هل سيخلع الجولاني العمامة حقًّا؟

هل سيخلع الجولاني العمامة حقًّا؟

أبو محمد الجولاني (وكالة أمجاد)

مرةً أخرى، يخرج قيادي جديد محسوب على التيار الأكثر تشددًا في صفوف هيئة تحرير الشام، تشكّل جبهة فتح الشام، النصرة سابقًا، عمودها الفقري، ليعلن عن استقالته من الهيئة في ظروف لا تزال غامضة حتّى الآن، بغضّ النظر عن الأسباب غير المقنعة التي سارعت قيادة الهيئة التي يتزعّمها الجولاني لتعميمها بين أفرادها، كمحاولةٍ للالتفاف على أي انشقاقٍ يهدّد وحدة صفّ التنظيم الإرهابي.

تعامل البعض مع خبر استقالة أبو اليقظان المصري كحدث طبيعي، مرجعين السبب إلى خلافاتٍ قد تكون نشبت مؤخرًا بين الأخير والجولاني

قرار الاستقالة، أو الإقالة، بدا مفاجئًا للمهتمّين بشأن الشمال السوري. بينما بدا صادمًا في أوساط قادة ومقاتلي تحرير الشام كذلك الأمر، خصوصًا وأنّ الأخيرة تمكّنت مؤخرًا من السيطرة، عسكريًا وخدماتيًا، على معظم محافظة إدلب، وبعض مناطق ريف حلب الغربي، بعد عدّة معارك ضدّ فصائل من الجيش السوري الحر، جديرٌ بالذكر أنّ للقيادي المستقيل دورًا بارزًا في تحقيق مجمل الأهداف التي انطلقت لأجلها تلك المعارك.

اقرأ/ي أيضًا: إمارة الجولاني بتوقيت إدلب

يجري الحديث هنا، دون شك، عن القيادي محمد ناجي، المعروف بـ أبو اليقظان المصري، قيادي سابق في حزب النور السلفي المصري، وشرعي الجناح العسكري في هيئة تحرير الشام، وأكثر القادة العاملين في صفوف الأخيرة جدلًا كذلك، لما يصدر عنه من فتاوى إشكالية غير مقبولة في المشهد الجهادي في الشمال السوري.

تعامل البعض مع خبر استقالة أبو اليقظان المصري كحدث طبيعي، مرجعين السبب إلى خلافاتٍ قد تكون نشبت مؤخرًا بين الأخير والجولاني، ولكن دون المجيء على ذكر طبيعة تلك الخلافات التي أفضت كما بات واضحًا إمّا إلى استقالة المصري، أو طرده من قبل الجولاني.

وإن سلّمنا بفكرة أنّ استقالة أبو اليقظان المصري، أو طرده، في وقتٍ حسّاس وعصيب كهذا، قد تعكس حالةً من الاضطّراب والتصدّع الذي يهدد وحدة صفّ تنظيم الجولاني، الأمر الذي يفضي بطبيعة الحال إلى تطوّراتٍ قد تشمل أسماء جديدة تلتحق بالقيادي المصري، إلّا أنّ البحث في حقيقة وخلفيات هذه الاستقالة تبدو ضرورة لفهم تحرّكات تحرير الشام بشكلٍ عام، والجولاني بشكلٍ خاص.

فالجولاني كان يعتمد على الشرعي المصري المتشدد في إصدار فتاوى تجيز لمقاتلي تحرير الشام قتال فصائل الجيش السوري الحر بما يتلاءم ويخدم مصالحه التوسعية في الشمال السوري، الأمر الذي عكس آنذاك قوة العلاقة بين الرجلين. ولكن بوادر الخلاف بينهما ظهرت أولًا حين أعلن الجولاني في تسجيل مصوّر بُثّ مؤخرًا عن تأييده العملية العسكرية التركية المرتقبة ضدّ الوحدات الكردية شرق الفرات، وهو ما يتناقض مع فتوى أبو اليقظان المصري التي حرّمت القتال إلى جانب الأتراك. وفي سياق متصّل، جدير بالذكر أنّ ما سبق، أي القتال إلى جانب الأتراك، كان ذريعة استغلها الجولاني للقضاء على عددٍ من الفصائل المسلّحة التي كانت تحظى بدعمٍ تركي.

