ما وراء المساعدات المصرية لإيطاليا

ما وراء المساعدات المصرية لإيطاليا

المساعدات الطبية التي قدمتها مصر لإيطاليا في 4 نيسان/أبريل 2020 (egypttoday)

"وزيرة الصحة ترافق طائرتين عسكريتين مصريتين تحملان مساعدات طبية لإيطاليا". عنوان صغير لكنه أثار جدلًا كبيرًا بين وجهتي نظر كليهما يحمل قدرًا لا بأس به من الوجاهة، ولا يمكن الوصول منهما إلى رأي واحد صحيح قاطع.

حين كانت الصين أكثر المتضررين من الفيروس، وصلتها رغم إمكانياتها المادية والبشرية الكبيرة مساعدات طبية من دول كثيرة

الرأي الأول أن مصر من الدول محدودة الموارد، خصوصًا الموارد الطبية، وأن صفحات التواصل الاجتماعي مليئة باستغاثات من أطباء لا يجدون الكمامات وأدوات الوقاية من الفيروس، ومن ثم كان الأولى ضح هذه الشحنة في المستشفيات المصرية بدلًا من إرسالها لإيطاليا، وأن هذه المساعدات لها أهداف أخرى سياسية بخلاف هدفها المعلن ومنها دفع إيطاليا لاحقًا إلى تسوية قضية باحثها جوليو ريجيني الذي توفي بمصر قبل سنوات في ظروف ما زالت غامضة.

اقرأ/ي أيضًا: الأسفلت لا يساعد على التنفس

الرأي الثاني – وهو الرأي الذي أميل إليه بشكل شخصي – أن هذه كارثة عالمية، لن تعبرها دولة مهما كان حجمها ومهما كانت إمكانياتها دون مساعدة خارجية، الصين حين كانت أكثر المتضررين من الفيروس، ورغم إمكانياتها المادية والبشرية الكبيرة، وصلتها مساعدات طبية من دول كثيرة، وعندما تعافت نسبيًّا بادرت هي بإرسال المساعدات للدول التي ضربها الفيروس، ومن بينها أمريكا التي رغم مواردها الضخمة كانت بحاجة فعلًا إلى المساعدة.

هذا يعني أن مساندة الآخرين ربما يكون موقفًا براجماتيًا قبل أن يكون موقفًا أخلاقيًا، لأنه سيعود عليك بنفع أكبر بكثير إذا دارت دائرة الفيروس وضرب بلادك بقسوة، حينها ستعاملك دول العالم بالمثل وتنهمر عليك مساعدات ستكون وقتها بحاجة إليها أكثر من حاجة إيطاليا لمساعداتك الأخيرة.

ورغم اقتناعي التام بمشاركة مصر في جهود الإغاثة الدولية للدول الأكثر تضررًا إلا أن هناك تساؤلات أيضا يجب طرحها، مثلًا: لماذا رافقت وزيرة الصحة هالة زايد قافلة المساعدات بنفسها؟

لو رافق القافلة أي مسؤول رسمي آخر، ولو حتى وزير الخارجية، ما كانت هناك مشكلة إضافة إلى القيادات العسكرية التي رافقتها بالفعل، لكن أن تترك المسؤولة الأولى عن الصحة البلاد بعد ساعات من تسجيل أعلى معدل زيادة يومية للإصابات والوفيات فهذا تصرف غير مفهوم وغير مسؤول أيضًا، نحن نتحدث عن 12 ساعة على الأقل قضتها الوزيرة بعيدًا عن متابعة ما يحدث في ملفها، ناهيك عن الأثر النفسي لوجودها بشخصها على رأس فريق المواجهة، وأثر ذلك على الأطباء والعاملين في المنظومة الصحية، خصوصًا في وقت كان معدل الإصابات في مصر قد بدأ في مساره التصاعدي.

ثم: لماذا إيطاليا فقط؟ قبل عشرة أيام تقريبا أرسلت مصر مليون كمامة ومساعدات أخرى لإيطاليا، ثم قبل يومين أرسلت طائرتين عسكريتين محملتين بالمساعدات، فلماذا لم تذهب قافلة المساعدات الثانية لدولة أخرى، خصوصًا أن هناك دولًا أخرى أصبحت تفوق إيطاليا في عدد الوفيات والإصابات اليومية مثل إسبانيا وبريطانيا، ودولًا أخرى عربية أصبحت تحقق نسب إصابة مرتفعة مثل الجزائر والمغرب؟

وهذا يأخذنا مباشرة للسؤال الثالث عن الشفافية في وقت كهذا يجب إشراك المواطنين في كل شيء، يجب أن يعرفوا لماذا تذهب أموال ضرائبهم لإيطاليا بالذات؟ وما هو حجم هذه المساعدات وتكلفتها؟ وهي هناك في المخزون الوطني ما يغطيها؟ وما هو حجم المخزون الوطني أصلًا؟ وما هو حجم الإنتاج المحلي اليومي من أدوات الوقاية؟ وما عدد أسرة العناية المركزة وأجهزة التنفس الصناعي التي تملكها منظومتنا الصحية؟

أسئلة مهم يُفترض أن يمتلك كل مواطن مصري الإجابة عليها دون مجهود وببحث صغير على محرك البحث، لكن أزعم أن الغالبية الساحقة من العاملين في المنظومة الصحية أنفسهم لا يعرفون إجابة لها، لذلك فالأمر يتخطى الجدل حول مبدأ مساعدة الآخرين في هذه الظروف، إلى قضايا أكثر عمومية حول الشفافية والمكاشفة بشكل عام وفي المنظومة الصحية، خصوصًا في وقت يتشارك فيه الجميع المسؤولية ودفع الضريبة، فيجب أن يتشاركوا فيه المعرفة أيضًا.

*

 

لو أن هناك مكاسب لثورة يناير فأبرزها أن لا تحكم على شخص قبل أن تضعه في موقع المسؤولية وتراقب أقواله كأفعاله.

الأزمات كاشفة، وهي فرصة ليعرف كل مصري من يمثله ومن يمثل عليه

قبل 2011، كان اسم المستشار بهاء الدين أبو شقة يتردد بكل تبجيل واحترام كأحد القامات القانونية الكبيرة والشخصيات العامة المعتبرة وذات الصيت، لكن منذ ظهر إلى السطح وتولى رئاسة اللجنة التشريعية في البرلمان رأينا منه ما نرى من غيره من المشهورين بالتصريحات الكارتونية وأكثر.

آخر ما فعله أبو شقة الحديث عن مشروع قانون يلزم المواطنين ممن تتجاوز رواتبهم الخمسة آلاف جنيه بالتبرع بنسبة ثابتة من الرواتب لدعم جهود الدولة في مواجهة كورونا.

اقرأ/ي أيضًا: هشاشة النظام

الرجل الذي يتولى مسؤولية التشريع في البرلمان عندما أراد أن يوفر موارد الدولة لم يفكر في قانون يلزم رجال الأعمال بالحفاظ على العمالة، أو لتطبيق الضرائب التصاعدية والضريبة على الأرباح الرأسمالية، بل اتجه لجيوب من لا تتجاوز رواتبهم 350 دولارًا شهريًا في وقت تزيد فيه الأسعار وتندر السلع ويعاني الجميع!

الأزمات كاشفة، وهي فرصة ليعرف كل مصري من يمثله ومن يمثل عليه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيروسات لا تستأذن مأمور السجن

من لا يعرف.. يخفْ!