مراسلون على شفير القمع.. الشرطة الأمريكية تستهدف الصحفيين

مراسلون على شفير القمع.. الشرطة الأمريكية تستهدف الصحفيين

قمع الصحافة مستمر خلال الاحتجاجات ضد العنصرية في المدن الأمريكية (أ.ب)

259 حالة استهداف،على الأقل، طالت الصحافة أثناء تغطيتها موجة المظاهرات التي تجتاح الولايات المتحدة الأمريكية خلال أربع أيام. اعتقالات عشوائية، ضرب، رمي بالرصاص المطاطي كلّها كانت أشكالًا لهذا القمع، لتتكرر ذات صور فقء الأعين وبتر الأطراف، وتعيد نفس مشاهد قمع الاحتجاجات حول العالم خلال السنة الماضية. ما أعاد فتح الأسئلة عما يواجهه الصحفيون من عنف، وما يجعلهم الهدف الأول لقمع الشرطة، وسبل حمايتهم من الاعتداءات التي تقول مؤسسات أمريكية معنية بحرية الصحافة لـ"ألترا صوت"، إنها ممنهجة أكثر من أي وقت مضى.

جددت لجنة حماية الصحفيين على لسان ناطقتها الرسمية، بيبي سانتا وود،  في حديث خصت به "ألترا صوت"، دعوتها إلى وقف العنف ضد الصحفيين

اعتقالات.. عصي ورصاص

كان المشهد غريبًا، ذلك الذي تابعه الملايين عبرَ العالم على شاشات الـ CNN، حيث يظهرُ فريق القناة الأمريكية أثناء تغطية مباشرة للاحتجاجات المنددة بمقتل المواطن الأفرو-أمريكي جورج فلويد بمدينة مينيابوليس، محاطين بقوات شرطة، فيما جردت الشرطة الفريق من أدواتهم، لتلقي القبض عليهم أمام مرأى العالم بأسره، ودون تقديم أدنى تفسيرٍ لأسباب هذا الاعتقال.

اقرأ/ي أيضًا: العدالة لآداما.. شبح فلويد يوقظ جراح العنصرية في فرنسا

يحكي عمر خيمينيز، مراسلَ CNN، عن ظروف اعتقاله قائلًا: "لقد التزمنا بكل توصيات المهنية، أفسحنا لهم الطريق للمرور وانزوينا إلى ركن الشارع، حتى فوجئنا بأنفسنا محاصرين من قبل رجال الشرطة وتمّ إخباري أنني رهنُ الاعتقال". يضيف خيمينيز، في حديثٍ لقناته، أنه في المخفر سأل شرطيًا عن سبب اعتقاله، ليجيب الأخيرُ: "إننا فقط نتبعُ الأوامر!". إلى أن أخلي سبيلهم لاحقًا "دون تقديمِ أي اعتذار شخصي"، يقول المراسل.

حدث هذا بطريقة رأى فيها مراقبون أنها عرّت واقعَ التهديد الذي تعيشه الصحافة في أمريكا المنتفضة ضد العنصرية، تلك العنصرية نفسها التي يرجّح أنها كانت سبب استهداف واعتقال عمر خيمينيز، "لأنه أسمرُ البشرة!". هذا ما أكده زميله في العمل، جوش كامبل، الذي كان هو الآخر في الميدان يغطي الاحتجاجات غير أن الشرطة لم تعتقله، قائلًا: "ما حدث لعمر خيمينيز كان شيئًا آخرَ، له علاقة بلون بشرته، فأنا تعاملوا معي بشكل جيد لأن بشرتي بيضاء".

صحيح أن حاكمَ ولاية مينيسوتا قدّم اعتذارًا رسميًا عن الحادثة. غير أن اعتذار الحاكم تيم والز لم يتكرر إزاء حوادثَ اعتقالٍ أخرى، ربما للأسباب المحتملة ذاتها، طالت فرقًا صحفية من ضمنها فريق التلفزيون العربي. حيث كان واضحًا في شريط اعتقالِ الصحفيين العربيين وهما محاصرين كذلك من قبل شرطة مينيسوتا، يصرخ فيهما شرطي بالتهديدات، بينما الصحفية ريما أبو حمدية ترد:" أنت قم بعملك وأنا أقوم بعملي!". قبل أن يتم تكبيلها بصحبة زميلها المصور واقتيادهما.