أخذ الخلاف بين الجولاني رجل القاعدة السابق، والشرعي المصري متقلّب الولاءات بين فصيلٍ وآخر، منحىً أكثر تعقيدًا وتصعيدًا في الأيام العشرة الأخيرة، تكلل أخيرًا بإصدار الجولاني قرارًا يقضي بمنع شرعيي هيئة تحرير الشام من الظهور الإعلامي، أو إصدار الفتاوى دون الرجوع إليه.

تكلل الخلاف بين الجولاني وأبو اليقظان المصري بإصدار الأخير قرارًا يقضي بمنع شرعيي هيئة تحرير الشام من الظهور الإعلامي، أو إصدار الفتاوى دون الرجوع إليه

قرار الجولاني في الواقع لا يستهدف سوى أبو اليقظان المصري، فالأخير بات يحظى بشعبية متزايدة بين مقاتلي تحرير الشام، تقلق بالضرورة الجهادي متقلّب المواقف، بالإضافة إلى أنّ المصري المتشدد بات العقبة الأخيرة التي تقف في وجه تحقيق الجولاني لمشروعه التوسعي الذي يهدف إلى تنصيب تنظيمه كحاكم محلّي للشمال السوري، علمًا أن المشروع السابق غير جديد على الإطلاق. ولذلك، يعد التخلص من الشرعي المصري في وقت كهذا خطوة أخرى من خطوات الجولاني لتخفيف هيئة تحرير الشام من أي عبءٍ أيديولوجي تنظيمي فكري يؤكّد الهوية الأيديولوجية للتنظيم، أي الفكر السلفي الجهادي الذي يتعارض مع مسعى تلميذ أبو مصعب السوري إلى تبنّي المشروع الثوري بعد رأى فيه ضمانة للبقاء لوقتٍ أطول.

اقرأ/ي أيضًا: الجولاني ينفصل عن القاعدة: إلى أين؟

في مقابل ذلك، يعد الانسجام الأخير مع الخطاب الثوري، الشكلي بطبيعة الحال، نقطة خلاف أخرى شديدة التعقيد بين الجولاني والشرعي المصري المتمسك بالهوية السلفية لتحرير الشام، لا سيما بعد أن انتشرت في الفترة الأخيرة عدّة أخبار عن تصوّرات الجولاني للمرحلة المقبلة في الشمال السوري الذي سيطر تنظيمه عليه بشكل شبه كامل. تمثّلت تصوّرات الجولاني وفق عدّة مصادر بالتقرّب أولًا من الجانب التركي، والوصول إلى تفاهمات ترضي جميع الأطراف والفصائل في إدلب، من خلال تشكيل غرفة عمليات واسعة تجمع كلّ المكوّنات تحت إشراف وزارة الدفاع في حكومة الإنقاذ، الذراع المدني للجولاني الذي يرى في تمكين دورها في المناطق المحرّرة ضرورة للوصول إلى صيغة تقضي بإدارة الشمال السوري المحرر بالتعاون بين كل الفصائل.

تعكس تصوّرات كهذه رغبة الجولاني في تغيير ملامح تنظيمه مرةً أخرى بحيث يكون منسجمًا مع طبيعة المشروع الذي يعدّه للمناطق المحرّرة. كذلك تعكس مسعاه الدؤوب إلى فرض حكمه محليًا من خلال ذراعه المدني – الخدماتي في نموذج رأى البعض أنّه مطابق لنموذج حزب الله اللبناني في الضاحية الجنوبية من العاصمة بيروت.


أبو اليقظان المصري

الجولاني بدوره يرى أنّ تحقيق ما سبق ذكره يعتبر تمهيدًا لكسب ثقة المجتمع الدولي وبعض القوى الإقليمية، تركيا وروسيا على وجه التحديد، وبالتالي، قطع مسافة جيدة في مسعاه نحو شطب تنظيمه من لوائح الإرهاب، وفتح المجال أمامه لممارسة العمل السياسي، لا سيما لجهة المفاوضات، وفي ظل الحديث المستمر عن حل سياسي مرتقب لا يريد رجل القاعدة السابق أن يكون خارجه، وأن يخرج بعد 7 سنواتٍ من الحرب والتقلّبات في المواقف والتحالفات خاسرًا. ولكن، هل مشروع الجولاني في تغيير ملامح تنظيمه هو الأوّل؟

