كيف يؤثر الجهاز المناعي على سلوكنا الاجتماعي؟

كيف يؤثر الجهاز المناعي على سلوكنا الاجتماعي؟

كيف يؤثر الجهاز المناعي على سلوكنا الاجتماعي؟ (Getty)

ساد لوقت طويل الاعتقاد أن الدماغ البشري هو مكان خاص، ومنفصل إلى حد بعيد عن الجهاز المناعي. نحن نتحدث عن الحاجز الدموي الدماغي، وعن الامتياز المناعي له، في الوقت الذي كان يُعتقد فيه أنه يقبع هناك في بُعد آخر، ومنفصل تمامًا عن الجهاز المناعي. لقد قيل لنا إن الخلايا العصبية، وهي من المكونات الأساسية للمخ، دائمًا ما كانت أثمن من أن يتم التضحية بها في قتال شوارع ضد فيروس أو بكتيريا غازية للجسم، ولهذا كان يجب أن يبقى الدماغ معزولًا في فقاعة خاصة، محميًا من العدوى والنشاطات المناعية.

كما يحدث غالبًا في العلم، ثبت لدينا أن الحقيقة أكثر تعقيدًا، فباستمرار نكتشف روابط جديدة بين الجهازين المناعي والعصبي.

ساد لوقت طويل الاعتقاد أن الدماغ البشري هو مكان خاص، ومنفصل إلى حد بعيد عن الجهاز المناعي لكن دراسة جديدة تؤكد عكس ذلك

من المعروف أن الحمى، وهي إحدى أهم مظاهر الدفاع المناعي، تؤثر على سلوكنا ومزاجنا، فعندما تصاب بالحمى، تشعر بأنك لست على ما يرام، تفقد الشهية، والطاقة، وحتى الحماس الذي ينتابك تجاه الأشياء التي اعتدت أن تستمتع بها. هذا الأمر لا يحدث مصادفة، كما أنه لا يحدث بسبب حرارة جسدك الآخذة في الارتفاع. على الجانب الآخر، فممارسة التمارين الرياضية في يومِ حار يمكن أن ترفع درجة حرارة جسدك أكثر مما تفعل الحمى عادة، ومع ذلك فإنها لا تسبب الشعور بالخمول وفقدان الطاقة.

اقرأ/ي أيضًا: أسباب محتملة لشعورك الدائم بالتعب والإرهاق

نحن غالبًا لا نفكر في الأمور بهذه الطريقة، لكن المشاعر التي تنتاب الإنسان مصاحبةً للحمى تعتبر أعراضًا نفسية، إنها تغير من الحالة المزاجية، كما تتلاعب بمشاعرنا الذاتية، لكنها أيضًا تغير من سلوكنا الخاص. غالبًا أننا لن نغادر المنزل، أو نقوم بأي عمل، أو حتى نقوم بأي تفاعل اجتماعي، إننا فقط نريد أن نبقى في المنزل مستلقين على أسرتنا. القيمة التطورية لهذا التصرف تبدو شديدة الوضوح، فببقائنا بالمنزل، نحن نوفر الطاقة القيّمة التي نفقدها في الدفاعات المناعية، وبهذا تنقذ الأعراض النفسية التي تصاحب الحُّمى الكثير من حياة البشر والحيوانات.

يمكن أن يكون هناك بعدًا اجتماعيًا آخر للحمى، فمع شعورنا بصعوبة التحرك، تتسبب الحُمى في تقليل تفاعلنا مع الآخرين. هذا الأمر قد يكون ذكيًا في الحقيقة، فإذا كان المرض مُعديًا، فإن هذا السلوك قد يساهم في منع انتشاره وسط أعضاء جماعتنا. خصوصًا بين أقاربنا البيولوجيين وهم أكثر من نتفاعل معهم في معظم الحالات.

لقد حصلت فكرة أن النشاط المناعي يستطيع تغيير سلوكنا الاجتماعي على دعمٍ كبير للغاية. لقد توصل باحثون في جامعة فيرجينيا إلى اكتشاف كيفية تأثير الجزء المناعي "إنترفيرون جاما" على السلوك الاجتماعي لدى الفئران بشكل مباشر وعميق.

إنترفيرون جاما (IFN-y) هو أحد أشهر أجزاء النظام المناعي. في الواقع، إنه بروتين قوي مضاد للفيروسات، بإمكانه التأثير على كل خلايا الجسم. يمتلك الإنترفيرون جاما وظيفة مزدوجة، فهو جرس إنذار ينبه الخلايا بهجوم البكتيريا الوشيك، كما يعتبر المنظم الرئيس للاستجابة المناعية. يُفرَز الإنترفيرون جاما بواسطة أنواع مختلفة من خلايا الدم البيضاء في الأوقات التي يتم الكشف فيها عن هجوم عدوى. فعندما يلمس الخلايا الأخرى، فإنه يجبرها على التخلي عن أسلوبها الخاص في الدفاع، والانخراط في نشاطات هيكل دفاعي متكامل لوقف، ومهاجمة، وتدمير مسبب العدوى.