تقول ريمَا: "سبق لي أن غطيت هذا النوع من المواجهات في أكثرَ من بلد، لكنني لم أتخيل يومًا أن يتمّ اعتقالي في الولايات المتحدة، البلد الديمقراطي الذي يضمن دستوره حرية التعبير". حيث قوبلت جميع محاولة الفريق من أجل توضيح سبب تواجدهم في الخارج أثناء حالة فرض حظر التجوال، مؤكدة على أنه لم تكن هناك مراعاة من جانب الشرطة لصفتهم المهنية كصحفيين. كما يوضح مصور التلفيزيون العربي، يزن سلقان، أن ما تعرضوا له ناجمٌ عن جهل قائد القوة التي اعتقلتهما بأن الصحفيين مستثنون من قانون حظر التجوال.

ليس الاعتقال وحده الشكل الوحيدَ للعنف المكرس على الصحفيين خلال الاحتجاجات الأمريكية الأخيرة، ففي حالة أخرى، استهدفت شرطة مينيابوليس طاقم تصوير وكالة رويترز برصاصٍ مطاطي مصوب مباشرة لوجه المصور. يوضح خوليو سيزار تشافيز، مصور الوكالة المذكورة، أن الشرطة استهدفتهم بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، وأنهم كانوا الهدف الرئيسي للهجمة وأن الاستهداف كان مباشرة للوجه. فيما نددت وكالة رويترز بهذه الحادثة، معتبرة إياها عدوانًا غير مبرر، ومؤكدة على أن طاقمها "كانت وظيفته واضحة ولم يكن يمثل أي تهديد للنظام العام".

كما فقدت صحفية أخرى، مستقلة هذه المرة، عينها باستهداف مماثل برصاصة حارقة. تقول الضحية ليندا تيرادو، أنه كان واضحًا من شارتها ومعدات التصوير التي تحملها أنها كانت صحفيّة، لكن هذا لم يثن الشرطة عن التصويب نحوها. تيرادو فقدت البصر نهائيًا بعينها اليسرى، وستعيش بهذه العاهة طول حياتها. وفي شريط آخرَ تصور كاميرا تلفزيون Wave3 شرطيًا وهو يصوب رشقًا من الرصاص الحارق على المراسلة وطاقمها، كما فقد مراسلٌ آخرُ لقناة KETV عينه بنفس الطريقة. ويوثق مقطعٌ آخرُ تعنيفَ طاقم تصوير القناة السابعة الأسترالية بالضرب، حيث يظهر الشرطي وهو يسدد ضرباته إلى الصحفيين المحتمين خلف جدار بمحاذاة البيت الأبيض.

400 حالة عنف تستهدف الصحفيين

"نشهدُ اليوم تصاعدًا كبيرًا في الخروقات التي تطال حرّية الصحافة بالولايات المتحدة!"، هكذا تفتتح كريستين ماك كادن، مديرة المرصد الأمريكي لحرية الصحافة، حديثها لـ "ألترا صوت". وفي الإجابة عن طلبنا تقديم توصيف شامل عن الحالة الراهنة، تقول: "رصدنا أكثرَ من 400 اعتداء، تعنيف واعتقالات وتكسيرٌ لمعدات الاشتغال، كلّها طرق تمّ نهجها لقمع الصحفيين، وأبطالها من الجانبين:  أغلبهم شرطة، مع وجود حالات قليلة كان فيها المتظاهرون من أقدموا على هذا الأمر. وتصاعدت وتيرة هذه الحالات منذ الجمعة الماضية لتصلَ هذا الرقم المرجح للتزايد مع تزايد الاحتجاجات".

