مبادرة إماراتية وسعودية في اليمن.. صفقة

مبادرة إماراتية وسعودية في اليمن.. صفقة "كارثية" على درب حرب لا نهاية لها

تقود الإمارات مع السعودية صفقة في اليمن ستعود بعبدالله صالح إلى الواجهة من جديد (أرشيفية/ جوناثان ساروك/Getty)

في مقال تحليلي، تتحدث منصة "جَست سكيوريتي" الأمريكية للتحليل السياسي ودراسات الأمن القومي، عمّا أسمته بـ"صفقة كبرى" تقودها السعودية والإمارات في اليمن، وكيف أنّها، إن صحّت، تمثّل إعادة إنتاجٍ لأخطاء الماضي مع الثورة اليمنية في 2011، بل من المُرجّح حال تحققها أنّ تُؤدي إلى نسخة جديدة من الحرب اليمنية، لكن بلا نهاية محتملة. نقدّم لكم ترجمة المقال التحليلي في السطور التالية.


أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بيانًا رئاسيًا الشهر الماضي، يدعو فيه جميع أطراف الحرب اليمنية إلى "الانخراط في محادثات السلام بطريقة مرنة وبناءة دون شروط مسبقة وبنية حسنة". لكن أيًا من الأطراف المتحاربة في اليمن لم تُبدِ أي استجابة، وبينما لا تُظهر هذه الأطراف أي نية جادة بشأن مفاوضات وقف إطلاق النار، تتشكل مبادرة جديدة تقودها السعودية والإمارات خلف الأبواب المغلقة. لكن هذه المبادرة التي يطلق عليها بعض المراقبين بـ"الصفقة الكبرى"، تهدد بتهميش عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة؛ ما يجعل هذه الصفقة أمرًا كارثيًا  ينذر بتكرار الأخطاء التي اُرتكبت في أعقاب ثورة 2011 في اليمن.

تقود السعودية والإمارات مبادرة كارثية في اليمن تهدد بتهميش عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة

فمن أجل إنهاء الانتفاضة الشعبية وتجنب نشوب حرب بين النخب المتنافسة، دفعت دول الخليج -بدعم من المجتمع الدولي- الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح، آنذاك، لتسليم السلطة لنائبه في تشرين الثاني/نوفمبر لعام 2011. ولم يشمل الاتفاق أيًا من المطالب التي رفعها الشباب الثوري اليمني؛ فقد سُمح لصالح بالبقاء في اليمن، مع الحصانة من الملاحقة القضائية ونفوذ على كثير من الجيش اليمني، وترك بقية نظامه الفاسد. بعد ثلاث سنوات من توقيع الاتفاق، أدرك العالم ما عرفه اليمنيون بالفعل، لم يتم تفادي الحرب، بل تأجلت فقط.

اقرأ/ي أيضًا: حرب الإمارات ضد الشرعية في اليمن

ولإنهاء العنف في اليمن، يجب على المجتمع الدولي أن يعمل على وضع إطار للسلام يفي بمطالب الثورة، وينهي الفساد والاستبداد، ويسمح بقيام حكومة وطنية تتألف بُناءً على إرادة الشعب.

ومنذ أن قامت الحركة الحوثية بانقلاب في اليمن عام 2014، حاول المبعوث الخاص للأمم المتحدة التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإلى تسوية سياسية كذلك. لكن بعد ما يقرب من ثلاث سنوات، لا يزال اليمن منقسمًا بين الحوثيين وحليفهم الرئيس السابق عبدالله صالح من جهة، وحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف بها دوليًا، والتي ترعاها دول الخليج من جهةٍ أخرى، بالإضافة إلى أصحاب المصلحة المحليين، بما في ذلك المليشيات القبلية وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

اتفق المجتمع الدولي رسميًا على أن اتفاقية السلام التي تتوسط فيها الأمم المتحدة هي السبيل الوحيد للمضي قدمًا، إلا أن القوى الأجنبية فشلت حتى الآن فى تأييد خطاب السلام، وتقديم الدعم الكامل للعملية التي تقودها الأمم المتحدة. وبغض النظر عن اللامبالاة الواضحة من العالم ككل، فقد هاجم كل من الحوثيين وحكومة هادي مبعوث الأمم المتحدة إسماعيل ولد الشيخ أحمد، واتهمه كلٌ منهما بالتحيز لصالح الآخر.

