الشرطة المصرية (2).. عقيدة الفشل

الشرطة المصرية (2).. عقيدة الفشل

رجل شرطة مصري ينظر لأحد المظاهرات المعارضة استعدادا للمشاركة في فضها (Getty)

يقول ابن حزم الأندلسي رحمه الله: "الأصل في كل عماء وبلاء؛ اختلاط الأسماء"، وعلى عماء وبلاء ما يُسمى بـ"حفظ الأمن" دون تحديدٍ لما يعنيه، يقوم جهاز الشرطة المصرية، مُعتبرًا نفسه حامي حمى الأوطان بالوصيّة، إذ تتركز فيه كل القيم الذكورية والأبوية، المتسلطة على مجتمع، يرى أفراد الشرطة/ نتاج هذه المفرخة، أنه فاقد للأهلية بالضرورة.

 في يد رجل الشرطة، باعتباره ممثلًا عن جماعته، سُلطة غير مُقيّدة تقع تحت مظلة شديدة الاتساع والتطرف

هنا يكمن مربط الفرس: ما الذي يعنيه الأمن؟ وما هي مقدار السلطة المُعطاة للقائم بمهام تحقيق الأمن؟

ديفيد بالدوين، أستاذ العلوم السياسية الأمريكي، يعتقد أنّ تعريف الأمن "مُراوغ، إذ تتحكم فيه اعتبارات عملية وسياسية ومعيارية، بصرف النظر عن مشروعية هذه الاعتبارات". على هذا النحو إذًا، يُمكن القول إن تحديد تعريف نظري للأمن -أو غيره من المفاهيم المطاطية متعددة الدلالة- يرتبط بعقلية مُنتجه بدرجة كبيرة، كما أنّ التعريف العملي أو التطبيقي، يخضع لسيطرة ذي السلطان، أو من يُسمّى بمحتكر العنف في نطاقه.

إذًا، إن كانت العقيدة الوظيفية لرجل الشرطة المصري قائمة على تحقيق الأمن العام، دون اتفاق مُسبق ومُعلن على حدود ملامح هذا الأمن، وهو أمر عسير؛ فإنّ في يد رجل الشرطة، باعتباره ممثلًا عن جماعته، سُلطة غير مُقيّدة تقع تحت مظلة شديدة الاتساع والتطرف. ويُمكن رؤية دلائل ذلك في التضخم الشرس لجهاز الشرطة المصرية، وتدخله في كافة مناحي حياة المواطن المصري. فتقريبًا لا توجد وزارة من الوزارات أو إدارة من الإدارة إلا وللداخلية يد فيها بقسم مدني أو عسكري.

وهُنا أحب استعارة المقولة الغنائية "يا غراب ومعشش جوه بيتنا" الواردة في إحدى نصوص أغاني "ألتراس أهلاوي"، والذي أعتبره عمومًا من أهم النصوص الكاشفة والناقدة لأبرز إشكاليات الجهاز الأمني المصري. فالتشبيه بالغراب له دلالته التراثية المُعبّرة عن الشُؤم وسوء الحظ، وحين يكون الشؤم وسوء الحظ "معشش"، أي متفشٍ ومتجذرٍ؛ فهذه لعنة حقيقية تستحق الندب أو الغضب.

هذه الدرجة من السلطة النظرية والقانونية وأخيرًا العملية، تُنتج نمطًا من الممارسات المتوقعة في سياقها، والطبيعية بالنسبة لفاعلها، لذا كان أيمن محمود حبلص طالب أكاديمية الشرطة، الحائز على شهادة الطالب المثالي من الإدارة العامة للأمن المركزي بالإسكندرية، عام 2011، مُتسقًا مع ذاته المُتشربة من جماعتها، حين نشر قصيدته الركيكة التي يتطاول ويهدد فيها أي ساخر من البوليس.

قصيدة حبلص تكشف بدرجة مروعة عن المزيج المشوه الذي يُكوّن عقليته وأمثاله، فهو من جانب يسرد بعضًا من تجاوزات الشرطة المصرية التقليدية (هيخلوا عيشة أهلك هباب - معلمة على قفاك - قعدت في يوم على المنفاخ)، وكأنها من دواعي الفخر. ومن جانب آخر يُؤكد على أهمية ما يُمثله، باعتباره حارس الأوطان. ولا نعلم على وجه الدقة ما الذي يقصده حبلص بحراسة الأوطان، أو ما يقصده بالأوطان نفسها، إذا كان يرى في الوقت ذاته أن اتقاء الله في بلادنا يعني الاعتراف الضمني بأن "ضباطها أسيادنا".

طالب أكاديمية الشرطة -كنموذج- يتحدث عن مصر باعتبارها وطن الأسياد المُتفضلين بحمايتها وبتقبّل رعاعها على مضض. وأن يعترض الرعاع، ولو باستحياء، على الأسياد، فإن هذا غالبًا ما يعني أنهم "حرامية" أو بهائم أو "رقاصين".

عقيدة الفشل هي جُزء لا يتجزأ من  عقيدة الجهاز الشرطي المنوط به تحقيق هذا الأمن ولن يُغيّره سوى الإطاحة بالجهاز وإعادة تشكيله من جديد

هذه العقيدة الأمنية/ الوظيفية، التي ابتلعها حبلص وغيره من أقرانه وأسياده حتى صاروا جميعًا جزءًا من نسقها؛ ينكشف فشلها الأدائي والوظيفي حين نعلم أنّ شهر نوفمبر الماضي وحده شهد مقتل 13 مواطنًا مصريًا وتعذيب 42 آخرين، أثناء فترة احتجازهم لدى الشرطة، وفقًا لتقرير أعده مركز النديم.

وعلى مُستوى آخرٍ يظهر فشلها في عدم قدرة الشرطة على الأداء الفعّال في مواجهة ما يُسمى بالإرهاب، أو بتعبير يزيد صايغ "البطء المأساوي في الاستجابة للتهديدات الإرهابية"، سواءً في سيناء أو حتى في قلب العاصمة التي شهدت حادث اغتيال النائب العام السابق، هشام بركات، رغم الحراسة الأمنية المشددة، ورغم الانتشار الشرطي المكثف في الشارع المصري عامة. فضلًا عن غيره من التفجيرات، التي من طريف ما سيذكره التاريخ، أنها طالت فيما طالت، مبانٍ تابعة للشرطة المصرية رغم كل هذا القدر من التأمين المفروض حولها!

لذا، فنحن حين نقول إنّ السيسي، لم يكن صادقًا تمامًا حين زعم أن إطاحته بمحمد مرسي، كانت بغرض تحقيق الأمن للبلاد، إذ إنّ عقيدة الفشل هي جُزء لا يتجزأ من الجهاز المنوط به تحقيق هذا الأمن، وهو أمرٌ لا يُغيّره الإطاحة بمرسي أو بغيره. ما قد يُغيّره فقط هو الإطاحة بالجهاز وإعادة تشكيله من جديد، بعيدًا عن "الأمن" و"حراسة الأوطان".

اقرأ/ي أيضًا: 

توحش الشرطة المصرية(1)..محمية الميري

سجن العقرب..ماذا يحدث في جوانتانامو مصر؟