بلغة الأرقام، تظهر المعطيات التي وثّقها المرصد، تسجيل استهداف 327 صحفي أثناء تغطية احتجاجات جورج فلويد. 58 منهم واجهوا اعتقالات ميدانية، فيما 261 حالة تهجم 69 منها عنف بدني وحالة واحدة لتحرش جنسي، 203 الجانون فيها رجالُ شرطة. 43 صحفيًا تم رشقهم بقنابل مسيلة للدموع، 24 بالرذاذ الحارق و77 كانوا هدفًا لبنادق الرصاص المطاطي. كما تم تسجيل 42 حالة تحطيم معدات العمل الصحفي وبنايات صحفية.

من جانبها جددت لجنة حماية الصحفيين على لسان ناطقتها الرسمية، بيبي سانتا وود،  في حديث خصت به "ألترا صوت"، دعوتها إلى وقف العنف ضد الصحفيين، قائلة: "على الشرطة الأمريكية الوقف الفوري لاستهداف الصحفيين وضمان حرية العمل الصحافي باستثناء العاملين من قوانين حظر التجول!". فيما عبّر رئيس اللجنة المذكورة، كارلوس مارتينيز دي لا سيرينا، في تصريح سابق له عن قلقه إزاء الحالة الراهنة التي وصفها بـ "المرعبة"، منددًا بما أسماه "الخرق الصارخ لحرية الصحافة والقيم الدستورية للبلاد".

كما عبر هارلم ديزير، ممثل منظمة الأمن والتعاون الأوروبية لحرية الصحافة، هو الآخرُ عن قلقه عن وضع الصحافة بالولايات المتحدة، داعيًا من جانبه السلطات الأمريكية إلى ضمان أمن وحرية الصحفيين في العمل وسط هذه الظروف التي تعيشها البلاد.

دليل سلامة لتغطية الاحتجاجات

استجابة لواقع العنف الذي ترزح تحته الصحافة داخلَ شوارع الاحتجاج بالولايات المتحدة الأمريكية، سعت لجنة حماية الصحفيين إلى صياغة دليل سلامة موضوع رهن إشارتهم. حيث يفصلُ هذا الدليل بين نوعين من العنف يقع مهنيو الصحافة عرضة له؛ الأول مادي والثاني رقمي. ويفصل في سبل الوقاية منهما.

في الشق المادي، وعلى رأس كل التوصيات، يمنع دليلُ العملَ التغطيات الميدانية للاحتجاجات بشكل منفرد، كما يؤكد ضرورة التسلح بمعدات وقائية: خوذة، نظارات واقية، قناع تنفس، بزة مضادة للطعن أو مضادة للرصاص في حالة وجود رصاص حي. كما يحث على البقاء في حالة تأهبٍ طيلة مدة العمل، مراقبة تحركات كل من الشرطة والجماهير ومحاولة تخمين مسارها، واستشعار مستوى الخطر المحتمل. هذا وعلى الصحفي، حسب ذات الوثيقة، المحافظة على بطاقته المهنية بارزة كتعريف بمهمته الميدانية، مع الإبقاء على نفسه خارج التجمهر، وتفادي الوقوع في حصار بين المتظاهرين وقوات الشرطة، والاحتماء في حالة وجود أي هجوم محتمل أو تصعيد في المواجهات. هذا دون أن يغفل الدليل الحالة الوبائية التي يمر بها الكوكب، وبالتالي شملت توصياته ارتداء الأقنعة الواقية والتوفر على معقم لليدين، حماية من العدوى.

رقميًا، فالصحفي معرض لتفتيش أدواته الإليكترونية أو ضياع هذه الأدوات منه أثناء التحرك، لهذا يوصي الدليل بضبط المعطيات الشخصية التي تحتويها هذه الأدوات أثناء الخروج إلى التغطية الميدانية. كما إبطال العمل بنظام البصمة أو التعرف على الوجه للولوج إلى الأجهزة الإلكترونية، والحفاظ فقط على رمز المرور وتدعيمه بحيث يكون صعب الفتح. وإبطال نظام الموقع لتفادي أي احتمال للملاحقة. في الأخير يرصد الدليل بوابة تواصلٍ أمان مع الصحفيين في حالة تهديد مستعجل، لتقديم المعلومات والدعم اللازمين في تلك الحالة.