الصفقة الكبرى

في الوقت نفسه، تتطور "الصفقة الكبرى" في الخفاء، بعد أن اجتمع مسؤولون إماراتيون وسعوديون مؤخرًا، مع ممثلين لمؤيدي هادي ومؤيدي صالح، واللذان يمثلان جناحي المؤتمر الشعبي العام، والحزب الحاكم في اليمن. ووفقًا لتقارير غير مؤكدة لكن موثوقٌة، سيخلق الاتفاق تحالفًا حكوميًا جديدًا يتألف من المؤتمر الشعبي العام والإصلاح وهو حزبٌ يضم الفرع اليمني لجماعة الإخوان المسلمين، مع خالد بحاح، رئيس الوزراء السابق للانقلاب في حكومة هادي، كرئيس، وأحمد علي صالح ابن الرئيس المخلوع عبد الله صالح، وزيرًا للدفاع.

يبدو هذا وكأنه استئناف لمبادرة مجلس التعاون الخليجي التي أنهت رئاسة علي عبد الله صالح بعد الثورة السلمية الطويلة عام 2011، لكن بشروطٍ أفضل للديكتاتور المخلوع، فبدلًا من الاضطرار إلى الاعتماد على مصادر سلطته الخفية وحدها، تضع هذه الصفقة ابنه ليصبح الحاكم الفعلي في اليمن، تمامًا مثلما أراد صالح دائمًا.

هناك فرصة كبيرة بأن المجتمع الدولي، على الرغم من مداهنته الكلامية حول أهمية قيادة الأمم المتحدة، سيؤيد هذه الصفقة الكبرى من منطلق نفعي. وهذا بالضبط ما حدث في عام 2011، حيث وقعت الأحزاب اليمنية الحاكمة على اتفاقٍ برعاية مجلس التعاون الخليجي واستبعد كل من الشباب الثوري وحركة استقلال الجنوب والحوثيين والمجتمع المدني.

ويشارك العالم في هذه الإصلاحات السطحية لأنه كان من الأسهل السماح لدول مجلس التعاون الخليجي بالتعامل مع اليمن بدلًا من بذل الجهد لمساعدة الشعب اليمني في تحقيق تغيير ذي مغزى، وقد أدار العالم ظهره لليمن في عام 2011، ومن المحتمل جدًا أن يفعلها مرةً أخرى.

هذه الصفقة التي يتم التفاوض عليها بدون مشاركة مبعوث الأمم المتحدة، ستكون كارثية لليمن؛ فهي تقوم في صميمها على مجرد إعادة توزيع النخب الجانية الفاسدة القديمة نفسها التي حكمت اليمن على مدى الأربعين سنة الماضية. قضى صالح وابنه وقتهما في تفكيك السلطة والتسبب في إفلاس مؤسسات الدولة، وتعزيز ثرواتهما ونفوذهما الشخصي، وإثارة الصراع الداخلي، وتجاهل الأزمات الاقتصادية والهيكلية المتعددة التي تسببت في عيش اليمن أسوأ حالة إنسانية في العالم اليوم.

الصفقة التي تقودها السعودية والإمارات ليست إلا إعادة توزيع للنخب الفاسدة القديمة التي حكمت اليمن على مدار 40 عامًا

وتعد الصفقة أيضًا سبيلًا لاستمرار العنف، لأنها تفشل في معالجة المظالم المحلية التي تسببت في نشوب الحرب الأهلية الحالية، والمظالم الجديدة التي انبثقت عنها. حتى لو تخلى صالح عن الحوثيين في السعي للحصول على موافقة السعودية، فإن الحوثيين، وهم الآن الحركة المسلحة الأقوى في اليمن، لن يتخلوا عن رأس المال وغنائمهم الأخرى التي اكتسبوها، دون الشروع في قتالٍ آخر.

اقرأ/ي أيضًا: أبوظبي والرياض في اليمن.. تغطية الفشل والصراع الخفي عبر اتهام الدوحة

إن المطالبين باستقلال الجنوب، والذين يسيطرون حاليًا على مقاطعات متعددة ويمتلكون عديد من المليشيات القوية، لن يهدأوا بمجرد تلقيهم وعودصأ غامضة بالحكم الذاتي بموجب هذه الصفقة الجديدة. هذا بالإضافة إلى أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب والفرع المحلي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وكلاهما حقق مكاسب إقليمية ومادية كبيرة منذ بدء الحرب، سيستمران في الازدهار طالما ظل اليمن غير مستقر. وسيستمر الملايين من اليمنيين الأبرياء المحاصرين بين الجماعات المسلحة والسياسيين المصابين بجنون العظمة في مقاساة الجوع والمعاناة، حتى يتحول اهتمام العالم نحو حربٍ جديدة.

