"مش سايب حد في حاله".. الأمن المصري يعتقل طلابًا من "الإيغور" تقربًا للصين

بعد مطاردتها لرعايا العديد من الجنسيات، السلطات المصرية تشن حملة اعتقالات ضد طلاب أزهريين من الإيغور (مصطفى الشامي/ الأناضول)

فَضّل أن يكون التواصل عبر فيسبوك وبالرسائل المكتوبة دون التحدث إلينا صوتيًا، وبلغة عربية متوسطة الإتقان، قال لنا: "رأيتهم من المطعم. كانوا يسألون: أنت صيني؟ لو نعم، هم يأخذون"، يقصد أنهم يأخذون من يجيب بنعم على السؤال. 

انفطع التواصل بيننا ليوم كامل، حتى اعتقدنا أنه اعتقل قبل أن يعود للظهور مرة أُخرى، ونكمل معه الحوار، الذي انتهى بخبر أورده لنا بترحيل 12 طالبًا إيغوريًا إلى الصين، فيما كانت صحيفة نيويورك تايمز قد قالت إنهم 22 إيغوريًا رُحّلوا هناك.

كانت مقابلةً مليئة بالخوف من المجهول، بطلها الطالب الإيغوري محمد، الذي طلب عدم ذكر اسمه كاملًا لأسباب تفهمناها، كما تفهمنا اختفاءه المفاجئ على مدار وقت المحادثة ما بين الحين والآخر، وكذلك أسئلته الكثيرة عن هويتنا، من نحن وهذه المقابلة لصالح أي وسيلة إعلامية؟ وهو الذي حمله القدر على النجاة من الصالة الرئيسية بالمطعم الإيغوري الذي بدأت منه الشرطة المصرية حملة الاعتقالات الواسعة ضد عشرات الطلبة الإيغوريين منذ أيام. 

للنظام المصري الحالي خبرة في مطاردة رعايا الدول الأُخرى، منذ تموز/يوليو 2013، وعلى رأسهم السوريين والفلسطينيين والسودانيين

قال محمد لـ"ألترال صوت": "كنت سأسجن لو أنني لم أخرج وأترك صالة الطعام الرئيسية في الحي السابع (بحي مدينة نصر في القاهرة)"، مُوضحًا أنّ الشرطة هاجمت عددًا من المنازل والمطاعم والأماكن الذي يتردد عليها الطلاب الصينيون المسلمون من أقلية الإيغور، واعتقلت العشرات منهم، دون إعلان أو توضيح لسبب الاعتقال، "فقط يسأل: أنت صيني من الإيغور؟"، وبمجرد التأكد يُلقي القبض فورًا على الطالب.

اقرأ/ي أيضًا: الأمني/الإنساني.. جدلية اللجوء في مصر

عدد الذين اعتقلوا من المطعم حوالي 30 شخصًا، لكن آخرين أُلقي القبض عليهم من أماكن أخرى، واضطر بعض الطلاب وبعض العائلات الإيغورية إلى الهروب خارج القاهرة. وبعض الذين قُبض عليهم احتجزوا في قسم مدينة نصر، وآخرين في أماكن اُخرى غير معروفة، كما قال لنا محمد الذي رفض توقع سبب الحملة الأمنية: "لم يخبرنا أحد بالسبب، وأنا لا أعرف. أنا فقط طالب أدرس العلوم الشرعية".

تساءل محمد مغاضبًا: "أين الأزهر؟ لماذا لا يدافع عن طلاب سافروا للتعلم فيه، ليكونوا دعاة ومؤمنين بحق؟"، ثُمّ اختفى بعد أن نقل لنا خبر ترحيل 12 من زملائه الإيغور إلى الصين.

ولم تكن تلك سابقة أولى للنظام المصري الحالي، صاحب الخبرة في مطاردة رعايا عدة دول، منذ تموز/يوليو 2013، على رأسهم سوريون وفلسطينيون، وخلال الشهور الماضية تصاعدت أزمات لمواطنين سودانيين، وأخيرًا انضم إليهم الإيغور، الفارون أصلًا من قمع النظام الصيني لهم، إلى بلادٍ "مسلمة"، اعتقدوا فيها الأمن والأمان و"الإيمان"!

الاعتقال والهرب  

ليس ثمّة رقم محدد لأعداد الإيغور المعتقلين في مصر خلال الأيام القليلة الماضية، ولم تتفق الروايات، بما فيها روايات الإيغور أنفسهم، لصعوبة الإحصاء في ظل التعتيم الرسمي في مصر، فضلًا عن استمرار المطاردات والمداهمات وحملات الاعتقال، ففيما يقول البعض إنهم بالعشرات، يقول موقع رابطة علماء أهل السنة، إن أعدادهم قد تصل إلى 500 إيغوري. وبخلاف المعتقلين في القاهرة، هناك أنباء عن اعتقالات طالت بعض الإيغور في محافظات اُخرى، من بينها الإسكندرية.

منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية، قالت إن المعتقلين من الإيغور بالعشرات، مُضيفة: "ويبدو أنهم بصدد ترحيلهم بطلب من الحكومة الصينية"، واصفةً ما يحدث بـ"التطور المثير للقلق"، علمًا بأنّ الكثير من المعتقلين غير معروفة أماكن احتجازهم، وهو ما طالبت هيومن رايتس ووتش بالكشف عنه وتوضيحه من قبل السلطات المصرية.

من جهتها، قالت الحكومة الصينية في تصريحات رسمية على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، أمس الخميس، في مؤتمر صحفي، إنّهم على اطلاع بالأمر، وإن مسؤولين في السفارة الصينية سيزورون الطلبة المحتجزين، دون إعطاء مزيد من التفاصيل عما يحدث.

ترتيبات مصرية صينية

رغم أنّ مصدرنا الإيغوري، محمد، رفض توقع سبب وراء الاعتقالات، وهو أمرٌ متفهم في سياق الحملة الأمنية، إلا أنّ عديد المصادر رجّحت أن يكون الدافع وراء حملة الاعتقالات المفاجئة ترتيبات بين الجانبين المصري والصيني، خاصة بعد لقاء سابق في حزيران/يونيو الماضي، في القاهرة، جمع بين وزير الداخلية المصري مجدي عبدالغفار ونائب وزير الأمن العام الصيني "تشن زيمين"، والذي وُقّعت خلاله وثيقة تعاون في عدد من المجالات الأمنية المتخصصة مع أجهزة الأمن الصينية، وحينها أعرب المسؤول الصيني عن تطلع بلاده إلى تفعيل قنوات تبادل المعلومات ذات الصلة بما أسماها بـ"التنظيمات المتطرفة".

ورغم مرور أنباء هذا اللقاء بصورة طبيعية دون كثير من الضجة، إلا أنه على ما يبدو جاء في إطار تنسيق متنامٍ بين البلدين على عدة مستويات، ففي الثالث من تموز/يوليو الجاري، جمع لقاء في القاهرة، بين نائب رئيس مكتب إعلام مجلس الدولة الصيني (يمثل وزارة الإعلام في الصين)، "شيويايينج"، وبين ضياء رشوان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات. كما أنّه من المقرر أن يزور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، العاصمة الصينية بكين، في أيلول/سبتمبر القادم، للمشاركة في منتدى الاقتصاديات الناشئة، والذي سيعقد على هامش قمة البريكس، التي تتولى الصين رئاستها، والذي يفترض انعقاده خلال يومي الثالث والرابع من أيلول/سبتمبر القادم في مدينة شيان الصينية.

أين الأزهر مما يحدث؟

تتبع جامعة الأزهر إداريًا مشيخة الأزهر الشريف، التي يترأسها أحمد الطيب. ورغم انتشار عشرات الصور ومقاطع الفيديو لطلاب من الإيغور أثناء أو بعد اعتقالهم؛ إلا أن الأزهر، وحتى وقت كتابة التقرير، لم يتدخل لمنع ما يقع مع من هم من طلابه.

نفى المتحدث باسم جامعة الأزهر في تصريحات لـ"ألترا صوت"، اعتقال أي طالب في الجامعة!

بدورنا حاولنا التواصل مع رئيس جامعة الأزهر محمد المحرصاوي، لكن دون جدوى، حتى اتضح من صحفيين حاولوا أيضًا التواصل معه، أنه لا يرد على أي اتصالات ويرفض بالجملة التعامل مع وسائل الإعلام. توجهنا بالاتصال بالمتحدث باسم الجامعة، أحمد زارع، ليقول لـ"ألترا صوت"، في تصريح موجز جدًا: "ليست هناك حملات اعتقال لأي طالب في جامعة الأزهر، وشكرًا"! وهو نفس ما قد سبق له وأن كرره في تصريحات صحفية سابقة.

اقرأ/ي أيضًا: مشايخ السلطة.. الصراع على تصدر المشهد

المفاجئ بالبحث في أرشيف تصريحات وبيانات شيخ الأزهر، أحمد الطيب، أنّه في 2015، أصدر بيانًا يندد فيه بالانتهاكات التي تمارسها السلطات الصينية ضد الإيغور داخل الصين، وتحديدًا تجريم الصيام في شهر رمضان. ولا نعلم إلى الآن ما هو موقف الطيب من ترحيل طلبة من الإيغور إلى نفس السلطات الصينية التي كان قد ندد بانتهاكاتها ضد هذه الأقلية المسلمة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حقوق الإنسان في مصر.. مأسسة الانتهاكات

الطيب والرئيس.. ما الذي يريده السيسي حقًا من حربه على شيخ الأزهر؟