العمران الجزائري.. تراث مضيّع وحداثة مستعجلة

العمران الجزائري.. تراث مضيّع وحداثة مستعجلة

قصر تاجنينت في غرداية الجزائرية

تتعاقب الأمم والشعوب مخلفة وراءها نتاجًا فكريًا وعقليًا، قد يصمد أو يندثر، لكن صمود هذه الحضارات يعتمد على قوة وعظمة مبانيها وقصورها. الحضارات التي لطالما سمع عنها الإنسان وفتن بقصصها وملاحمها، فعكف على دراستها واكتشافها من خلال ما خلفته من بنايات عظيمة تسحر العقول وتخلب الألباب، لا تزال تقاوم الزمن رغم الحروب الضارية والكوارث الطبيعية. 

الفن المعماري أكبر شاهد على تنوع واختلاف الفكر البشري عبر العصور

الفن المعماري أكبر شاهد على تنوع واختلاف الفكر البشري عبر العصور، وهذا ما تعكسه العمارة بشكل عام؛ فهي مرت عبر التاريخ بثلاث مراحل، أولها الفن الرمزي الذي يرمز إلى إحدى التصورات المجردة ومضمونها يرمز إليه العمل الفني المعماري على أنه مقدس وإلهي، مثل برج بابل ومسلة المصريين أبي الهول والممرات داخل الأهرامات. أما المرحلة الثانية فهي المعمار الكلاسيكي والتي تتزايد فيه الناحية الروحية، أمّا المرحلة الثالثة والأخيرة فهي المعمار الرومانتيكي، وهذه المباني تمثل تطلعات الروح الصاعدة التي انسحبت من العالم الخارجي لتنعم بعزلة ذاتية خاصة "1". 

اقرأ/ي أيضًا: بيروت تنظم مهرجان "جوائز المعمار اللبناني"

الأهرامات مثلًا، وحدائق بابل المعلقة، ومعابد أثينا الوقورة، وكوليزيوم روما، وسور الصين العظيم الذي بدأ بناء أول أجزائه (800-400) ق. م وانتهى سنة 204 ق.م "2"؛ كل هذه المباني لا يزال بعضها قائمًا إلى الآن رغم مرور آلاف السنين على اندثار تلك الحضارات التي أنشئت فيها. فالأمم المتقدمة تتسابق لترميم هذه المنشآت واكتشافها والترويج لها قصدَ الحفاظ على ذاكرتها وجذب السائح الأجنبي والتعريف بتاريخها وما يحمل من دلالات. ولو نتكلم عن أهمية البناية فلن يسعنا المقام في هذا المقال، ولكنه سنكتفي بالتركيز هنا على المدن الجزائرية التي تزخر بهندسة معمارية متنوعة. إذ لا نكاد نجد في أي مدينة طابعًا واحدًا يغلب على جميع النسيج العمراني، وهذا يرجع إلى تعاقب الحضارات والأمم على هذه المنطقة الجغرافية عبر التاريخ. فأحيانًا نجد الطراز العربي متجسدًا في بعض أجزاء البنايات كالروشن والمشربية في بنايات القصبة – الجزائر العاصمة- وهما كلمتان من أصل فارسي نقلتا إلى العربية بعد الفتوحات الإسلامية. ولعل أهم عنصرين عربيين لا يزالان يفرضان وجودهما هما القبة والمئذنة، فأول قبة بنيت للمسجد في الإسلام هي قبة الصخرة، التي بناها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان عام 72 هجرية، رغبة منه أن يضاهي قبة مسجد القيامة التي يحج إليها المسيحيون "2". 

وبدأ المسلمون يتفننون في تصميمها فنقلوها عبر فتوحاتهم إلى أنحاء العالم. والمتجول في أحياء المدن الجزائرية يرى تعانق الحضارات وتكاتفها رغم المدة التي تفصل بينها، ورغم اختلاف ثقافة كل أمة. فهذا الفن استطاع أن يجمع في مدينة واحدة بين العثمانيين والعرب والأوروبيين على اختلاف نمط البنايات وشساعة الفروق في مواد البناء بين التقليدي والحديث. لكن للأسف فالجزائري اليوم لم يعد متسامحًا مع الآخر، فالبعض يرى في الكنيسة الشامخة تهديدًا لإسلامه وتذكيرًا بالاستعمار الفكري الذي عانى من تبعاته لأكثر من قرنين من الزمن. 

لا تتوفر العمارة الجزائرية في أغلب الأحيان على أدنى شروط النظافة والرفاهية

ورغم ذلك تجد الجزائري البسيط يتأمل البنايات الكولونيالية بإعجاب ويقارنها بالتي شيدت حديثًا، وذلك لأن المدينة أصبحت تشهد توسعًا حضريًا سريعًا وتضخمًا هائلًا في عدد السكان، ما جعل من الحكومة الجزائرية تسارع إلى إنشاء مدن وأحياء جديدة، لكن ذلك للأسف لم يتم بطريقة مدروسة، ولم تراعِ الجهات المسؤولية تراثها المعماري ولا خصائص الإقليم. فالبنية التحتية للمدينة هشة، ولا تستجيب لمتطلبات المدينة العصرية، بل لن تسمح بتوسع المدينة في المستقبل القريب. إن ما يجري هو طمس غير متعمد للهوية الجزائرية وجريمة في حق الإنسانية، فالبناية تعكس مدى تطور المجتمع ورقيه. وعندما نسمع أن إحدى الكنائس قد تم هدمها أو تحويلها إلى مسجد فإننا نأسف لهذا الوضع الثقافي المتردي. 