لقد وجد الباحثون أن التشويش على إشارات شبكة "الإنترفيرون جاما" يجعل الفئران أقل مشاركة في النشاطات الجماعية. الأكثر أهمية هو أن العزوف عن النشاطات الجماعية يعتبر تأثيرًا مباشرًا وليس أمرًا حدث بالمصادفة نتيجة اعتلال الحركة أو زيادة القلق. يبدو أن "الإنترفيرون جاما" يعمل بشكل خاص على الرغبة في قضاء الوقت مع الآخرين، فقد توصل العلماء لتضمينه في شبكة إشارات في المخ تعمل على ربط النشاط المناعي بالسلوك الاجتماعي، محطمين بهذه الفكرة كل اعتقاد قائم على الفصل بين الدماغ وجهاز المناعة.

تبدو الآثار المترتبة على هذا الكشف الجديد بعيدة المنال، حيث يثبت أن "الإنترفيرون جاما" يعمل على تقليل النشاطات الاجتماعية لدى الثدييات في الأوقات التي تقاوم فيها العدوى. هذا الاعتقاد يتعدى حدود علاقة "الإنترفيرون جاما" بالحمُى. تعتبر الطرق المتداخلة إحدى السمات المعروفة للمناعة من أجل تحقيق غايات متشابهة. يرجع هذا الأمر للتطور الذي شهده جهازنا المناعي عبر ملايين السنين، نتيجة الصراع مع الفيروسات والبكتيريا التي تطورت بدورها عبر كل تلك الحقب التاريخية. في الواقع، إذا تم تأكيد صحة هذا الاكتشاف، فإنني أعتقد أن الفيروسات سوف تكتشف قريبًا طرقها نحو تعطيل هذا التأثير للإنترفيرون جاما، من أجل دعم السلوك الاجتماعي للكائن المضيف لتسهيل انتقال العدوى.

اقرأ/ي أيضًا: انفوجرافيك: ماذا تعرف عن القلق والاسترخاء؟

حسب دراسة جديدة توصل باحثون إلى اكتشاف كيفية تأثير الجزء المناعي "إنترفيرون جاما" على السلوك الاجتماعي

هناك أيضًا أثر آخر لدراسة أنواع الشخصيات الاجتماعية والتنوع العصبي. لقد قادت دراسة رصينة للمنتمين لطيف التوحد إلى تغير كبير تمثل في التفكير بعيدًا عن نموذج "اضطراب التوحد" مقتربين من نموذج "التنوع العصبي". بشكل مختصر، الكثيرون يعتقدون الآن أن طيف التوحد في حقيقته هو مجرد نهاية واحدة لسلسلة متصلة من أنواع الشخصيات التي تضم الشخصيات المتطابقة عصبيًا.

يبدو التطور كآلة لخلق التنوع عندما ننظر إليه من خلال الطفرات العشوائية. على الأغلب، سيبدو الأمر ممكنًا أن الشخصية والوظائف العصبية قد يكونا جزءًا من التنوع. على كل حال، تتجلى عبقرية البيولوجيا البشرية في أننا لم نتطور لنكون نمطًا واحدًا. حيث تكمن عظمتنا في القدرة على التكيف. فمع أدمغتنا القوية التي تقودنا، نحن الكائنات العليا في كوكبنا. لأجل هذا، يكون التنوع أمرًا أساسيًا بالنسبة لنا.

يبدو أن "الإنترفيرون جاما"، بجانب دوره في حالة وجود العدوى، يعمل على مستوى خاص يختلف باختلاف أجسامنا. ثمة تخمين يراهن على أن المستويات المختلفة لعمل "الإنترفيرون جاما" قد تشرح أسباب أن يكون البعض عرضة للاستجابات المناعية الشديدة، وتلك المتعلقة بالحساسية المفرطة، وربما يعمل أيضًا على التكهن بمن ينجون من عدوى تعفن الدم، ومن لا ينجون منها. وقد يرتبط "الإنترفيرون جاما" أيضًا بالإصابة بالسقم العام، إلا أنه لم يُكتَشف بعد برهان جيني يدعم هذه الفرضية.

مع ذلك، ومع معرفتنا الحالية بأن "الإنترفيرون جاما" يمتلك تأثيرًا مباشرًا على سلوكنا الاجتماعي، تصعد فرضية أنه ربما يمتلك دورًا في بناء الشخصية والتنوع العصبي. فإن كان التنوع في مستويات "الإنترفيرون جاما" مرتبطًا بالتنوع في السلوكيات الاجتماعية، فثمة رابط قوي ومهم قد تمت صياغته. وهكذا تبدو الأمور في مظهر أكثر أناقة. ففي نظرنا يجب أن نحفظ جيدًا الدرس الذي بدأ هذه القصة الرائعة: الحياة لم تكن أبدًا بمثل بساطة أفكارنا عنها.

مع نظرتنا تلك الجديدة كليًا، فإن الصورة الناشئة لطبيعة العلاقة بين المناعة والسلوك الاجتماعي هي صورة مُقنِعة لقصة العبقرية الخلاقة للتطور. لذا في المرة القادمة التي تطرحك فيها الحمّى أرضًا، تذكر الخدمة العظيمة التي يقدمها "الإنترفيرون جاما" للأشخاص الذين تحبهم، وذلك بالعمل على دماغك لإبقاء جسدك المريض بعيدًا عنهم.

 

ترجمة بتصرف عن هذا الرابط

اقرأ/ي أيضًا:

أغذية تساعدك في التغلّب على القلق

تونسية شابة تقدم أملًا جديدًا لمرضى الزهايمر