالًا تحميل التاريخ الإسلامي والعربي هذه المسؤولية، من خلال نماذج دينية واجتماعية. لكن ما لم ينتبه إليه أصحاب هذه المقولات، أن الطائفية بمعانيها النظرية والعملية، ظاهرة حديثة بالكامل، ما معناه أنها ليست ظاهرة دينية بقدر ما هي ظاهرة سياسية، وعلى عكس المتصورين أنها تتعلق ببنى قديمة في المجتمع العربي والإسلامي، فإنها تتعلق ببنى معاصرة بالأساس.

اقرأ/ي أيضًا: "جيسي أوينز" و"ألبير شحاتة".. وجهان لتعصّب واحد!

حسب واحدة من أهم الأدبيات عن الطائفية في الوطن العربي، يرى أسامة المقدسي (ثقافة الطائفية. دار الآداب 2005) أن الطائفية صفة حديثة، وأن من لا يرى فيها ذلك، فإنه يقع في فخ المقولات الاستشراقية، التي دأبت على تصدير تصورات جاهزة عن الاقتتال الطائفي في الوطن العربي، فرأت في هذه الأحداث أحداثًا خارج التاريخ وخارج مسار تطوره من البدائي إلى الأحدث. ويرون في الطائفية ظاهرة نقيضة للحداثة ومتعلقة برواسب الأزمنة القديمة والتاريخ العربي، مثل القبيلة والدين.

فكانت أحداث جبل لبنان، الشاهد الأول على هذا الوصف الأوروبي النمطي للاقتتال في الوطن العربي. يصف ماركس مثلا هذه الأحداث، أنها إظهار واضح لوحشية وبدائية المجموعات المتقاتلة، بوصف الحدث "انتهاكات شنيعة ترتكبها قبائل متوحشة".

لكن أسامة المقدسي ومنظرين آخرين يؤكدون أن الطائفية على عكس هذه القناعات الليبرالية (التي يبدو أن الماركسيين وقعوا في فخها أيضا). فالطائفية نتيجة من نتائج الحداثة لا من نتائج الخروج عنها، وظاهرة متصلة بالدولة القومية الحديثة، لا بالهويات المناقضة لها. إنها ظاهرة مبنية إذن على بنية عميقة من اللامساواة، تتميز بها دول ما بعد الاستعمار.

ما يحدث في النقاش المذكور في الفترة الأخيرة، هو اختفاء الإشارة إلى دور رواسب الاستعمار أولا في الترسيخ لهذه الظاهرة، ودور الدولة الوطنية والدكتاتوريات العربية بالأساس. فيتجاهل المتساجلون هذه الأدوار مقابل الانشغال بالدين والفقه والقبيلة.

لا يمكن تجاوز كون الطائفية "وليدة تفاعل المنظومة الاجتماعية القائمة، مع الاستعمار الحديث، وطريقة بنائه الدولة التي سترثها الدولة الوطنية المستقلة، أو ستصطدم بها معه"، حسب وصف عزمي بشارة (مدخل لفهم المسألة الطائفية في المشرق العربي الكبير. مجلة عمران عدد 11). فيما عدا ذلك، تظل محاولات تأصيل الطائفية فقهيًا أو اجتماعيًا وتاريخيًا محاولات لا دور لها، سوى تجاهل العناصر الواقعية مثل التهميش وبقايا الاستعمار وأدوار الدكتاتوريات.

ضمن هذا الاعتبار، تفقد المساجلات التأصيلية مضامينها، وتبدو المقاربات التي تحمّل ابن تيمية مسؤولية أكثر من مسؤولية السلطة السياسية، مقاربات خارج الواقع ولا صلة لها به. وقد يكون دورها الوحيد، هو إنقاذ الأنظمة المستبدة من تهمة الطائفية وتهمة صناعتها. الدين إجابة جاهزة وبسيطة في أذهان هؤلاء لسؤال الطائفية المركب والمعقد، إجابة تبعدهم عن تساؤلات كثيرة حول تورط الأنظمة السياسية والدكتاتوريات في خلق هذه الحالة. إجابة الذين لا يريدون رؤية الاستبداد، إما هروبًا من مواجهته، وإما لأنهم وقفوا معه.

اقرأ/ي أيضًا:

أريد أن أبني كنيسة

العنصرية والطائفية كـ "نكتة مدرسية"