اقرأ/ي أيضًا: في العمارة الجزائرية: حياة مفخخة

إن العمارة الجزائرية لا تتوفر في أغلب الأحيان على أدنى شروط النظافة والرفاهية. هي مجرد علب إسمنتية لا تراعي ذوقًا ولا جمالًا. ولا توفر متطلبات المواطن الثقافية. فالعائلات المحافظة لا يحق لنسائها استعمال الشرفة أو النافذة، لسبب اجتماعي ثقافي، ومن هنا نعيد ذكر فائدة الروشن والمشربية ودورهما في الحفاظ على الخصوصية، دون أن تحجب العالم الخارجي عن المرأة. كما أنهما يضفيان على الواجهات جمالًا نوعيًا ودفئًا خاصًا. ونفس الحال بالنسبة للحوش، أو الفسقية وسط البناية، حيث نجد في أغلبها نافورة ماء تعطي حيوية للفضاء الداخلي، وكأنك في مملكتك الخاصة. 

حقًا لقد صدق بول فاليري حين قسّم الأبنية إلى ثلاثة أنواع، فهنالك أبنية صامتة لا تتكلم، وأبنية ناطقة تتكلم، وأبنية صداحة تغني. فالأبنية الصامتة التي لا تتكلم ولا تغني إنما هي أبنية ميتة، لا تستحق منا إلا الازدراء، وأما الأبنية المتكلمة فإنها جديرة منا بكل اعتبار، على شرط أن تكون لغتها واضحة فصيحة لا يختلط أمرها حتى على الجاهلين بأصول المعمار. فأبنية المحاكم مثلًا لا بد من أن توحي إلى الناس بمعاني العدالة والصرامة والمساواة، وأبنية النوادي لابد من أن تبعث في نفوس الناس مشاعر التآلف والتآخي، وأبنية المعابد لا بد من أن تثير في أفئدة القوم أحاسيس التسامي والعبادة والخشوع، وأبنية السجون لا بد من أن توحي إلى الناس بمعاني الضيق والحرمان، وأبنية المسارح لا بد من أن تولد في قلوب الجماهير أحاسيس المشاركة والتذوق والإستمتاع.. إلخ. 

أما الأبنية الصداحة التي يقول عنها بول فاليري إنها "أبنية الفن وحدها"، فهي تلك الآثار الرائعة التي تصدح بموسيقى سحرية صافية، وكأنها هي أنغام سماوية قد صيغت من حجارة، ولا تكاد تثير فينا أي إحساس بما لها من فائدة أو منفعة، بل كل ما فيها يصدح بموسيقى خاصة تمزج الجمال بالجلال "3".

نأسف كل الأسف عندما نرى أن بناية عمرها مئات السنين تتساقط جدرانها بسبب الإهمال

السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: ما هو مستقبل العمارة الجزائرية؟ وما مصير التراث المنفي من عقولنا وذوقنا؟ هل نحن أعداء للفن والجمال لأننا طمسنا أغلب معالمنا؟ أم أننا جاهلون بتاريخنا وأن ذائقتنا الفنية لم تنضج بعد؟

اقرأ/ي أيضًا: الجسد والعمارة.. سجن الأنثى واستلاب الحرية

في الوقت الذي نرى فيه أن المدن الجزائرية تتسع بعشوائية على حساب الأراضي الفلاحية، غير مراعية لمخططات العمران المعمول بها، ولا محترمة المقاييس العالمية للبناية، وفي الوقت الذي يطغى فيه الإسمنت وتغرق قطرات من الماء مدينة بأكملها، فإن الدول المتقدمة تعتمد في بناءها على مواد طبيعية صديقة للبيئة، كما أن البناية لم تعد بحاجة للمكيفات الهوائية أو التدفئة الغازية فهي تستعمل تقنيات تساعدها على صناعة الطاقة بنفسها، إما عن طريق الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح وغير ذلك من تقنيات حديثة، بل هناك مخطط لبناء مدينة كاملة في المريخ في الأعوام القليلة المقبلة. 

نأسف كل الأسف عندما نرى أن بناية عمرها مئات السنين تتساقط جدرانها بسبب الإهمال، وعدم اهتمام السلطات بالتراث المعماري، سواء في الجنوب أو في الشمال. نأسف عندما نشاهد الغرافيتي على جدران بناء يمتد عمره آلاف السنين، بل إن أغلب البنايات غير معترف بها ولا مدرجة من طرف منظمة اليونيسكو العالمية، ولكن إن لم نحترم نحن ذاكرتنا وتاريخنا فلا يحق لنا انتظار احترام الآخرين لنا. 

المراجع:
هيجل.. فلسفة الروح- ولتر ستيس. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. 
فن الهندسة المعمارية – مجموعة من المؤلفين، ترجمة شريف سلطاني
مشكلة الفن – تأليف زكريا إبراهيم. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

فاس.. سيكولوجيا المعمار وطبائع التطرف

عمارة بيتنا العتيق