لقد أعلن الشعب اليمني مطالبه بشكل واضحٍ خلال الانتفاضة الشعبية في عام 2011، يجب على النخب التي مزقت اليمن أن ترحل، وتُفسِح المجال لجيلٍ جديدٍ من القادة، وتتحول الخدمة المدنية التي قيّدها لفترة طويلة مجموعة من الفاسدين،إلى مجتمعٍ مدني نابض بالحياة حريص على العمل من أجل تغيير اجتماعي وسياسي إيجابي دائم.

كذلك يُعد التوصل إلى اتفاق سلام عادل وشامل أمرٌ حاسم لضمان المصالح الأمنية الإقليمية والعالمية. فمن الواضح أن لدى صُنّاع القرار في الولايات المتحدة هدفين رئيسيين في اليمن اليوم، وهما ضمان أن الجماعات الإرهابية لا تشكل خطرًا على أمريكا وحلفائها المحليين، ومنع توسع النفوذ الإيراني. ويستفيد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتنظيم داعش بشكل مباشر من عدم الاستقرار، ومن المساعدات العسكرية والمالية التي يقدمها التحالف إلى المليشيات المناهضة للحوثيين. إلى جانب أن تأثير إيران على الحوثيين وصالح يصبح أقوى كل يوم يطول فيه أمد هذه الحرب. واتفاق السلام الصحيح سيسهم في حل هذه الأزمات.

وللمجتمع الدولي الاختيار بين القيام بالعمل الشاق المطلوب للتوصل إلى حلٍ سياسي شامل لوقف الحرب، وبناء خطة لإعادة إعمار ما بعد الحرب، أو أن يرفع أيديه ويسمح للأطراف المتحاربة بتقسيم البلد مرةً أخرى، ويكتفي بمشاهدة اليمن ينزلق إلى الصراع مرة أخرى في غضون سنوات قليلة.

إن عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة معيبة للغاية، وهي ليست شاملة أو طموحة بما يكفي لتحقيق سلام دائم في اليمن، لكن يمكن تحسينها وتنفيذها بنجاح إذا كان المجتمع الدولي على استعداد حقيقي لدعمها. فالصفقة الكبرى بين السعودية والإمارات والمؤتمر الشعبي العام، سيئة بالنسبة لليمن، ويمكن للعالم قبولها بمبدأ أن أي شيء أفضل من لا شيء، أو أن يطرح حلًا بديلًا له مصداقية ويقدم أملًا حقيقيًا لليمن. وتحقيقًا لهذه الغاية، يتعين على المجتمع الدولي أن يشرع في تدخل دبلوماسى لتنشيط عملية السلام بقيادة الأمم المتحدة، ويجب على الولايات المتحدة قيادة هذا التدخل.

بديل بقيادة المجتمع الدولي 

لتهميش "الصفقة الكبرى" بشكلٍ فعال، يجب على الولايات المتحدة والأمم المتحدة وبقية المجتمع الدولي، تقديم إطار كامل للعمل على مطالب ثورة 2011، الذي دعت إلى إنهاء الفساد والحكم الاستبدادي في البلاد، وإقامة حكومة وطنية تقوم على أساس الجدارة وتتألف بإرادة الشعب.

التسوية السلمية في اليمن لابد أن تشمل المحاسبة على الانتهاكات التي ارتكبتها كافة أطراف الحرب اليمنية

أولًا، يجب على جميع أطراف النزاع الاتفاق على أنه من غير المسموح لأي فردٍ  شغل منصب رئيس الدولة أو عُين في منصب رئيسي في ظل حكم الرئيس صالح أو إدارة الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام؛ تولي المناصب العامة بعد كانون الأول/ديسمبر 2018. وتستبعد هذه القاعدة عددًا قليلًا من الموظفين الحكوميين المخضرمين، لكن من الضروري إزالة الحوافز التي دفعت جميع الأطراف إلى إفساد عملية السلام حتى الآن؛ فلدي اليمن أكثر مما يكفي من البيروقراطيين وقادة المجتمع المدني  الذين يمكنهم إدارة الدولة دون مساعدة أو عرقلة من كبار السياسيين.