أوجه عنف ممنهج

"وسائل الإعلام السخيفة تبذل قصارى جهدها لنشر الكراهية والفوضى. طالما يفهم الجميع تدليسهم، حقيقتهم السيئة والأجندات المريضة التي يحاولون نشرها..."، هكذا غرّدَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تفاعل مع الأحداث الأخيرة وفي تحريض معلن على الصحفيين. تغريدة ليست بالجديدة، مقارنة بما تم اعتياده من خطاب رئيس البلاد الحاقد على وسائل الإعلام المناهضة له، ذات الخطاب الذي غدا عندَ مناصيره شعارًا وذريعة تهجم على العاملين بهذه الوسائل.

لكن الربطَ بين هذا التحريض وما يقع على الأرض بعيدٌ من أن يكون سببيًا، أو دعوة رئاسية مباشرة تنفذُ على الأرض. هذا ما يسلطُ عليه الضوء مقالٌ في واشنطن بوست، يعود تاريخُه للسنة الماضية، والذي حذّر كاتبه من تصاعد مشاعر الكراهية ضدّ الصحفيين جرّاء صعود ترامب سدة حكمِ البلاد. يضيف المقال بأن اصطفاف ترامب إلى جانب النظام السعودي المتورط في جريمة تصفية صحفي، ووصم الصحافيين بأنهم "أعداء الشعب"، يكرسّ انطباع شرعنة إخراس الأصوات الصحفية. وفي لحظات كالتي تمرّ بها البلاد، يمكننا الاتكاء على ما جاء في المقال، لنفهم ما يقع الآن في إطارِ عنف ممنهج قائم على إرادة التعتيم على مجريات الأحداث، يُغذى بقابلية لشرعنة هذه الإرادة انطلاقًا من أيديولوجية إدارة ترامب.

ليست الولايات المتحدة الوحيدة التي تشهد موجات من القمع الممنهج للصحفيين، مع صعود إدارات جديدة لا تبدو آبهة بأسئلة حرية الصحافة والتعبير، خاصة خلال الاحتجاجات الواسعة في مدن أوروبية عديدة خلال السنة الماضية.

اقرأ/ي أيضًا: ارتبطوا بأبشع المجازر.. تعرف على رموز العنصرية الذين أزالت الاحتجاجات تماثيلهم

فرنسا التي عرفت سنة مزدحمة بالاحتجاجات، اعتقلَ فيها صحفي وعنف فقط لأنه صورَ هجوم قوات الأمن على المتظاهرين إبان الاحتجاج على قانون التقاعد، سجلت 62 اعتداء على صحفيين فقط في الأشهر الستة الأولى من احتجاجات السترات الصفراء، بين ضرب وتكسير معدات وصولًا إلى فقء العيون وبتر الأطراف بقنابلَ محرّمة دوليًا.

اعتقالات عشوائية، ضرب، رمي بالرصاص المطاطي كلّها كانت أشكالًا لقمع الصحفيين في الولايات المتحدة، لتتكرر ذات صور فقء الأعين وبتر الأطراف

في وصف هذا الواقع يقول تقرير منظمة مراسلون بلا حدود، بأن سنة 2019، عرفت ارتفاعًا مهولًا في الاعتداءات ضد الصحفيين، عدد منهم ضحايا لرصاص وقنابل الشرطة الفرنسية، فيما منع أغلبهم من تصوير الأحداث التي كانت تحصل في الشارع. هذا إضافة إلى التهديد بالقضاء الذي كان يمثل ضغطًا على الصحفيين الاستقصائيين، ويؤثر على تحقيقهم في القضايا الشائكة؛ مثال التحقيق مع صحفيي منظمة Disclose الذين اشتغلوا على كشف صفقات السلاح الفرنسية السعودية. والنتيجة، تقهقر فرنسا في التصنيف العالمي لحرية الصحافة بدرجتين، لتحل في المرتب الـ 34، عوض 32 سنة 2018.