محمود أشونكولوف/ أوزبكستان

يساعدك طول البقاء في المنزل نتيجة استمرار تفشي فيروس كورونا على التفكير بشكل مختلف في أشياء لم تكن لتفكر فيها بهذا الشكل بينما تدور الحياة دورتها العادية.

الأيدلوجيات التي تُدرس قواعدها في الجامعات والمعاهد وتنافس في الانتخابات انهارت أمام أول اختبار كبير ودسيت مبادئها وأفكارها بالأحذية

العنوان العريض لهذه التأملات هو "الهشاشة"، هشاشة النظام العالمي الجديد، هشاشة الأيدلوجيات السياسية، هشاشة الدول التي كانت تبدو شديدة الصلابة، هشاشة التحالفات والاتحادات التي تجمع الدول ببعضها، هشاشة المنظومات الصحية، هشاشة سياسات التنبؤ بالمخاطر، هشاشة تصوراتنا عن أنفسنا وعن الآخرين.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا.. الديمقراطية بين قوسين

النظام العالمي الجديد كان من نتائجه المباشرة أن يملك 2153 شخصًا ثروات تعادل ما يملكه 60% من سكان العالم، بحسب تقرير منظمة أوكسفام الخيرية، وعليه تحولت الأغلبية الساحقة من سكان الكوكب إلى "موظفين"، سواء في أعلى درجات السلم الوظيفي أو أسفلها، راتبهم الشهري خمسة أصفار أو صفر واحد، وعليه فإن توقف الحياة والرواتب لعدة أشهر لأي سبب، يكفي ليموت الملايين جوعًا، سيعجزون عن سداد التزاماتهم للبنوك وشركات الرهن العقاري وأصحاب المنازل.

لن يصبح في بطاقة الائتمان ما يسمح بدخول الإنسان السوق وشراء احتياجاته، وإذا أراد أن يفعل كما فعل الإنسان الأول حين كان يجمع غذاءه من الطبيعة، لن يجد شيئًا لا يزال على المشاع، لا بساتين ولا أشجار مثمرة ولا حيوانات تصلح للصيد، وإذا أراد أن يتقاتل مع الآخرين على الغذاء كما في العصور الأولى واجهته عصا المدنية التي أصبحت تعاقب على السرقة والاعتداء.

تلك الأيدلوجيات التي تُدرس قواعدها في الجامعات والمعاهد وتنافس في الانتخابات انهارت أمام أول اختبار كبير وديست مبادئها وأفكارها بالأحذية، الحكومة الإسبانية قررت تأميم جميع مستشفيات ومنشآت تقديم الرعاية الصحية، الحكومة البريطانية قررت تأميم خطوط السكك الحديدية، وزير المالية الفرنسي يعلن أن الحكومة مستعدة إلى اللجوء لكافة السبل، ومن بينها تأميم الشركات إذا لزم الأمر، عناوين ما كان أحد في العالم يتخيل أن يقرأها تحت أي ظرف من حكومات وأحزاب بالغت لسنوات في تقديس الملكية الخاصة واعتبرتها مشروعها السياسي وحصانها الرابح.

منظومات صحية كنا ننظر إليها من دولنا في الشرق الأوسط على أنها النموذج الذي نسعى للوصول إليه يومًا ما تتداعى أمام أزمة كورونا، صحيح أنها أزمة ضخمة وغير متوقعة، لكن المفترض في أي منظومة صحية أنها مؤهلة للتعامل مع حالات الطوارئ القصوى، فرنسا تترنح وهي لم تتجاوز بعد حاجز الـ17 ألف إصابة، وإسبانيا لا تجد أماكن علاج مناسبة للمرضى وعندها فقط 33 ألف إصابة، دولتان فقط في العالم تجاوزتها حاجز الـ50 ألف إصابة ولم تصل أي دولة بعد إلى رقم 100 ألف، هذا يعني أن هذا أن كل المنظومات الصحية في الدول الكبرى لم تضع في اعتبارها أنها قد تخوض حربًا مثلًا، لأن حربًا متوسطة كانت ستخلف عدة أضعاف هذه الإصابات مع العلم أنها ستكون أخطر وفي حاجة لتدخلات طبية عاجلة وجراحات، ليس كما كورونا يحتاج 10% فقط من مصابيها للتدخل الطبي.

عبر سنوات طويلة اقتطعت حكومات الدول من ميزانيات الصحة لصالح أعمال استعراضية مثل الاستثمار في التجارب النووية أو التسابق على النفط والغاز أو الحروب والتوسعات الخارجية، بتواطؤ من برلمانات سيطر عليها لعقود توجه أيدولوجي واحد ينظر للشعوب نظرة الشركات لموظفيها.

كل المنظومات الصحية في الدول الكبرى لم تضع في اعتبارها أنها قد تخوض حربًا مثلًا

وجدنا أنفسنا أمام تحالفات هشة تظهر في المنافع وتختفي في المصائب، الآن يترك الاتحاد الأوروبي إيطاليا تحارب وحدها ويغلق حدوده في وجه مواطنيها، بل وتصادر التشيك شريكتها في الاتحاد شحنة مساعدات طبية قادمة إليها من الصين، تحظر دول مجلس التعاون الخليجي دخول مواطني الدول الأخرى الأعضاء في المجلس، لم تهتم روسيا بمشاركة إيران الوباء كما شاركتها الحرب والسياسة، ولم تهب الولايات المتحدة لنجدة حلفائها حتى قبل أن يضربها الفيروس وتنشغل بنفسها.

اقرأ/ي أيضًا: مقامة الكورونا الأندلسية

لا أعرف إن كانت الخيوط تتباعد الآن أم أنها تتعقد أكثر، لكن الأكيد أن كثيرًا من الأشياء ستتغير بعد انتهاء هذه الأزمة. كثير من الدول والشعوب ستبدأ مراجعات لتعرف أين تقف وأين أوصلتها السياسات السابقة وما إذا كانت في حاجة لتبني سياسات جديدة، ملايين الأشخاص سينظرون إلى أنفسهم وإلى الأشياء بشكل مختلف، ربما يُفضي ذلك كله إلى عالم أفضل، أو أسوأ، لكنه حتمًا سيؤدي إلى عالم مختلف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الإنسان المعاصر ومآلات الفزع

دروس الكورونا السبعة