اقرأ/ي أيضًا: مخلفات الحرب.. آلاف المعاقين في جنوب اليمن

ثانيًا، يجب أن تتضمن خطة السلام جدولًا زمنيًا صارمًا لسلسلة من الاستفتاءات حول تقرير المصير للمحافظات الجنوبية، لقد طالب الجنوبيون باستمرار بالحكم الذاتي، وتم تجاهلهم باستمرار. ولمنع انفصال الجنوب في فترة ما بعد الحرب مباشرة، يجب أن يكون هناك طريق واضح وديمقراطي نحو الاستقلال أو إعادة الاندماج الذي من شأنه أن يجعل الجنوبيين أكثر استعدادًا وقدرًة على المشاركة في إعادة إعمار اليمن.

ثالثًا، يجب أن تشمل التسوية السلمية المساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع، وأن تشمل أيضًا اتفاقًا بتدوين طلب إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان منذ عام 2011، بيد أن هذا قد يبدو هدفًا غير قابل للتحقيق، لكن من دون المساءلة، سيعود المفسدون مرة أخرى لتدمير سلام اليمن. وإذا رفضت الأطراف المتحاربة القيام بذلك كجزء من اتفاق السلام، يجب على مجلس الأمن الدولي إحالة الوضع في اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية. وستمضي سنوات  إن لم يكن عقود، قبل أن يتمكن القضاء اليمني من التعامل مع القضايا ضد شخصيات قوية، وتقديم المخالفين من جميع الأطراف إلى العدالة العاجلة.

رابعًا، وربما الأكثر إثارة للجدل، يجب ألا يتضمن اتفاق السلام أي وعود بالحصانة من الملاحقة القضائية، وينبغي أن تُلغى اتفاقات الحصانة المدرجة في مبادرة مجلس التعاون الخليجي لعام 2011. فقد أتاحت الحصانة المقدمة للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح في عام 2011 إعادة الظهور في عام 2014 لإفساد التحول الديمقراطي في اليمن وإطلاق الانقلاب الذي أشعل الحرب الأهلية الحالية. وبدون مساءلة المفسدين مثل صالح، وغيره ممن يستمرون في الربح من الفساد والحرب القائمة في اليمن ، سيستمر المخربون في العمل من جانبھم لتقويض الحکومة الانتقالية المقبلة.

وأخيرًا، ينبغي أن يوافق الأطراف على إنشاء جماعة وطنية لإعادة الإعمار، وأن يُمنح المقاتلون الذين يوافقون على تسليم أسلحتهم وظائف داخل هذه المجموعات. ليس لدى اليمن حاجة إلى جيش قوي للدفاع ضد التهديدات الخارجية. لكن انتشار العنف وانعدام الأمن في جميع أنحاء البلاد منذ عام 2011 يجعل من غير المعقول أن يعمد اليمنيون الذين يعتمدون في دخلهم الوحيد على الحرب إلى إلقاء أسلحتهم دون أي بدائل اقتصادية أخرى للحفاظ على سُبل عيشهم.

كي يتعافى اليمن من ويلات الحرب تحتاج إلى سلام شامل وحُكم كفؤ وإشراك لكافة اليمنيين خاصةً المهتمين ببقائه متحدًا

كما لا يمكن لعملية السلام أن تمنع عودة نشوب الصراعات الأهلية إلا من خلال إطلاق إصلاحات هامة لإعادة هيكلة قطاع الأمن، وإخراج الجنود من ساحة المعركة، ودفعهم  إلى العمل من أجل إعادة بناء الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: اليمن.. خمس سنوات في الطريق إلى الصوملة

لا يزال اليمن قادرًا على النهوض من جديد، لكن من أجل التعافي من هذه الحرب المدمرة، يحتاج إلى سلام شامل، وحكم كفؤ، ومساعدة كبيرة من المجتمع الدولي. ولا يمكن أن يتحقق السلام الدائم إلا من خلال إشراك اليمنيين الذين يبدون الاهتمام حيال بقاء اليمن متحدًا، وليس فقط أولئك الذين يسعون للاستفادة من غنائم الحرب واستخدام الموت والدمار والفساد لتأمين نفوذهم وقوتهم الشخصية. ويجب على الدول الأعضاء في مجلس الأمن والقوى الأجنبية الأخرى أن تلتزم اليوم بدعم عملية سلام ذات مصداقية بقيادة الأمم المتحدة، أو أن تخاطر بعدم التدخل، وما قد ينجم عنه من دخول اليمن في حربٍ لا نهاية لها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مؤامرة ابن زايد.. الإطاحة بالشرعية في اليمن ضمن مهمات التخريب

كيف سقط اليمن من أجندة التعاطف العالمي؟