منذ أكثر من 7 سنوات، كانت المهمّة التي أُوكِلت إلى أبو محمد الجولاني بعد أن وصل إلى سوريا قادمًا من العراق، مبعوثًا من البغدادي، هي أن يجد موطئ قدم لا لتنظيم القاعدة، بل لدولة العراق الإسلامية تحديدًا، المرتبطة بالقاعدة ولكن دون اتصالاتٍ مستمرّة مع القيادة المركزية في أفغانستان. اتفقّ الجولاني وزعيمه أبو بكر البغدادي، زعيم دولة العراق الإسلامية، ومؤسس الدولة الإسلامية في العراق والشام فيما بعد، على ما سبق. وبناءً على ذلك الاتّفاق، سارت الأمور بشكلٍ طبيعي في الأشهر الأولى التي تلت إعلان الجولاني عن تنظيمه، النصرة، في شريط مرئي لا يختلف شكلًا ومضمونًا عن مرئيات القاعدة، دون أن يظهر في الشريط.

منذ أكثر من 7 سنوات، كانت المهمّة التي أُوكِلت إلى أبو محمد الجولاني، مبعوثًا من البغدادي، هي أن يجد موطئ قدم  بمعزل عن تنظيم القاعدة

في ذلك الوقت، أعلن الجولاني عن ولادة النصرة كفصيل عسكري فاعل في المشهد السوري، وعلى ارتباط وثيق بالبغدادي والقاعدة، ولكن بفوارق كبيرة عن القاعدة أولًا، ودولة العراق الإسلامية ثانيًا. فمسعى الجولاني كان تكوين تنظيم لا يكون للبغدادي اليد العليا في تسيير أموره، بحيث يكون متفرّدًا باتّخاذ قرارات تنظيمه، دون الرجوع إلى أحد.

اقرأ/ي أيضًا: الجولاني... طالبان ع البال

خطوة كهذه يدرك الجولاني مدى صعوبة أن تتحقّق إن ظلّت الأمور تسير وفق الاتفاق بينه وبين البغدادي، فأرسل أولًا يطالب الأخير بصلاحياتٍ واسعة في عملية تشكيل النصرة، قائلًا إنّ تطبيق النموذج العراقي في سوريا يبدو مستحيلًا. وحين حصل على مبتغاه، عاد إلى تأسيس النصرة على أساس وفكر القاعدة كمنظمة وفكرة، ولكن لأسبابٍ لا تتعلّق بالولاء، بل من أجل أن يكون للتنظيم الجديد أساس أيديولوجي يجيز وجوده، ويميزه عن التنظيمات الأخرى، ويساعده كذلك الأمر في استقطاب المقاتلين والممولين. ولكن النصرة، في مخطّطات الجولاني الطموح، كانت تنظيمًا متكيّفًا مع كلّ المتغيّرات، بحيث يكون وجوده طويل الأمد، وغير مرتبط بتوقّف أو استمرار الحرب.

رفض الجولاني لاستنساخ نموذج دولة العراق الإسلامية في تكوين النصرة، كان الخطوة الأولى في مشروع السيطرة والتفرّد بالقرار. الخطوة الثانية تمثّلت في الانشقاق عن البغدادي دون أن يكون انشقاقًا عن القاعدة، بل تقرّبًا من الأخيرة والظواهري كذلك الأمر.

في المقابل، كان البغدادي في العراق قلقًا من تنامي قوّة النصرة، وتحول الجولاني من مجرّد مبعوثٍ صغير إلى قائد قوي بات في مقدوره الاتّصال بالظواهري مباشرةً، وبالتالي، الاستقلال عن البغدادي ودولة العراق، وتعيين نفسه، بدعمٍ من الظواهري، زعيمًا مستقلًا للنصرة التي ستكون فرعًا مستقلًا للقاعدة في سوريا، مستغلًا الخلافات بين القيادة المركزية في أفغانستان، وتلك الفرعية في العراق.

أواخر العام 2012، بات البغدادي مطّلعًا على ما يدور في ذهن الجولاني من خطط للانشقاق والاستقلال بقرار النصرة، وما يدور كذلك بين الأخير والظواهري في الخفاء. فأعلن، مستبقًا تحرّكات الحليفين القديمين، ولادة الدولة الإسلامية في العراق والشام. وكخطوة أخرى للالتفاف على الجولاني، أعلن في تسجيل صوتي أنّ تنظيمه الجديد وجبهة النصرة على وشك الاندماج في تنظيمٍ جديد يمتدّ بين العراق والشام.

