07-أكتوبر-2021

روايات من ترجمة علماني

لا يغادر المترجم الراحل صالح علماني نقاشات الفيسبوك، إلى درجة يبدو فيها كل ما يدور حوله ليس سوى سجال طويل ومستمر، يمزج بشكلٍ جائرٍ جهوده في ترجماته بمواقفه السياسية. وإذا اتفقنا بأننا أمام جدال واحد فثمة فقرة ثابتة عن خيانته المعلنة كمترجم، مع أن فكرة الخيانة لم تعد تثير شبهة بمقدار ما باتت تمثل خيارًا أو مذهبًا بين أهل الترجمة.

لم تعد فكرة الخيانة في الترجمة تثير شبهة بمقدار ما باتت تمثل خيارًا أو مذهبًا بين المترجمين

أبرز ما يترّدد في هذا الجانب هو ترجمته لعنوان رواية ماركيز الأشهر "مائة عام من العزلة" بهذه الصيغة بدلًا من أن يكون، كما في الأصل الإسباني: "مائة عام من الوحدة".

اقرأ/ي أيضًا: عن صالح علماني.. المترجم ليس مجرد وسيط لغوي

على الرغم من أنه لا يوجد ما يُلزم المترجم أو الناشر بالعنوان الأصلي على الإطلاق، فثمة الكثير من الأعمال التي تتخذ عناوين جديدة في كل لغة تنتقل إليها، واليوم نرى في متابعتنا لمنصة نتفليكس كيف يأخذ العمل عناوين مختلفة في الترجمات المستهدفة، وما ذلك إلا بحث عن طرق لاستقطاب المشاهدين من خلال تقريب عناوين الأعمال إليهم، دون اهتمام بجماليات اللغات وأمزجتها، لكن جهود مترجمي نتفليكس تفاجأ نفسها فتذهب في مرات قليلة مذهبًا شعريًّا في بعض عناوينها، ومثالنا هنا ترجمة عنوان فيلم من العام الماضي هو "الشيطان دائمًا" أو "الشيطان طوال الوقت" (The Devil All the Time) بـ"شيطانٌ أبدَ الدهر". ويالها من التقاطة!

كل ما يمكن أن يقال عن دقة كلمة "وحدة" وعشوائية كلمة "عزلة" يسقط عند المقارنة بين العنوانين، لأن القوة التعبيرية في العنوان الذي ينتهي بكلمة "عزلة" لا تقول خلاصة الكتاب ومصير شخصياته وحسب، بل تسطع بحد ذاتها كجملة شعرية مكثفة ودقيقة في عاطفيتها ومأساويتها، بينما تبدو "مائة عام من الوحدة" جملة ميلودرامية ليس أكثر!

وبسبب هذه الفكرة لدي مجموعة من الأشياء التي راقبتها كقارئ لهذه الترجمات على مدار سنوات طويلة، أولها كلمة "الناصية" في عنوان رواية "الفردوس على الناصية الأخرى" لماريو بارغاس يوسا. كلمة جاءت حاسمة، ولعلها لن تخطر لمترجم آخر ما تكن له ما لصالح من علاقة مع الكلمة والجملة. العنوان الإنجليزي لهذه الرواية عنوان سهل، كي لا أقول جبانًا. إنه هكذا بالضبط: "الطريق إلى الفردوس". وليوسا نفسه، في واحدة من أهم رواياته، عنوان ترجمته الحرفية هي "مأدبة التيس"، أو "وليمة التيس" في خيار قريب آخر، وهو العنوان الذي حافظت عليه الترجمة الإنجليزية للرواية، لكن قارئ العربية تلقى هدية ثمينة بكلمة "حفلة". فإذا كانت هذه الرواية مطروحة بوصفها عملًا عن دكتاتور، فإن القارئ مع "مأدبة" أو "وليمة" سيعرف فورًا أن هناك اغتيالًا، لكن كلمة "حفلة" تقترح صفقة أخرى مع الكتاب، لأنها تأخذ المعنى إلى لحظة يتركب فيها الغموض على الوضوح، بل تمزجهما معًا بذلك الشكل المحير الذي يدفعك إلى تصفحه.. ثم قراءته.

لا يوجد ما يُلزم المترجم أو الناشر بالعنوان الأصلي على الإطلاق، وثمة الكثير من الأعمال التي تتخذ عناوين جديدة في كل لغة تنتقل إليها

مثال آخر يرد في رواية "الكهف" لجوزيه ساراماغو، التي تتحدّث عن مركز تجاري عملاق قائم على الكهف الرمزي الذي تحدث عنه أفلاطون. تدور الرواية حول الصراع النفسيّ الذي يخوضه الفاخوريّ العجوز سيبريانو ألغور وابنته مارتا، لحظة انتهاء عمل ورشتهما وإحالة فرنهما وصلصاله إلى التقاعد، لأن المركز يتوقف عن شراء منتجاته لأن إقبال الزبائن منصب على الأواني البلاستيكية.

اقرأ/ي أيضًا: صالح علماني.. في ذكرى مترجم الواقعية السحرية

في هذه الرواية، يعثر سيبريانو على كلب. اسم هذا الكلب في الترجمة الإنجليزية "فاوند" (Found)، أي بمعنى وجدتُ أو عثرتُ، وتأتي الضربة العبقرية من المترجم الذي لا يعرف لغته تمامًا فقط، إنما يعرف دور الترجمة وإمكانيات الإبداع فيها، ولهذا سيُسمي هذا الكلب كما يجب أن يُسمى باللغة العربية: "لُقْيَة".

هذا عن صالح في ترجماته. والأمثلة التي يمكن أن تساق أكثر من كثيرة، أما عنه مثقفًا وصاحب آراء إشكالية فهذه يمكن أن تناقش بشكل مستقل، ومن غير المعقول أنه لأجل الانتقام منه على مواقفه السياسية المعادية للثورة السورية أن ندفّع عمله الثمن. نقد رأيه شيء وإنصاف جهده شيء آخر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عبد السلام بنعبد العالي: عندما تغدو الترجمة إبداعًا

الترجمة ما بعد الكولونيالية