في العاشر من نيسان/ أبريل 2013، رفض الجولاني في تسجيل صوتي كلّ ما ورد على لسان البغدادي، متعهِّدًا كذلك بالولاء للقاعدة والظواهري

في العاشر من نيسان/أبريل 2013، رفض الجولاني في تسجيل صوتي كلّ ما ورد على لسان البغدادي، متعهِّدًا كذلك بالولاء للقاعدة والظواهري. كان التسجيل تأكيدًا صريحًا على الانشقاق بين الرجلين، أي بين النصرة ودولة العراق. ومن جانبٍ آخر، كان تأكيدًا على التقرّب من الظواهري لفترةٍ لن تستمرّ لوقتٍ طويل. فالانشقاق بين التنظيمين بلور الفوارق الكبيرة بين النصرة والقاعدة؛ فوارق أشارت إلى أنّ للجولاني طريقًا ثالثًا منفصل عن الظواهري والبغدادي. فالفكر السلفي للنصرة كان في ذلك الوقت، وإلى الآن، ينطوي على التباسٍ أيديولوجي صريح وواضح. فما الذي ميّز النصرة عن كلّ التنظيمات الفرعية الأخرى للقاعدة؟

اقرأ/ي أيضًا: "تحرير الشام".. مصير مجهول في شمال سوريا بحثًا عن إدارة ذاتية

مؤخرًا، تبيّن أنّ الجولاني كان يعمل سرًّا على عدّة نقاط لم تكن حاضرةً في فكر القاعدة أو حتّى دولة العراق. فمنذ الإعلان عن ولادة النصرة، عمل الجولاني على جذب الحاضنة المحلّية إلى صفّ تنظيمه في أماكن تواجده، بحيث يكون محميًا بقاعدة شعبية كذلك. وفي الوقت الذي يستمرّ فيه إسقاط العمل السياسي من أجندات القاعدة، كان تكوين جناح سياسي للنصرة على رأس أولويات الجولاني.

يعكس ما سبق ذكره التناقض الكبير والفوارق الجوهرية بين القاعدة والنصرة، ويشير إلى استحالة استمرار عمل الأخيرة ضمن مشروع الأولى، فذهب الجولاني نحو إعلان الانشقاق عن الظواهري، وفك الارتباط رسميًا بالقاعدة في تاريخ 28 تموز/ يوليو 2016، والإعلان عن تشكيل جبهة فتح الشام، بعد أن نال موافقة الشرعية المحليّة، والأخرى العالمية، قبل أن ينقلب على الأخيرة لصالح الأولى، فبات واضحًا أنّ فكّ الارتباط بطبيعة الحال كان خطوة أخرى نحو تغيير ملامح النصرة، وجزءًا من سياسة التكيّف عند الجولاني.

تغيير ملامح النصرة مرةً أخرى كان بقصد التقرّب أكثر من الخطاب الثوري والعمل السياسي. بناءً على ما سبق، شرع الجولاني في مباحثاتٍ مع الفصائل في الشمال السوري لإنشاء كيان عسكري واحد، ولكن مسعى الجولاني قوبل بالرفض، فالفصائل كانت تتخوّف من توقّف التمويل في حال الاندماج مع فصيلٍ مصنّف عالميًا كتنظيمِ إرهابي.

ردّ الجولاني على الفصائل الرافضة للتوحّد مع تنظيمه بالإعلان عن تأسيس كيان عسكري سياسي تحت مسمّى هيئة تحرير الشام، ضمّ آنذاك إلى جانب فتح الشام، النصرة سابقًا، الجناح الجهادي المنشق عن حركة أحرار الشام الإسلامية (جيش الأحرار)، وحركة نور الدين الزنكي (انشقّا لاحقًا عن الهيئة)، وبعض الفصائل الصغيرة الأخرى، موجّهًا الضربة الأخيرة للقاعدة، ومحررًا تنظيمه الجديد كذلك الأمر من أعباء الأيديولوجيا السلفية.

تزامن إعلان الجولاني عن تأسيس تنظيمه الجديد مع حملة أمنية تخلّصت من كلّ الوجوه المعارضة للإعلان، المتشدّدة منها على وجه التحديد. وخاض بعد ذلك الإعلان عدّة معارك ضدّ الفصائل المعتدلة المدعومة تركيًا، أسفرت عن سيطرة الجولاني مؤخرًا على إدلب وريف حلب الغربي. وبناءً على ما سبق، بات الجولاني وتنظيمه قوّة مهيمنة على الشمال السوري، والمشهد الثوري.

إلى جانب ذلك، بات الجولاني وتنظيمه الجديد أكثر نشاطًا على الصعيد السياسي والمدني والخدماتي. وأكثر استقلالًا عن الداعمين والممولين. وأكثر انفتاحًا على المجتمع الدولي بشكلٍ عام، والجانب التركي بشكلٍ خاص. فما أراده الجولاني من معركته ضد الفصائل المعتدلة، والسيطرة على إدلب، وتمكين حكومة الإنقاذ في المحافظة، ومسعاه لاحتواء الفصائل والمكونات في غرفة عمليات واحدة تحت إدارة الإنقاذ؛ هو أن يكون ممثلًا عن السوريين بدلًا عن الفصائل التي انتهت على يده، وسحب كرسي التفاوض منها، وفرض تنظيمه وحكومته كبديلٍ باعتباره الأكثر جدارةً بالتفاوض، وضمان ألّا يُستبعد من أي حلّ سياسي، فهو من يسيطر على آخر المناطق المحررة، ويجمع كل المكوّنات في الشمال تحت إدارة حكومته، إن تحقّق ما يطمح إليه.

يترقّب الجميع خروج الجولاني ليعلن عن مشروعٍ جديد يغيّر ملامح هيئة تحرير الشام تماشيًا مع تصوّراته

في ظلّ الحديث عن تصوّرات الجولاني للمرحلة المقبلة، والتي أخذت زخمًا واسعًا بعد استقالة أبو اليقظان المصري، يترقّب الجميع خروج الجولاني ليعلن عن مشروعٍ جديد يغيّر ملامح هيئة تحرير الشام تماشيًا مع تصوّراته. المعروف أنّ أي إعلان يصدر عن الأخير، يأتي بعد حملة تطهير واسعة في أروقة تنظيمه. ويبدو أنّ الشرعي المصري كان الضحية الأولى.

من القاعدة والفكر السلفي الجهادي العالمي، انتقل الجولاني إلى تمكين الهوية السورية لتنظيمه، وجذب الحاضنة المحلية والتقرّب من الخطاب الثوري الوطني. عامل الأتراك كعدو وقاتل الفصائل التي حاربت إلى جانبهم، ثمّ عاد للتقرّب منهم. أنهى فصائل عديدة، وقتل المئات من مقاتليها، ثمّ مدّ يد الصلح للجميع. فهل ستكون الخطوة الأخيرة للجولاني هي خلع العمامة للسير في مشروعٍ سياسيّ تكون له فيه اليد العليا؟

اقرأ/ي أيضًا: "هيئة تحرير سوريا"... الفصائل المتشددة تتوحد

خلع العمامة بات أمرًا واقعًا قريب الحدوث، والمشروع السياسي يطبخ كذلك على مهل. ولكنّ ذلك لا يعني أنّ تنظيم الجولاني سيتمكّن من الصمود طويلًا.

عدا عن التهديدات الدولية التي تلاحقه باعتباره تنظيمًا إرهابيًا، والتي يأمل الجولاني أنّ يتفاداها عبر تصوّراته ومشروع الإدارة المشتركة للشمال المحرر، إلّا أنّ هناك تهديدًا آخر يتمثّل في سعي الرجل إلى طمس الهوية السلفية للتنظيم، الأمر الذي يفضي إلى إفقاده شرعية وجوده عند جنوده، ما يمهّد إلى انهياره، لا سيما في ظلّ وجود منافس، تنظيم حرّاس الدين الذي يحمل فكر القاعدة. ما معناه أنّ الجولاني مهما ابتعد عن فكر القاعدة، سيعود في نهاية المطاف إليه، فهو الوحيد القادر على لمّ شمل تنظيمه في حال انهياره.

 

اقرأ/ي أيضًا:

النصرة.. جولة جديدة من الحرب الروسية في سوريا

"جبهة النصرة"... داخل تنظيم "القاعدة" أم خارجه؟